كتب فيصل أبو زكي
ما أعلنته سلطنة عُمان مؤخراً من مشاريع في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي لا يمكن اعتباره محاولة متأخرة للحاق ببلدان اخرى في المنطقة، بقدر ما يعكس سعياً للانتقال إلى نموذج اقتصادي مختلف، بدأت مقوماته تتكون في وقت تُعيد فيه الحرب ترتيب أولويات الاستثمار في المنطقة، من البحث عن النمو إلى البحث عن الاستقرار والمناعة والمرونة.
قرارات تقنية… بدلالات أعمق
إطلاق منطقة اقتصادية للذكاء الاصطناعي في مسقط، وإقرار تشريعات لتنظيم البيانات، والتحرك لإنشاء مركز مالي دولي، تبدو في ظاهرها خطوات قطاعية متفرقة. لكنها، عند النظر إليها في سياقها الزمني، تكشف عن مسار أكثر اتساقاً يهدف إلى بناء منظومة قادرة على استقطاب رأس المال والتكنولوجيا ضمن بيئة تشغيل مستقرة. فهذه القرارات تسعى إلى احداث تحول في الإطار الذي يعمل ضمنه الاقتصاد، من حيث تنظيم البيانات، وتمويل الابتكار، وفتح قنوات الاستثمار الخارجي.
ما الذي غيّرته الحرب؟
قبل الحرب، كانت المنافسة في الخليج تدور أساساً حول سرعة النمو، حجم السوق، والقدرة على التنويع وجذب الاستثمارات الكبرى. أما بعدها، فقد دخل عامل جديد إلى المعادلة وهو القدرة على الاستمرار في العمل تحت الضغط وتوفير المناعة المرونة الى الاقتصاد. المستثمر الذي كان يقيس الفرص بعوائدها، بات يضع في حسابه كلفة التعطل، ومخاطر الانكشاف الجغرافي، ومدى تعرض سلاسل الإمداد.
في هذا التحول، تبرز عُمان كحالة مختلفة. موقعها الجغرافي، وتنوع منافذها البحرية خارج نقاط الاختناق التقليدية، وسياستها الخارجية المتوازنة، كلها عوامل لم تكن حاسمة في مرحلة التوسع السريع، لكنها تكتسب وزناً أكبر في مرحلة عدم اليقين. بذلك، تنتقل عُمان من اقتصاد يُنظر إليه كطرف هادئ في المنطقة إلى اقتصاد يمكن أن يلعب دوراً في إدارة المخاطر الإقليمية.
من التنويع إلى إعادة التموضع
لسنوات، سعت عُمان إلى تنويع اقتصادها عبر قطاعات مثل السياحة والخدمات اللوجستية والصناعة. لكن ما يجري اليوم يتجاوز هذا النهج. يقوم التحول الحالي على إيجاد موقع جديد للاقتصاد نفسه داخل الشبكة الإقليمية أكثر منه على إضافة قطاعات جديدة.
فالاقتصاد الرقمي، ومنطقة الذكاء الاصطناعي، والبنية التنظيمية للبيانات هي مكونات لنموذج جديد يقوم على استضافة الأنشطة العابرة للحدود مثل مراكز بيانات، خدمات سحابية، منصات تشغيل رقمية التي اصبحت بعد الحرب تبحث عن بيئة تشغيل مستقرة وقابلة للتنبؤ بقدر بحثها عن السوق.
عرض مختلف للمستثمر
لا تسعى عُمان للمنافسة على الحجم أو السبق يقدر ما تهدف إلى تقديم عرض مختلف. فبدلاً من أن تكون مركز القرار أو السوق الأكبر، يمكن أن تتموضع كموقع داعم داخل المنظومة الإقليمية عبر توفير مراكز بيانات احتياطية، بنية تشغيلية بديلة، أو قاعدة لربط الخليج بالهند وشرق أفريقيا.
قد لا يؤدي هذا التموضع بالضرورة إلى استقطاب موجة استثمارات ضخمة دفعة واحدة، إنما قد يبدأ باجتذاب تدفقات تدريجية من شركات تسعى إلى تنويع انتشارها الجغرافي. ولا يتوقع أن يؤدي إلى نقل الشركات العالمية، بما فيها شركات التكنولوجيا الكبرى، مراكزها الاقليمية في المنطقة إلى عُمان، لكنها هذه الشركات قد تنشئ حضوراً موازياً يعزز استمرارية أعمالها في حال الاضطرابات.
الفرصة والقيود
مع ذلك، لا يمكن تجاهل حدود هذا النموذج. عُمان لا تملك حجم السوق الذي تتمتع به اقتصادات أكبر في الخليج، ولا عمق النظام البيئي التكنولوجي نفسه، ولا الكثافة المؤسسية التي تجعلها مركز القرار الإقليمي. ستُبقي هذه العوامل دورها، على المدى المنظور، مُكمّلاً لا بديلاً.
لكن في المقابل، قد تكون هذه الحدود نفسها جزءاً من ميزتها. فالدول التي تسعى إلى تقليل المخاطر لا تبحث دائماً عن أكبر مركز بقدر ما تسعى إلى التموضع في موقع يحقق توازناً بين الكفاءة والاستقرار.
اختبار التنفيذ
الفرصة التي تفتحها هذه التحولات ليست دائمة. ستعتمد قدرة عُمان على تحويل هذا التموضع إلى واقع استثماري على سرعة وحسن التنفيذ، ووضوح الأطر التنظيمية، وتطوير الكفاءات المحلية. فالمستثمر الذي يعيد توزيع مخاطره اليوم قد لا ينتظر طويلاً، وقد يتجه إلى أسواق أخرى إذا لم يجد بيئة جاهزة.
اقتصاد ما بعد الصدمات
يدخل الخليج مرحلة مختلفة، لم تعد فيها مسألة النمو وحدها كافية لتعريف النجاح الاقتصادي. فالتجربة الأخيرة أظهرت أن القدرة على امتصاص الصدمات واستمرار النشاط تحت الضغط أصبحت جزءاً أساسياً من التنافسية.
هنا، تحاول عُمان أن تكتب دوراً خاصاً بها كاقتصاد يوفّر الأرضية التي يمكن للآخرين أن يستمروا بالعمل عليها عندما يصبح السباق أكثر تعقيداً، وليس كاقصاد يقود السباق.




