د. غازي محمود*
بمجرد إخفاق الولايات المتحدة الأميركية وإيران في التوصل إلى اتفاق بشأن مقترح سلام تقدمت به واشنطن، قفزت أسعار النفط يوم الإثنين الماضي (10/5/2026)، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام "برنت" بمقدار 4.5 دولارات أو %4.6، لتبلغ 105.99 دولارًا للبرميل. في وقت يستمر فيه إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، وإن جزئيًا، الأمر الذي تسبب في انخفاض كبير في إمدادات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
ذلك أن مضيق هرمز يُعدّ أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، وما يُعادله من الغاز الطبيعي المسال عالميًا (بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، EIA). حيث ينعكس أي اضطراب فيه على أسعار الطاقة وأمن الإمدادات، خصوصًا في آسيا وأوروبا، وكذلك على الاقتصاد العالمي، إذ تبلغ حصة مضيق هرمز من التجارة البحرية العالمية عبر المضائق نحو %8 (بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، CSIS).
تناقص المخزون الاستراتيجي
وعلى الرغم من النقص الكبير في إمدادات الطاقة العالمية، لم تتجاوز أسعار النفط منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران عتبة الـ 120 دولارًا للبرميل. ذلك أن زيادة صادرات الولايات المتحدة بمقدار 3.8 مليون برميل يوميًا، بالتزامن مع خفض الصين لوارداتها بنحو 5.5 مليون برميل يوميًا، عوضت النقص في الإمدادات بمقدار حوالي 9.3 مليون برميل يوميًا بحسب تقرير لـ "مورغان ستانلي"، غير أنه يبقى تعويضًا مؤقتًا.
كما ساهم لجوء الدول المتقدمة إلى استخدام جزء من مخزونها الاستراتيجي لتعويض نقص الإمدادات، مما حال دون ارتفاعات دراماتيكية في الأسعار وفقًا لما توقعه بعض الخبراء. إلا أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى استنزاف المزيد من هذا المخزون الذي بلغ أدنى مستوى له منذ ثماني سنوات، بحسب مصرف "غولدمان ساكس"، وإلى ارتفاعات جديدة في الأسعار.
وإذا ما استمرت وتيرة السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية على ما هي عليه اليوم، وفي ظل استمرار التصعيد العسكري وإغلاق مضيق هرمز، ستتحول المخاوف إلى مخاطر تهدد الاقتصاد العالمي. إذ قدر "غولدمان ساكس" أن إجمالي مخزونات النفط العالمية تكفي لاستهلاك نحو مئة يوم ويوم واحد (101) من الطلب العالمي، وقد ينخفض إلى 98 يومًا بحلول نهاية أيار/مايو، فضلاً عن النقص الذي سيلحق في عرض المشتقات النفطية نتيجة التفاوت في الأسعار بين الشراء الآجل والفوري.
تفاوت الأسعار بين الآجل والفوري
ذلك أن اتساع الفجوة السعرية بين العقود الآجلة لخام برنت، أو ما يُعرف بـ "برنت المؤرخ"، بوصفه أحد معايير التسعير الفعلي، وبين عقود التسليم الفوري التي تتراوح عادةً بين 10 إلى 30 يومًا، يُشكل تحديًا للمصافي المتوسطة والصغيرة الحجم، ولا سيما بعدما بلغ هذا الفارق بين السعرين في منتصف شهر نيسان/أبريل الماضي مستوى تاريخيًا غير مسبوق.
فقد بلغ سعر برميل برنت في العقود الآجلة نحو 99 دولارًا، في حين بلغ سعره بموجب عقود التسليم الفوري إلى نحو 132 دولارًا. ومن شأن هذا التفاوت الحاد أن يضغط على هوامش أرباح المصافي، ويدفع بعضها إلى تقليص عمليات التكرير أو تأجيل تسليم المشتقات النفطية انتظارًا لارتفاع أسعارها في الأسواق، الأمر الذي قد يؤدي إلى نقص في المعروض من هذه المشتقات، ويدفع أسعارها إلى مزيد من الارتفاع.
الأسعار إلى ارتفاع؟
في المقابل، توقعت وكالة فيتش أن تتراوح أسعار خام برنت بين 100 و110 دولارات للبرميل خلال الفترة من أيار/مايو إلى تموز/يوليو القادم، إذا ما استمر الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز حتى ذلك الوقت، وذلك في ظل استمرار تداعيات الحرب على إيران وتعطل الملاحة في مضيق هرمز لفترة أطول من المتوقع. على أن تتراجع إلى نحو 70 دولاراً بحلول أيلول/سبتمبر مع عودة الإمدادات تدريجياً واستقرار الأسواق.
كما رفعت وكالة فيتش توقعاتها بشأن أسعار الغاز الأوروبية، مؤكدة أن السوق الأوروبية ستظل تحت الضغط طوال العام الحالي. وذلك نتيجة اضطراب صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر عبر مضيق هرمز، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للغاز في قطر والامارات. وينذر استمرار ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي بزيادة التضخم، مما يزيد من احتمالات رفع أسعار الفائدة، بالتزامن مع بدء الاقتصاد العالمي بالانكماش.
من ناحيته، بنك مورغان ستانلي توقع أن تتراوح أسعار النفط في حال استمرار إغلاق المضيق حتى حزيران/يونيو بين 130 و150 دولارًا للبرميل. أما في حال إعادة فتح مضيق هرمز، فيقدر البنك أن يبلغ سعر خام برنت في العقود الآجلة، أو "برنت المؤرخ"، نحو 110 دولارات للبرميل خلال الربع الحالي، ثم 100 دولار في الأشهر الثلاثة التالية، و90 دولارًا بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر، حيث لم يبتعد كثيراً في توقعاته عن وكالة فيتش.
في مهب مضيق هرمز
بناءً على ما تقدم، تبدو أسواق الطاقة العالمية أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية مع اعتبارات العرض والطلب والاحتياطات الاستراتيجية والتضخم. فإذا لم يُفضِ المسار الدبلوماسي إلى تسوية تعيد فتح المضيق وتضمن انتظام الملاحة، فإن العالم قد يكون أمام موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة، بما تحمله من تداعيات مباشرة على معدلات التضخم، والنمو الاقتصادي، ومستويات المعيشة، ولا سيما في الدول المستوردة للطاقة والأكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية.
*عميد متقاعد




