مجلس التعاون الخليجي في لحظة التحوّل:
بين تآكل الإجماع وصعود السيادات

06.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

نحو قيادة تصنع الإجماع ومستقبلٍ يتأرجح بين التجدّد والاختلاف

د. خالد عيتاني*

في لحظةٍ إقليمية تتجاوز في دلالاتها حدود الحدث إلى بنية النظام ذاته، جاءت قمة جدة التشاورية 2026 لتكشف ما كان يُدار في الكواليس منذ سنوات: الخليج لم يعد ذلك الكيان الذي ينتج قراره بالإجماع الصامت، بل دخل طورًا جديدًا تُعاد فيه صياغة مفهوم “الوحدة” تحت ضغط الجغرافيا السياسية واقتصاد الطاقة. لم يكن غياب سلطنة عمان تفصيلًا بروتوكوليًا يمكن تجاوزه، ولا إعلان الإمارات العربية المتحدة الخروج من منظمة أوبك قرارًا نفطيًا تقنيًا منفصلًا عن السياق. بل إن تزامن الحدثين، في توقيت واحد، وتحت سقف أزمة إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد مع إيران، يعكس لحظة تحوّل بنيوي في هندسة القرار الخليجي.

منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، قامت الفكرة المركزية على معادلة بسيطة في ظاهرها عميقة في جوهرها: التهديد المشترك ينتج وحدة قرار. غير أن التحولات التي شهدتها المنطقة—من تصاعد التوتر في مضيق هرمز إلى تسييس أسواق الطاقة—دفعت هذه المعادلة إلى أقصى حدودها. فحين تصبح التهديدات متعددة الأوجه، والمصالح متباينة في توقيتها وأدواتها، لا تعود الوحدة تلقائية، بل تتحول إلى خيار تفاوضي، بل أحيانًا إلى عبء استراتيجي على بعض الدول.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة غياب سلطنة عمان إلا بوصفه تموضعًا محسوبًا، لا اعتراضًا عابرًا. التقارير المتقاطعة لـReuters وFinancial Times  تشير بوضوح إلى أن الخلاف لم يكن حول انعقاد القمة بحد ذاته، بل حول مضمون البيان الختامي، وتحديدًا اللغة المرتبطة بإيران. دفعت المملكة العربية السعودية، بوصفها مركز الثقل السياسي والأمني في الخليج، نحو صياغة بيان يتضمن إدانة صريحة وتحميلًا مباشرًا للمسؤولية، في محاولة لإعادة إنتاج منطق الردع الجماعي. في المقابل، تمسكت عُمان برؤية مختلفة، تنطلق من إدراكها العميق لدورها التاريخي كقناة تواصل بين طهران والغرب، وهو ما تؤكده تحليلات Carnegie Middle East Center التي ترى أن مسقط تبني نفوذها من قدرتها على البقاء خارج الاصطفافات الحادة.

ما جرى بين وزيري خارجية البلدين، بدر بن حمد البوسعيدي وفيصل بن فرحان آل سعود، وإن لم يُنشر نصه، لم يكن نقاشًا تقنيًا حول صياغة فقرة، بل مواجهة هادئة حول وظيفة القمة نفسها: هل هي منصة ردع أم منصة توازن؟ هل المطلوب إنتاج خطاب موحد، أم الحفاظ على تعددية تسمح ببقاء قنوات الاتصال مفتوحة؟ في هذه النقطة تحديدًا، اتخذت عُمان قرارها الأكثر دقة: الغياب بدل التوقيع. فهي لم تخرج من المنظومة الخليجية، لكنها رفضت أن تُدرج ضمن بيان قد يسحب منها أهم أصولها الاستراتيجية—دورها كوسيط. وهذا القرار، في جوهره، ليس انسحابًا، بل إعادة تعريف للعلاقة مع الخليج على قاعدة “الاستقلال داخل الشراكة”.

 

في اللحظة نفسها تقريبًا، جاء إعلان الإمارات العربية المتحدة الخروج من منظمة أوبك ليكمل صورة التحول، ولكن من زاوية اقتصادية-استراتيجية. فبحسب Reuters، فإن القرار يعكس رغبة واضحة في “تعظيم القيمة من الاحتياطات النفطية بدل الالتزام بحصص إنتاجية”، بينما رأت Bloomberg أنه قد يضعف قدرة أوبك على التحكم بالسوق. أما Financial Times فذهبت إلى جوهر المسألة، معتبرة أن الخطوة نتيجة تراكم خلافات مع السعودية حول خطوط الأساس الإنتاجية، أي حول “من يحدد حجم الإنتاج ومن يضبط الإيقاع”.

الأرقام هنا ليست تفصيلًا، بل مفتاح الفهم: الإمارات تستهدف رفع إنتاجها إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميًا بحلول 2027، في وقت يشكّل فيه القطاع غير النفطي ما يقارب 77 في المئة من اقتصادها الحقيقي وفق تقديرات نقلتها Reuters. هذا التحول يمنحها قدرة على تحمّل تقلبات الأسعار، وبالتالي حرية أكبر في اتخاذ قرارات إنتاجية مستقلة. بمعنى أدق، لم تعد الإمارات بحاجة إلى أوبك كآلية حماية، بل بدأت تراها كقيد على طموحها التوسعي.

غير أن البعد الأعمق لا يكمن فقط في الاقتصاد، بل في العلاقة مع المملكة العربية السعودية. فالسعودية، التي قادت أوبك لعقود بوصفها المنتج المرجّح، تجد نفسها اليوم أمام شريك خليجي يملك طموحًا مماثلًا، لكنه يرفض الالتزام بالإطار نفسه. هنا يتجلى التحول من “تنسيق” إلى “تنافس ناعم”، وهو ما يفسر قراءة Financial Times  للقرار باعتباره كسرًا غير معلن لمنطق القيادة الأحادية داخل أوبك.

في هذا المشهد، يبرز سؤال كثير التداول: هل يرتبط خروج الإمارات بمشروع NOPEC bill الذي دُفع به خلال إدارة Donald Trump؟ الجواب الدقيق، وفق ما تؤكده Reuters وBloomberg، هو أن لا دليل على علاقة مباشرة. لكن القراءة الاستراتيجية تكشف تقاطعًا موضوعيًا: إضعاف أوبك يخدم الرؤية الأميركية القائمة على زيادة العرض وتقليص قدرة المنتجين على التحكم بالأسعار. وهنا نكون أمام ظاهرة أكثر تعقيدًا: ليس تبعية للقرار الأميركي، بل تقاطع مصالح يلتقي فيه الفاعل المحلي مع الاتجاه الدولي.

ولفهم أعمق لبنية منظمة أوبك اليوم، لا بد من التوقف عند التحولات العددية والنوعية معًا. فحتى عام 2026، يبلغ عدد الدول الأعضاء 12 دولة، بعد سلسلة انسحابات تاريخية بلغت نحو 8 إلى 9 دول وفق طريقة الحساب. وتشمل هذه القائمة: الإمارات العربية المتحدة (2026)، أنغولا (2023)، قطر (2019)، الإكوادور (2020 – مع انسحاب سابق وعودة)، إندونيسيا (تعليق/انسحاب 2016)، الغابون (انسحبت 1995 ثم عادت 2016)، بيرو (1990)، وترينيداد وتوباغو (1986). مع الإشارة الدقيقة إلى أن بعض الحالات كانت “تعليق عضوية” وليس انسحابًا كاملًا، كما في حالة إندونيسيا، وأن جمهورية الكونغو عضو حالي وليس منسحبًا كما يُخطئ البعض.

غير أن القراءة الاحترافية، إذا أرادت أن تكون صادقة مع نفسها قبل أن تكون دقيقة في أرقامها، لا يمكن أن تتجاهل حقيقة أكثر حساسية: ما يحدث اليوم ليس بالضرورة في مصلحة مجلس التعاون الخليجي، حتى وإن بدا ظاهريًا ضمن حدود “التباين الطبيعي”. فالمسألة لم تعد مجرد اختلاف في التكتيك، بل بدأت تمسّ جوهر القدرة على إنتاج موقف موحّد في لحظات مفصلية.

فالحقيقة إن القراءة الاحترافية لا تقف عند الأرقام، بل تتجاوزها إلى النوعية. فأوبك لا تضعف بعدد الدول، بل بخروج الدول ذات الوزن الاستراتيجي. وهنا تحديدًا، فإن خروج الإمارات العربية المتحدة—كما سبقه خروج قطر—لا يُقرأ كقرار اقتصادي معزول، بل كمؤشر على تآكل تدريجي في منطق التنسيق الخليجي داخل أحد أهم أدواته، أي الطاقة. وبذلك، تتحول منظمة أوبك من “كارتل خليجي–دولي قوي” إلى تحالف تقوده المملكة العربية السعودية، ولكن ضمن بيئة يزداد فيها التباين الداخلي، ما يضعف فعليًا القدرة الجماعية على التأثير في السوق.

إذا جمعنا هذه العناصر—غياب سلطنة عمان، خروج الإمارات، والتحولات داخل أوبك—نصل إلى استنتاج لا يمكن تجاوزه: الخليج لم يتفكك، لكنه فقد صيغته القديمة. غير أن النقد البنّاء يفرض الذهاب أبعد من هذا الوصف، والاعتراف بأن هذا التحول، بصيغته الحالية، يحمل مخاطر حقيقية. فلم يعد الأمن موحدًا بالكامل، ولا الطاقة منضبطة ضمن إطار واحد، ولا القرار السياسي يُنتج بالإجماع التلقائي. بل نحن أمام نظام إقليمي جديد يقوم على تعددية الأدوار: عُمان كوسيط، الإمارات كلاعب اقتصادي عالمي مستقل، والسعودية كقائد يسعى للحفاظ على مركزية القرار في بيئة لم تعد تقبل المركزية بسهولة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل هذه التعددية مُدارة أم منفلتة؟

إذا لم تُدار بآليات واضحة، فإنها لا تعني مرونة، بل تعني تآكلًا تدريجيًا في القدرة الجماعية على الفعل. فالتعدد دون تنسيق يتحول من ميزة إلى نقطة ضعف، خصوصًا في بيئة إقليمية تقوم على توازنات دقيقة وسريعة التغيّر.

وفي قلب هذا التحول، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها الحلقة الأثقل والأكثر تعرضًا للاختبار. فهي الدولة الوحيدة القادرة على موازنة الأمن بالطاقة، والسياسة بالاقتصاد، والداخل الخليجي بالمعادلة الدولية. غير أن هذا الدور لم يعد محصنًا كما في السابق. فضعف الانخراط العُماني في لحظات الحسم، وتراجع الوزن التنسيقي لقطر بعد خروجها المبكر من أوبك، وانفصال الإمارات عن الإطار النفطي الجماعي، كلها عوامل لا يمكن التقليل من أثرها، لأنها تعني عمليًا أن القيادة السعودية باتت تعمل في فضاء أقل تماسكًا وأكثر تشظيًا.

النقد البنّاء هنا لا يستهدف التشكيك في قدرة السعودية، بل العكس تمامًا: هو دعوة لإدراك أن الحفاظ على موقع القيادة اليوم لم يعد يمر عبر إدارة الإجماع التقليدي، بل عبر إعادة بناء هذا الإجماع على أسس جديدة. فإما أن تتحول هذه التباينات إلى نموذج “تنوع منضبط” يعزز القوة الخليجية، أو تنزلق تدريجيًا إلى حالة “تباين غير منسّق” يضعف الجميع.

وبين هذين المسارين، يكمن التحدي الحقيقي: ليس في منع الاختلاف، بل في منع تحوّله إلى انقسام غير معلن يقوّض ما تبقى من فعالية العمل الخليجي المشترك.

هنا لا يمكن أن تكون وصفية، بل يجب أن تكون حاسمة: ما نشهده ليس مجرد تباين، بل انتقال من “وحدة مُدارة” إلى “تعددية مُعقدة”. وإذا لم تُحسن السعودية إدارة هذا الانتقال، فإن الخليج قد يتحول تدريجيًا من قوة موحدة إلى ساحة تنافس هادئ بين أعضائه. أما إذا نجحت، فإنها قادرة على تحويل هذا التباين إلى نموذج أكثر مرونة—نموذج يحافظ على الحد الأدنى من الوحدة، دون أن يقمع السيادات الوطنية.

بين هذين المسارين، يُكتب مستقبل الخليج. ليس ككتلة صلبة كما كان، بل كتحالف تقوده السعودية… لكن على أرضية لم تعد ثابتة، بل متحركة، تتطلب قيادة من نوع مختلف: قيادة لا تفرض الإجماع، بل تصنعه.

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية