د. وسام صافي*
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بنتائجها السياسية أو بتغير خطوط النفوذ والجغرافيا، بل باتت تُنتج آثاراً أعمق وأكثر استدامة، تتمثل في إعادة تشكيل العقائد العسكرية والاقتصادات الصناعية والتكنولوجية للدول. وكما كانت الحروب الكبرى في التاريخ محرّكاً لتطور الطيران والرادار والإنترنت والفضاء، تبدو الحروب الجارية اليوم – من الحرب الروسية الأوكرانية إلى المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها، ولا سيما حزب الله – مرشحة لإحداث تحوّل جذري في مستقبل الدفاع الجوي والصناعات العسكرية العالمية.
لقد كشفت هذه الحروب عن واقع جديد: منظومات الدفاع التقليدية تواجه اختباراً قاسياً أمام موجات كثيفة ومتزامنة من الصواريخ البالستية والصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة الانتحارية والاستطلاعية. ولم يعد التحدي مقتصراً على القدرة التقنية في اعتراض الأهداف، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالمعادلة الاقتصادية للحرب نفسها.
ففي كثير من الحالات، قد تُستخدم طائرة مسيّرة لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات لاستنزاف صاروخ اعتراضي تبلغ كلفته مئات آلاف أو حتى ملايين الدولارات. وهنا يظهر سؤال استراتيجي جديد: كيف يمكن للدول أن تخوض حروب استنزاف طويلة دون استنزاف ميزانياتها الدفاعية؟
هذا التحول يدفع العالم إلى البحث عن وسائل اعتراض منخفضة الكلفة وعالية الفعالية، وهو ما يفسر التسارع الكبير في الاستثمار بأسلحة الطاقة الموجّهة والليزر، باعتبارها قادرة – نظرياً – على تقليص تكلفة الاعتراض بشكل كبير مقارنة بالصواريخ التقليدية. فالطلقة الليزرية لا تحتاج إلى صاروخ باهظ الثمن، بل إلى طاقة كهربائية وقدرات تتبع واستهداف فائقة الدقة.
لكن التطور لن يتوقف عند حدود الدفاع. فالحروب أثبتت مجدداً أن سباق السيف والدرع لا ينتهي؛ فكل تطور دفاعي يقابله تطور هجومي مضاد. ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة انتقالاً متسارعاً نحو جيل جديد من الطائرات المسيّرة الأقل قابلية للتشويش والأكثر قدرة على تجاوز أنظمة الحرب الإلكترونية.
وفي هذا السياق، يبرز اتجاه متزايد نحو استخدام الطائرات المسيّرة الموجّهة بالألياف البصرية (Fiber Optic Drones)، التي لا تعتمد على أنظمة الملاحة الفضائية (GPS) أو أنظمة الاتصال والـ Telemetry التقليدية القابلة للتشويش أو الاختراق الإلكتروني. ويمنح هذا النوع من التوجيه مرونة عملياتية أعلى، ويقلل من فعالية أدوات الحرب الإلكترونية التي أصبحت عنصراً أساسياً في ساحات القتال الحديثة.
وبالتوازي مع ذلك، يتجه العالم نحو دمج الذكاء الاصطناعي والرادارات المتقدمة وأنظمة الحرب الإلكترونية وأسلحة الطاقة الموجّهة ضمن منظومات شبكية موحّدة، ما قد يمهّد لظهور ما يمكن تسميته الدفاع الذكي بالطاقة الموجّهة (Intelligent Directed-Energy Defense)؛ أي بيئة دفاعية متكاملة تتخذ قراراتها بشكل شبه لحظي اعتماداً على تحليل البيانات والتهديدات في الزمن الحقيقي.
غير أن الجانب الأكثر أهمية ربما لا يكمن في التكنولوجيا العسكرية ذاتها، بل في آثارها الاقتصادية والصناعية. فمع تزايد الطلب على هذه الأنظمة، بدأت الحكومات حول العالم تتجه نحو سياسات جديدة لتحفيز شركات التصنيع العسكري، ليس فقط عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، بل أيضاً من خلال توفير حوافز استثمارية وتمويلات بحثية وشراكات بين القطاعين العام والخاص.
إننا أمام مرحلة قد تشهد ولادة موجة جديدة من “الاقتصاد الدفاعي التكنولوجي”، حيث تتحول شركات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والبرمجيات، والروبوتات، والاتصالات، والطاقة، إلى مكونات أساسية في الصناعة العسكرية الحديثة.
كما أن الحدود التقليدية الفاصلة بين الصناعات المدنية والعسكرية بدأت بالتلاشي. فالابتكارات التي تطوَّر لأغراض عسكرية ستنتقل لاحقاً إلى الأسواق المدنية كما حدث سابقاً مع الإنترنت ونظم تحديد المواقع والذكاء الاصطناعي. وبالتالي، فإن الحروب الراهنة قد تكون حافزاً لتكوين منظومات صناعية جديدة تتجاوز الإطار العسكري البحت لتؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله.
لقد غيّرت الحرب الروسية الأوكرانية مفهوم المعركة البرية والطائرات المسيّرة، وربما ستدخل المواجهة بين إسرائيل وإيران وأذرعها التاريخ بوصفها المرحلة التي دشّنت الانتقال من عصر الدفاع الصاروخي التقليدي إلى عصر Intelligent Directed-Energy Defense وسباق الذكاء الاصطناعي العسكري.
وفي النهاية، قد لا يكون المنتصر الحقيقي في حروب القرن الحادي والعشرين هو الطرف الذي يملك أكبر ترسانة صاروخية، بل الطرف القادر على تحويل الابتكار العلمي والتكنولوجي إلى قوة اقتصادية وصناعية مستدامة.
*عميد مهندس متقاعد




