د. خالد عيتاني*
ليست أخطر الحروب تلك التي تُعلَن رسميًا، بل تلك التي تُدار على حافة الإنكار؛ لا هي سلام يمكن الوثوق به، ولا هي حرب شاملة يمكن حسمها. في الخليج اليوم، لا يقف العالم أمام اشتباك عسكري محدود بين الولايات المتحدة وإيران، بل أمام لحظة تفاوضية نادرة تختبر معنى القوة في القرن الحادي والعشرين: هل تستطيع الدولة العظمى أن تفرض قواعد البحر؟ وهل تستطيع الدولة المحاصَرة أن تجعل الجغرافيا ورقة ردع؟ وهل يتحول مضيق صغير على الخريطة إلى مرآة تكشف هشاشة النظام الدولي كله؟
ما يجري بين واشنطن وطهران ليس تفاوضًا تقليديًا حول بند أو هدنة أو ممر بحري. إنه صراع على تعريف الأمن نفسه. الولايات المتحدة لا تريد فقط إعادة فتح مضيق هرمز أو وقف استهداف السفن؛ تريد تثبيت قاعدة سياسية أوسع: أن حرية الملاحة في الخليج ليست امتيازًا تمنحه إيران أو تسحبه، بل ركيزة من ركائز النظام الدولي الذي تقوده واشنطن. في المقابل، لا تفاوض إيران فقط على وقف الضربات أو رفع الحصار؛ تفاوض على اعتراف ضمني بأنها قوة إقليمية لا يمكن إدارة الخليج ضدها ومن دونها.
هنا يبدأ جوهر المسألة: أميركا تفاوض على قواعد النظام، وإيران تفاوض على موقعها داخله.
ولكي نفهم هذه اللحظة، لا بد من تمهيد زمني مختصر، لا بوصفه درسًا في التاريخ، بل بوصفه مفتاحًا لفهم السلوك السياسي للطرفين. علم التفاوض في الحروب لم يولد في قاعات المؤتمرات، بل خرج من ساحات الصراع. منذ معاهدة قادش القديمة بين المصريين والحثيين، أدركت القوى المتحاربة أن النصر العسكري يحتاج إلى نص كي يتحول إلى استقرار. ثم جاء صلح الحديبية ليقدم درسًا أكثر عمقًا: قد يبدو التنازل في لحظته خسارة شكلية، لكنه قد يكون استثمارًا استراتيجيًا في الزمن إذا كان يخدم ميزان القوة اللاحق.
بعد ذلك، نقل ميكيافيلي التفاوض من لغة الفضيلة إلى لغة المصلحة. ثم جاءت وستفاليا عام 1648 لتربط التفاوض بالسيادة والاعتراف المتبادل، وجاء مؤتمر فيينا عامي 1814 و1815 ليضيف قاعدة كبرى: التسوية الذكية لا توقف الحرب فقط، بل تمنع الحرب التالية. أما فرساي عام 1919 فقد أعطت العالم الدرس المعاكس: الاتفاق الذي يُهين المهزوم لا يصنع سلامًا، بل يؤجل الانفجار. وفي الحرب الباردة، مع توماس شيلينغ، صار التفاوض علمًا للردع والتهديد المحسوب: كيف تخيف خصمك بما يكفي كي يتراجع، من دون أن تدفعه إلى تصعيد لا عودة منه؟ ومع ويليام زارتمان، صار السؤال: متى ينضج النزاع؟ ومتى يشعر الطرفان أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة التسوية؟
هذه الدروس ليست زينة فكرية. إنها الأدوات التي تفسر لماذا تتفاوض واشنطن وطهران بهذا الشكل تحديدًا: لا لأن الثقة وُلدت، بل لأن الحرب المفتوحة قد تصبح أكبر من قدرة الطرفين على التحكم بها. الولايات المتحدة تستطيع التصعيد، لكنها لا تريد حرب استنزاف بحرية طويلة تربك الأسواق والحلفاء. وإيران تستطيع التهديد والتعطيل، لكنها تعرف أن الحرب الشاملة قد تفتح عليها كلفة عسكرية واقتصادية وداخلية ضخمة. لذلك لا يأتي التفاوض هنا من الرغبة في السلام، بل من الخوف العقلاني من انفلات الحرب.
وهذا هو التفاوض في الحروب كما بلغ ذروته: ليس خروجًا من الصراع، بل محاولة لإدارته قبل أن يصبح خارج السيطرة.
في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز. أهميته ليست بلاغية ولا رمزية فقط. بحسب وكالة الطاقة الدولية، مرّ عبره في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط، مع قدرة بديلة محدودة نسبيًا تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميًا عبر مسارات مثل خط السعودية إلى البحر الأحمر وخط الإمارات إلى الفجيرة. أما إدارة معلومات الطاقة الأميركية فتشير إلى أن تدفقات 2024 عبر المضيق مثلت نحو 20 في المئة من استهلاك العالم من السوائل النفطية وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. هذه الأرقام تجعل هرمز ليس مجرد ممر، بل صمام ضغط في الاقتصاد العالمي. (IEA)
لذلك تدرك إيران أن قوتها لا تكمن فقط في الصواريخ أو الزوارق أو الحلفاء الإقليميين، بل في قدرتها على تذكير العالم بأن أمن الطاقة ليس منفصلًا عن أمنها. وهي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل كي تؤلم الأسواق؛ يكفي أن تجعل المرور فيه أكثر قلقًا، والتأمين أكثر كلفة، والشحن أكثر اضطرابًا. وفي المقابل، تعرف واشنطن أن تحويل هرمز إلى ورقة إيرانية دائمة يعني ضرب صورة الولايات المتحدة كضامن للنظام البحري العالمي. لذلك تستخدم الأساطيل والعقوبات والتحالفات لا للدفاع عن السفن فقط، بل للدفاع عن فكرة القيادة الأميركية نفسها.
في هذا السياق، لا تبدو المفاوضات الأخيرة مجرد تفصيل دبلوماسي. فقد ذكرت Reuters أن المحادثات المطروحة لإنهاء الحرب وإعادة فتح هرمز تدور حول ملفات شديدة الحساسية، من وقف القتال إلى المضيق والبرنامج النووي، بينما تبقى العقد الكبرى مرتبطة بحق إيران في التخصيب ومطلب واشنطن تقييد البرنامج النووي والتعامل مع مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب. كما أفادت Reuters بأن إيران تراجع مقترحًا أميركيًا لإنهاء الحرب، مع بقاء مطالب أساسية غير معالجة.
هنا تظهر بنية المفاوضات بوضوح. واشنطن تريد، في الحد الأدنى، وقف الهجمات، إعادة فتح الممرات البحرية، ضمان حرية الملاحة، تقييد البرنامج النووي، ومنع إيران من تحويل المضيق إلى أداة ابتزاز متكررة. كما تريد طمأنة الخليج وإسرائيل والأسواق بأن الردع الأميركي لم يتآكل. أما طهران فتريد وقف الضربات، رفعًا أو تخفيفًا ملموسًا للحصار والعقوبات، اعترافًا بحقها في التخصيب السلمي أو على الأقل عدم إلغاء هذا الحق سياسيًا، ضمانات بعدم تكرار الهجمات، ومكاسب اقتصادية لا تقتصر على إشارات رمزية. وقد نقلت WSJ رفض مسؤول إيراني كبير لخطة أميركية واعتبارها “غير واقعية” لأنها لا تمنح إيران تعويضات أو فوائد ملموسة. (Wall Street Journal)
بهذا المعنى، الخلاف ليس فقط على البنود، بل على فلسفة الاتفاق. الولايات المتحدة تريد فصل الملفات: أوقفوا النار، افتحوا المضيق، ثم نفاوض لاحقًا على النووي والعقوبات والنفوذ. إيران تريد ربط الملفات: لا هدوء بحريًا مجانيًا بينما تبقى العقوبات والحصار والتهديدات قائمة. واشنطن تبحث عن تهدئة سريعة تمنع انفجار السوق والطاقة. طهران تبحث عن صفقة لا تجعلها تبدو وكأنها قدمت أهم أوراقها تحت الضغط.
وهنا تكمن المعضلة: أميركا تريد نزع فتيل هرمز قبل الدخول إلى التسوية الكبرى، وإيران تريد جعل هرمز مدخلًا إلى تلك التسوية.
أما الوسطاء، فدورهم بالغ الحساسية لكنه محدود. عُمان تاريخيًا هي القناة الأكثر هدوءًا وموثوقية بين واشنطن وطهران. قطر قادرة على لعب دور في الملفات الإنسانية والمالية والرسائل الخلفية. باكستان تظهر أحيانًا كقناة اتصال في لحظات التصعيد. أوروبا تحاول الحفاظ على مسار دبلوماسي، لكنها لا تملك وحدها أدوات الضغط أو المكافأة الكافية. الصين يمكن أن تكون ضامنًا اقتصاديًا أو سياسيًا جزئيًا، لكنها لن تتحمل كلفة ضمان مفتوح. وروسيا قد تعرض دعمًا سياسيًا لطهران أو دورًا في ترتيبات تقنية، لكنها لن تدخل مواجهة بحرية مباشرة مع واشنطن.
أي إن الوساطة هنا تستطيع نقل الرسائل، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الاتفاق. الاتفاق يحتاج إلى قرارين أكبر: قرار أميركي بالاعتراف بأن الضغط وحده لا يصنع استقرارًا، وقرار إيراني بأن التعطيل وحده لا يصنع شرعية.
من زاوية توماس شيلينغ، نحن أمام لعبة ردع لا حرب حسم. واشنطن تريد أن تقنع إيران بأن استخدام هرمز سيكلّفها عسكريًا وسياسيًا. وإيران تريد أن تقنع واشنطن بأن الضغط عليها سيكلّف العالم طاقويًا واقتصاديًا. كل طرف يريد أن يبدو قادرًا على التصعيد، لكنه لا يريد أن يكون مسؤولًا عن الانفجار الشامل. هذه هي معادلة الردع المحسوب: تهديد قابل للتصديق، ومخرج قابل للاستخدام.
ومن زاوية زارتمان، لم يصل النزاع بعد إلى تسوية ناضجة بالكامل، لكنه دخل مرحلة الألم المتبادل القابل للتوظيف. واشنطن تشعر بكلفة استمرار التوتر: أسعار الطاقة، سلامة الملاحة، قلق الحلفاء، احتمالات امتداد الجبهات. إيران تشعر بكلفة التصعيد: الضربات، الحصار، الضغط الداخلي، وخطر تكوين جبهة دولية أوسع ضدها. لكن الطرفين لا يزالان يعتقدان أن لديهما أوراقًا يمكن تحسينها قبل توقيع صفقة نهائية. لذلك فاللحظة ليست لحظة سلام، بل لحظة مساومة تحت ضغط الخطر.
وهذا يفسر لماذا تبدو كل هدنة هشة. الهدنة هنا ليست ثقة، بل حساب مؤقت. وإذا تبدل الحساب، تعود النار.
خلف هذه المفاوضات تقف قوى كبرى لا يمكن تجاهلها. الصين ليست طرفًا صاخبًا، لكنها الأكثر حساسية تجاه الطاقة. بكين لا تريد انتصارًا أميركيًا يعيد تكريس الهيمنة على الممرات البحرية، لكنها لا تريد أيضًا مغامرة إيرانية تخنق تدفق الطاقة إلى آسيا. تريد إيران قوية بما يكفي لإرباك واشنطن، لا متهورة بما يكفي لإحراق المضيق. لذلك تبقى الصين داعمًا حذرًا لا ضامنًا مطلقًا.
روسيا تقرأ الأزمة من زاوية مختلفة. انشغال الولايات المتحدة في الخليج يخدم موسكو استراتيجيًا، وارتفاع أسعار الطاقة قد يخدمها اقتصاديًا، وتراجع هيبة واشنطن يعزز سرديتها عن عالم متعدد الأقطاب. لكنها لا تريد انهيار إيران ولا حربًا بحرية تفلت من السيطرة. تريد ضغطًا على الغرب، لا فوضى عالمية تعيد ترتيب المنطقة خارج قدرتها على التأثير.
أما أوروبا فتبدو الطرف الأكثر قلقًا والأقل قدرة. تخشى من انهيار مسار الضبط النووي، ومن ارتفاع الطاقة والتضخم، ومن اتساع الحرب. لكنها بعد تجربة الاتفاق النووي وانسحاب واشنطن منه لا تملك ضمانات اقتصادية كافية تقنع إيران، ولا قدرة عسكرية مستقلة تفرض على واشنطن أو طهران تسوية. أوروبا هنا تشخّص الخطر أكثر مما تعالجه.
الدول الإقليمية، وخصوصًا الخليج، هي المسرح لا الجمهور. السعودية والإمارات وقطر وعُمان والكويت والبحرين تريد ردع إيران، لكنها لا تريد أن تتحول مدنها وموانئها ومطاراتها ومنشآتها إلى أهداف مباشرة. تحتاج المظلة الأميركية، لكنها تخشى أن تتحول هذه المظلة إلى صاعق حرب. ولهذا تبحث عن معادلة دقيقة: ردع يمنع إيران من التمدد، وتسوية تمنع الخليج من الاحتراق. وقد أشارت Reuters إلى تقارير عن رفع السعودية والكويت قيودًا على وصول القوات الأميركية إلى قواعد ومجالات جوية في سياق العملية الأميركية المرتبطة بهرمز، مع التنبيه إلى أن Reuters لم تتحقق بشكل مستقل من تقرير WSJ الأصلي؛ وهذا بحد ذاته يعكس حساسية التموضع الخليجي بين الردع والاحتواء.
إسرائيل تنظر من زاوية أكثر تشددًا. بالنسبة إليها، فتح هرمز أو وقف القتال لا يكفي إذا بقي النووي الإيراني والصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمي خارج القيود. أي اتفاق مؤقت قد تراه إسرائيل استراحة استراتيجية لطهران. ولذلك ستضغط، مباشرة أو غير مباشرة، كي لا يتحول الاتفاق إلى تهدئة بحرية تسمح لإيران بإعادة التموضع في ملفات أخطر: لبنان، سوريا، العراق، اليمن، وغزة.
ولبنان ليس تفصيلًا بعيدًا. أي تفاوض أميركي–إيراني ينعكس على جبهة الجنوب، وعلى حسابات حزب الله، وعلى الردع بين إسرائيل والمحور الإيراني. وإذا فشلت المفاوضات في هرمز، فقد تتحول ساحات أخرى إلى مساحات رسائل متبادلة. في بلد هش ماليًا وسياسيًا، قد تصل ارتدادات المضيق عبر النفط والدولار والتحويلات والسياحة والمخاوف الأمنية قبل أن تصل عبر البوارج.
من هنا يمكن ترتيب السيناريوهات بوضوح أكبر.
السيناريو الأول: اتفاق مرحلي هش.
وهو الأكثر واقعية. يقوم على وقف متبادل للضربات، فتح تدريجي للمضيق، ترتيبات مراقبة أو ضمانات بحرية، وتأجيل القضايا الكبرى إلى جولات لاحقة. ميزته أنه يمنع الانفجار. عيبه أنه قد يتحول إلى هدنة مؤقتة إذا لم يُربط بجدول واضح للعقوبات والنووي والضمانات الأمنية.
السيناريو الثاني: حرب رمادية طويلة.
وفيه تفشل التسوية الكاملة من دون أن تندلع حرب شاملة. تستمر الضربات المحدودة، التهديدات البحرية، تحريك الوكلاء، ارتفاع التأمين البحري، واضطراب الأسواق. هذا السيناريو أخطر مما يبدو، لأنه يمنح الجميع وهم السيطرة، بينما يراكم احتمالات الخطأ.
السيناريو الثالث: انهيار الردع وانفجار إقليمي.
يحدث إذا وقعت ضربة كبيرة أو خطأ في الحسابات: سفينة غارقة، خسائر أميركية أو إيرانية كبيرة، استهداف منشأة خليجية حساسة، أو اشتعال الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية. عندها لن تبقى الأزمة حول هرمز، بل ستتحول إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، تشمل الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن وربما البحر الأحمر وشرق المتوسط.
هنا يجب أن يكون النقد واضحًا. مأزق الولايات المتحدة أنها تريد نتيجة تفاوضية كبرى بأدوات ضغط قد لا تكون كافية لإنتاج استسلام إيراني. فإذا طالبت طهران بفتح المضيق، وضبط النووي، وتقييد الصواريخ، وتقليص النفوذ الإقليمي، من دون مقابل استراتيجي ملموس، فهي لا تفاوض فقط، بل تطلب من إيران أن تعيد تعريف نفسها. ومأزق إيران أنها تريد اعترافًا بدورها، لكنها تستخدم أدوات تجعل الاعتراف بها مكلفًا سياسيًا وأمنيًا للآخرين. تريد مقعدًا داخل النظام، لكنها تهدد أحد أهم شرايين هذا النظام.
لذلك لا يكفي أن تكون هناك هدنة. ولا يكفي أن يُفتح المضيق. ولا يكفي أن تنخفض أسعار النفط أيامًا أو أسابيع. المطلوب أعمق: تحويل هرمز من ورقة ضغط إلى معادلة أمنية. وهذا لا يحدث إلا إذا قبلت واشنطن أن أمن الخليج لا يُبنى بالإخضاع الكامل، وقبلت طهران أن الاعتراف الإقليمي لا يُنتزع بالابتزاز الدائم.
في النهاية، المفاوضات الأميركية–الإيرانية اليوم ليست حوارًا حول البحر فقط، بل اختبار لفكرة النظام. هل يمكن إنتاج توازن يمنع إيران من تهديد الملاحة، من دون تحويلها إلى خصم محشور في الزاوية؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة حماية حرية الملاحة، من دون أن تجعل وجودها العسكري سببًا دائمًا للاشتعال؟ وهل تستطيع القوى الكبرى، الصين وروسيا وأوروبا، أن تلعب دورًا يخفف الانفجار بدل الاكتفاء باستثماره أو الخوف منه؟
إن علم التفاوض في الحروب يقول إن الاتفاق لا يولد من النيات الطيبة، بل من إدراك حدود القوة. عندما يدرك القوي أن قوته لا تمنحه كل شيء، ويدرك الطرف المحاصَر أن قدرته على التعطيل لا تمنحه نظامًا مستقرًا، تبدأ السياسة. أما قبل ذلك، فكل ما يجري ليس سلامًا، بل اختبار متبادل للألم.
وهذا بالضبط ما يحدث في الخليج. أميركا تختبر مقدار ما تستطيع إيران تحمله. وإيران تختبر مقدار ما يستطيع العالم احتماله. الصين تراقب الطاقة. روسيا تراقب تآكل النفوذ الأميركي. أوروبا تراقب التضخم والنووي. الخليج يراقب أمن مدنه وموانئه. إسرائيل تراقب الصواريخ والنووي وحزب الله. ولبنان يراقب النار التي قد تصل إليه ولو لم يكن طرفًا في التفاوض.
الخليج اليوم ليس مجرد مسرح أزمة؛ إنه مختبر النظام الدولي الجديد. فإذا نجحت المفاوضات، قد يولد نموذج أمني غير مثالي لكنه قابل للحياة: ردع مضبوط، مضيق مفتوح، وتفاوض مؤجل حول الملفات الكبرى. وإذا فشلت، فلن يكون السؤال متى تندلع الحرب، بل كم مرة ستعود بأسماء مختلفة.
الحرب قد تكسر الخصم، لكنها لا تبني نظامًا. والنار قد تفرض شروطًا، لكنها لا تمنح استقرارًا. أما التفاوض، حين يُدار بذكاء، فليس خروجًا من الحرب، بل أعلى مراحل إدارتها؛ لأنه وحده القادر على تحويل القوة من انفجار إلى توازن، ومن المضيق إلى معادلة، ومن الخوف العالمي إلى نظام قابل للبقاء.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




