فرص تمويل إعادة الإعمار في لبنان:
أي نماذج وبأي شروط؟

11.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

20  مليار دولار بين الدمار وتعقيدات التسوية السياسية

تحت عنوان "فرص تمويل إعادة الإعمار في لبنان: أي نماذج وبأي شروط؟"، أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تقييما جديدا كشف فيه عن تحديات استثنائية تتجاوز مجرد إعادة ترميم ما دمرته الحرب. فلبنان اليوم لا يواجه أضرار الحرب فحسب، بل يواجهها وهو غارق في أزمة مالية هيكلية منذ عام 2019، ما يجعل معادلة التعافي أكثر تعقيداً وتعتمد بالكامل على متغيرات سياسية وإقليمية غير مستقرة.

تراكم الخسائر: من انفجار 2020 إلى حرب 2026

وفقا للتقييم، لا يمكن قراءة فاتورة الدمار الحالية بمعزل عن السياق التاريخي؛ فبعد تلاحق الأزمات بدءاً من الانهيار المالي وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت، دخلت البلاد في مواجهة عسكرية مفتوحة بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023. وقد وضعت تقديرات البنك الدولي الحصيلة الأولية للأضرار والخسائر في نطاق تراوح بين 5 مليارات دولار و14 مليار دولار، بحسب تقارير 2024 و2025، مع تقدير مبدئي لكلفة التعافي والإعمار بنحو 11 مليار دولار. إلا أن التقديرات الحكومية الرسمية تشير إلى تصاعد الدراماتيكية للكلفة؛ فقد أعلن وزير المالية ياسين جابر في منتصف نيسان/أبريل 2026 أن الأضرار المتراكمة تخطت حاجز الـ 7 مليارات دولار فوق تلك المسجلة منذ عام 2024، لترتفع الفاتورة الإجمالية منذ بداية التصعيد إلى ما يتجاوز 20 مليار دولار.

في الواقع، يترجم هذا الرقم إلى دمار منهجي طاول عشرات القرى الحدودية، حيث تشير تقارير مصورة وصور الأقمار الصناعية إلى تدمير عشرات المباني ومسح 20 قرية بالكامل من الخريطة، فضلاً عن الأضرار الواسعة التي لحقت بالضاحية الجنوبية لبيروت والبنية التحتية الحيوية، في وقت لا تزال فيه مسوحات الأضرار مستمرة نظراً لاستمرار الاشتباكات.

القطاع السكني: قلب الدمار والأزمة

يشكل القطاع السكني البؤرة الجوهرية لهذه الكارثة، حيث يحصد النصيب الأكبر من الدمار المباشر. فقد بلغت الأضرار المباشرة في هذا القطاع نحو 4.3 مليارات دولار، مع تضرر ما يقارب 162,900 وحدة سكنية، وهو ما يمثل نحو 10 في المئة من المخزون السكني الوطني. وتكشف الأرقام الخاصة بتصاعد العمليات في عام 2026 عن مأساة متفاقمة؛ فقد سجلت تقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية تدمير أكثر من 62 ألف وحدة سكنية في ستة أسابيع فقط، بينها 21,700 وحدة دمار كامل. هذا التدمير الهائل لا يعطل فقط الاستقرار السكاني، بل يرسّخ واقع النزوح ويحول عودة النازحين إلى مسألة معقدة للغاية في ظل غياب القدرة على الإعمار السريع.

وبالتوازي مع السكن، تلقت المقومات الاقتصادية ضربة موجعة. يشير تقرير “التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في بيروت” (RDNA) إلى أن حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأزمة تركز بشكل أساسي في قطاعات التجارة والصناعة والسياحة، والتي سجلت نحو 4.3 مليارات دولار، أي ما يقارب نصف التأثير الاقتصادي المباشر، في حين تعكس هذه الأرقام هشاشة الاقتصاد اللبناني المعتمد بشكل كبير على قطاع الخدمات.

كما تكبد قطاع البيئة وإدارة الردميات خسائر تُقدَّر بنحو 1.1 مليار دولار نتيجة كلفة إزالة وإدارة ملايين الأطنان من الركام، بينما طالت الأضرار البنية التحتية الأساسية، حيث بلغت خسائر شبكات المياه والصرف الصحي والري نحو 356 مليون دولار، إضافة إلى أضرار في قطاع الطاقة قُدرت بنحو 98 مليون دولار.

وفي القطاعات الاجتماعية، سجّل قطاع الصحة خسائر تقارب 700 مليون دولار مقابل أضرار مباشرة بنحو 208 ملايين دولار، ما يعكس تراجع القدرة التشغيلية للمؤسسات الصحية، في حين بلغت خسائر قطاع التعليم حوالي 414 مليون دولار مع أضرار تُقدّر بنحو 151 مليون دولار نتيجة تعطّل المدارس وتأثر رأس المال البشري. أما في القطاع الزراعي، فقد قُدّرت الخسائر بنحو 586 مليون دولار مع أضرار مباشرة تقارب 118 مليون دولار، ما يوسع نطاق التأثير الاقتصادي ويزيد من تعقيد مسار التعافي وإعادة الإعمار.

أزمة التمويل: نحو شح المساعدات

في قلب النقاش الدائر حول سبل التعافي، تبرز فجوة تمويلية خطيرة تفصل لبنان اليوم عن تجربة إعادة الإعمار التي تلت حرب تموز 2006. ففي حين استند لبنان آنذاك إلى سياق إقليمي وتدفق سريع للمنح والقروض الخليجية والدولية، أبرزها "باريس 3" الذي ضخ 7.6 مليارات دولار إلى جانب ودائع خليجية استقرت سعر الصرف، فإن المشهد اليوم قاتم. التدفقات المالية الحالية تكاد تكون معدومة؛ فالتعهدات الدولية لا تتجاوز ملايين محدودة (20 مليون دولار من العراق، و75 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي)، فيما اضطرت الحكومة لرصد ميزانية ضئيلة (12 مليون دولار) لا تكاد تغطي الإغاثة وإزالة الركام.

وحتى القروض المؤسساتية محدودة؛ فالاتفاقية المبرمة مع البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، والمخصصة لتأهيل البنى التحتية وإدارة الردميات، لا تفي بالغرض ولا تشكل برنامجاً شاملاً للإعمار. هذا الواقع يلقي بثقله على سرعة التنفيذ، حيث تقتصر الإعمارات الفعلية على مبادرات أهلية ومحلية محدودة، في حين تبقى الدولة عاجزة عن تولي الدور المركزي بسبب تآكل القطاع المصرفي والانقسام السياسي.

مستقبل الإعمار رهينة ثلاثة سيناريوهات

يخلص التقييم إلى أن مسار التمويل والإعمار لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل بات رهناً تماماً للتطورات الميدانية والسياسية، ويمكن قراءة المستقبل وفق ثلاثة سيناريوهات محتملة:

في السيناريو الأول، أي توقف الحرب ضمن تسوية شاملة، يفتح الباب أمام تمويل خارجي واسع النطاق تشارك فيه مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، إلى جانب الاتحاد الأوروبي ودول الخليج ودول صديقة، فضلاً عن رساميل اغترابية واستثمارات خاصة. إلا أن هذا المسار يبقى مشروطًا بترتيبات سياسية وأمنية أوسع على مستوى المنطقة، ما يجعل تدفق الأموال ممكنًا لكنه غير فوري، مع تركيز على البنية التحتية والخدمات العامة مقابل تمويل مختلط للسكن والقطاع الخاص.

أما في حال سقوط وقف إطلاق النار وعودة العمليات العسكرية، وهو السيناريو الثاني، فيُتوقع ارتفاع الكلفة الاقتصادية والإنسانية بشكل كبير، مقابل تراجع التمويل الخارجي ليقتصر على استجابات إنسانية محدودة وإصلاحات عاجلة للبنى الأساسية. في هذا السيناريو، تصبح إعادة الإعمار مجزأة ومرتبطة بالحد الأدنى من الضرورات المعيشية، مع دور أكبر للمجتمع المحلي والبلديات والمغتربين في سد الفجوات الأساسية، في ظل غياب بيئة سياسية تسمح بضخ استثمارات دولية واسعة.

وفي السيناريو الثالث، أي استمرار حرب منخفضة الوتيرة في الجنوب، يتقلص التمويل إلى حدوده الدنيا، ويتركز على الإغاثة ودعم النازحين وترميمات محدودة، دون قدرة على إطلاق عملية إعادة إعمار فعلية. ويؤدي هذا الوضع إلى تعميق الفجوات المناطقية وتكريس الانقسام في مسارات التعافي، بحيث تتحول إعادة الإعمار إلى جهود محلية متفرقة بدل أن تكون مشروعًا وطنيًا شاملًا، ما يؤكد أن حجم التمويل في عام 2026 سيبقى مرهونًا أولاً بالحل السياسي أكثر من أي عوامل اقتصادية أو تقنية.

الإعمار مرتبط بالتسوية السياسية

في الختام، يؤكد التقييم أن مصادر التمويل في عام 2026 تبقى مرهونة بشكل مباشر بالتطورات السياسية ومسار التسوية في المنطقة. ففي حال انتهاء الحرب بتسوية شاملة، يُتوقع أن يُفتح المجال أمام تمويل خارجي واسع النطاق، فيما يؤدي وقف إطلاق نار هش إلى بقاء التمويل محدودًا ومتدرجًا، يركز على الاحتياجات الأساسية دون إطلاق برامج إعادة إعمار شاملة.

أما في حال استمرار النزاع منخفض الحدة، فإن إعادة الإعمار الفعلية تبقى مؤجلة، لتحل محلها مقاربات الترميم والصمود في الحد الأدنى من القطاعات الحيوية. وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات أن الشرط الأساسي لتأمين تمويل واسع لا يقتصر على وجود مشاريع جاهزة، بل يرتبط بوجود تسوية سياسية شاملة أو تفاهمات إقليمية واسعة، بما يطمئن المانحين إلى أن أموالهم لن تُصرف في بيئة قابلة للتجدد والانفجار.