زيارة ترامب إلى الصين:
إختبار الهدنة التجارية
ومعاني حرب إيران

13.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

كتب فيصل أبوزكي

تأتي زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحالية إلى الصين بعد حرب إيران، وفي توقيت يمنحها أبعاداً تتجاوز الاقتصاد والتجارة إلى اختبار توازنات القوة العالمية الجديدة.

وهي تحصل فيما لا تزال تداعيات الحرب تلقي بثقلها على أسواق الطاقة والتجارة والممرات البحرية وفي ظل هدنة تجارية أميركية ـ صينية مرشحة للتمديد، ومع ملفات مفتوحة تشمل المعادن النادرة، الرقائق، الذكاء الاصطناعي، تايوان، أمن الطاقة، ودور الصين في علاقتها مع إيران.

وتشمل أجندة المحادثات التجارة والاستثمار وإيران وتايوان والأسلحة النووية والذكاء الاصطناعي، مع توقعات أميركية بإمكان تمديد تفاهم المعادن النادرة وفتح مسارات لصفقات زراعية وصناعية.

لا يمكن الاستنتاج أن الزيارة تُبشر بإمكانية عودة العلاقات الأميركية ـ الصينية إلى ما قبل مرحلة شبه الطلاق الاقتصادي. الأقرب أنها محاولة لتحويل القطيعة من مواجهة مفتوحة إلى انفصال مُدار.

تريد واشنطن مشتريات صينية من الحبوب واللحوم والطائرات، وتريد ضبط ملف المعادن النادرة، وربما تريد من بكين دوراً ضاغطاً على طهران، خصوصاً أن الاقتصاد الأميركي لا يزال حساساً تجاه التضخم واضطرابات سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والمعادن الاستراتيجية.

أما الصين فتريد تثبيت صورتها كقوة لا يمكن تجاوزها في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وأن تحصل في المقابل على تخفيف في بعض القيود والعقوبات المرتبطة بإيران والتكنولوجيا. وتشير تقارير أميركية إلى أن الهدنة التجارية مرشحة للتمديد، لكن الملفات البنيوية، من الرقائق إلى السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي، ستبقى خارج أي تسوية شاملة.

حرب إيران تغيّر معنى الزيارة

جعلت حرب إيران ترامب يدخل بكين وهو يحتاج إلى إنجاز. فالحرب أضعفت سردية الحسم السريع، ولا تزال ملفات الحرب الأساسية معلقة.  كما لا تزال الملاحة عبر مضيق هرمز مضطربة، والهدنة مع إيران تبدو هشة، حتى إن ترامب وصفها بأنها في غرفة الإنعاش، وسط استمرار الخلاف حول المخزون النووي الإيراني، العقوبات، وحرية الملاحة في هرمز.

هنا تبرز الصين كورقة ضرورية لا كحليف أميركي. فهي أكبر مشترٍ مهم للطاقة الإيرانية، وشريك اقتصادي أساسي لطهران، وقوة لديها قنوات مع الخليج وإيران في الوقت نفسه. لكن هذا لا يعني أن بكين مستعدة للانضمام إلى جبهة ضغط أميركية كاملة على طهران.

تستطيع الصين المساعدة في منع الانفجار، وفتح قنوات خلفية، وتشجيع إيران على القبول بتسوية تحفظ لها ماء الوجه، لكنها غير قادرة وحدها على أن تكون لاعباً رئيسياً في فرض تسوية نهائية، كما أنها لن تدخل في تسوية تظهرها كمن نفّذ الشروط الأميركية.

الخليج وقلق الانحياز الصيني

في نظر العواصم الخليجية، بدا موقف الصين خلال الحرب أقرب إلى إيران منه إلى دول الخليج. صحيح أن بكين أدانت الهجمات على دول الخليج وقالت إنها لا توافق على استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية، لكنها لم تتبنَّ رواية خليجية واضحة حول مسؤولية إيران، وركّزت أساساً على وقف التصعيد وفتح هرمز وحماية التجارة والطاقة.

هذا الموقف ترك أثراً مهماً. فدول الخليج لا تريد خسارة الصين كشريك في الطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا، لكنها خرجت من الحرب بقناعة أكثر وضوحاً وهي أن الصين شريك اقتصادي كبير، لكنه لا يستطيع توفير مظلة أمنية أو سياسية فعلية للمنطقة.

كانت بلدان الخليج تدرك أن الصين غير قادرة أو غير راغبة في أي انخراط عسكري أو أمني مباشر، لكنها كانت تأمل أن تلعب بكين دوراً أكثر فعالية في الضغط لإيقاف الهجمات الإيرانية أو في ضمان استمرار العبور الآمن عبر مضيق هرمز.

وعندما تتعرض الموانئ، المطارات، المنشآت النفطية، أو طرق الملاحة للخطر، تبقى الولايات المتحدة هي الطرف الذي يملك أدوات الردع العسكري والاستخباراتي واللوجستي. لذلك لن تدفع الحرب الخليج إلى الابتعاد عن الصين، لكنها ستدفعه إلى إدارة العلاقة معها بقدر أكبر من الحذر، مع فصل أوضح بين الشراكة الاقتصادية والاعتماد الأمني.

وفي المقابل، كشفت الحرب للصين نفسها حدود اعتمادها الاستراتيجي على الخليج بحراً، بعدما أظهر اضطراب هرمز مدى هشاشة تدفقات الطاقة والتجارة العالمية. وهذا ما قد يدفع بكين إلى تسريع استثماراتها في المسارات البرية، وخطوط النقل البديلة، والطاقة الروسية وآسيا الوسطى، وتقوية شبكات الموانئ والسكك التي تربط الصين بالشرق الأوسط وأوروبا بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية التقليدية.

تايوان في مرآة حرب إيران

بالنسبة للصين، كانت حرب إيران مختبراً غير مباشر لمسألة تايوان. الدرس الأول أن القوة الأميركية ما زالت قادرة على الضرب بعيداً، لكنها تدفع ثمناً سياسياً واقتصادياً عندما تطول الحرب. الدرس الثاني أن القوى المتوسطة تستطيع إرباك خصوم أكبر منها عبر الصواريخ، المسيّرات، الحرب البحرية، وضرب سلاسل الإمداد. أما الدرس الثالث فهو أن إغلاق الممرات البحرية أو تهديدها يمكن أن يحوّل الحرب الإقليمية إلى أزمة عالمية.

كما تابعت بكين عن قرب الطريقة التي استخدمت بها إيران الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المتماثلة لاستنزاف خصومها وإرباك حركة التجارة والطاقة. وهذه التجربة تعزز لدى الصين أهمية أدوات الضغط غير التقليدية، والحرب الرمادية، والقدرة على رفع كلفة أي مواجهة طويلة من دون الانزلاق سريعاً إلى حرب شاملة.

لا تدفع هذه الدروس الصين بالضرورة إلى تسريع خيار عسكري ضد تايوان. لكن قد تدفعها إلى تعميق الضغط التدريجي، توسيع الحرب الرمادية، بناء مخزونات استراتيجية، تسريع الاكتفاء التكنولوجي، وتقليل قابلية الاقتصاد الصيني للعقوبات. وقد ربطت تحليلات عدة بين حرب إيران وحسابات بكين في تايوان، معتبرة أن الحرب أظهرت في الوقت نفسه حدود القوة الأميركية وكلفة الحروب العالية على الدول المندمجة في الاقتصاد العالمي.

هل يمكن أن تساعد الصين في تسوية أميركية ـ إيرانية؟

يمكن للصين أن تساعد، لكن ضمن حدود. لديها نفوذ على إيران من باب الطاقة، التجارة، التكنولوجيا، والغطاء الدبلوماسي. ولديها مصلحة مباشرة في منع عودة الحرب، لأن أي اضطراب في الخليج يهدد إمدادات الطاقة الصينية ويزيد كلفة الشحن والتأمين ويضغط على الاقتصاد العالمي. كما أن بكين تستطيع أن تقدم لطهران مخرجاً دبلوماسياً أقل إحراجاً من تفاوض مباشر تحت الضغط الأميركي.

لكن قدرة الصين على إنتاج تسوية نهائية تبقى محدودة. الملف النووي، العقوبات الأميركية، دور إيران الإقليمي، وسلاح الميليشيات، كلها ملفات لا تستطيع بكين حلها وحدها.

يمكن أن تكون الصين  ضامناً مساعداً أو وسيطاً مكملاً، لكنها ليست بديلاً عن تفاهم أميركي ـ إيراني مباشر أو غير مباشر. والأرجح أنها ستدفع نحو تسوية مرحلية تتضمن تثبيت وقف النار، فتح هرمز، ضبط الهجمات على الخليج، ثم العودة التدريجية إلى مفاوضات نووية أوسع.

قد تنتج زيارة ترامب إلى الصين تمديداً للهدنة التجارية، وصفقات شراء، وآلية حوار جديدة، وربما دوراً صينياً أكثر وضوحاً في تهدئة المسار الإيراني. لكنها لن تنهي الطلاق الاقتصادي بين واشنطن وبكين، ولن تحول الصين إلى شريك أمني وسياسي موثوق للخليج، ولن تحسم ملف تايوان.

الأهم أن الزيارة تؤكد أن العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم دخلت مرحلة إدارة التنافس لا إنهائه، وأن حرب إيران لم تعد مجرد حرب شرق أوسطية، بقدر ما أصبحت جزءاً من إعادة تكوين ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين.