استشراف اقتصادي عربي يقوده القطاع الخاص
في ظل التحولات الاقليمية وتداعياتها الاقتصادية

05.05.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الإقتصاد والأعمال

ضمن فعاليات "الاجتماع الاستثنائي لمجلس اتحاد الغرف العربية"، الذي عُقد يوم الأحد 3 أيار/مايو 2025 بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، أطلق الاتحاد ورقة تحليلية بعنوان: "استشراف اقتصادي عربي يقوده القطاع الخاص في ظل التحولات الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية"، حيث سلطت الضوء على التحولات التي يشهدها الاقتصاد العربي في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مقدّمة قراءة استشرافية تفيد بأن المنطقة تواجه صدمة جيو-اقتصادية مركبة تمتد تداعياتها من أسواق الطاقة إلى التجارة العالمية، مرورًا بالنقل البحري والغذاء وسلاسل الإمداد والاستثمار والتشغيل. الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في أدوات الاستجابة العربية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك فاعل في إدارة الأزمة، لا بوصفه طرفًا متأثرًا فحسب، بل كعنصر رئيسي في تعزيز المرونة الاقتصادية وصياغة استجابات عملية قابلة للتنفيذ.

صدمة متعددة القنوات تتجاوز الطاقة

تنطلق الورقة من توصيف الأزمة باعتبارها صدمة متعددة القنوات تبدأ من الطاقة. فوفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، بما يعادل قرابة 25 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، في حين تمر عبره نحو 19 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر الحيوي كفيلًا بإحداث هزات تتجاوز المنطقة إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

ولا تقف الصدمة عند حدود الطاقة، إذ تشير الورقة إلى أن أكثر من 80 في المئة من تجارة السلع العالمية تنتقل بحرًا، وفق بيانات "الأونكتاد"، وهو ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية الاستراتيجية ينعكس فورًا في ارتفاع كلفة الشحن، وزيادة أقساط التأمين، وتأخير التسليم، والضغط على سلاسل الإمداد العالمية. ومع انتقال هذه الضغوط إلى الأسواق، ترتفع تكاليف الإنتاج، وتتسع الضغوط التضخمية، وتتزايد هشاشة الاقتصادات المعتمدة على الواردات والطاقة المستوردة.

وتوضح الورقة أن انتقال الصدمة من الجغرافيا السياسية إلى الاقتصاد العالمي يتم عبر ثلاث قنوات مترابطة: الطاقة، والنقل، والتمويل. فارتفاع أسعار النفط يرفع كلفة النقل والإنتاج، وينعكس على أسعار الغذاء والأسمدة، فيما يؤدي تشديد الأوضاع المالية وارتفاع علاوات المخاطر إلى زيادة كلفة التمويل، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة والهشة. وهنا تتحول الصدمة من حدث سياسي إلى أزمة اقتصادية كلية متعددة المستويات.

التداعيات القطاعية: من الطاقة إلى الغذاء والصناعة

وعلى المستوى القطاعي، تضع الورقة قطاع الطاقة في مركز الصدمة، باعتباره الحلقة الأولى في انتقال الأثر، لكنها تشير إلى أن التداعيات تمتد سريعًا إلى قطاعات أخرى.

ففي النقل واللوجستيات، انعكست الاضطرابات على ارتفاع مسافات الرحلات البحرية بنسبة 48 في المئة لسفن البضائع و38 في المئة للناقلات، فيما بقيت تكاليف الشحن أعلى بنحو 141 في المئة من مستويات ما قبل الأزمة، مع بلوغ مؤشر الحاويات العالمي 2309 دولارات للحاوية في أبريل 2026.

أما في الغذاء، فتتزايد المخاطر مع مرور نحو 16 مليون طن من تجارة الأسمدة العالمية عبر هرمز، بالتزامن مع تراجع حركة السفن في المضيق بنسبة تقارب 95 في المئة، من 130 سفينة يوميًا إلى 6 سفن فقط في مارس، بما يهدد بانتقال الصدمة إلى أسعار الغذاء والتضخم.

كما تكشف الأرقام هشاشة الترابط التجاري العربي، إذ لم تتجاوز الواردات البينية العربية 12.5 في المئة من إجمالي الواردات العربية في 2023، ما يحد من قدرة المنطقة على امتصاص الصدمات. وفي الصناعة، تتجسد التداعيات عبر ارتفاع كلفة الطاقة والمدخلات والتمويل، بما يضغط على التنافسية، لكنه يفتح في المقابل مجالًا لإعادة بناء سلاسل توريد إقليمية أكثر مرونة.

تباين عربي للصدمات

ومن أبرز ما تقدمه الورقة اعتمادها تحليلًا تفاضليًا لأوضاع الدول العربية، التي لا تبدو على درجة واحدة من التعرض للصدمات، بل تتفاوت بحسب هوامشها المالية والخارجية ومستوى هشاشتها البنيوية.

ففي حين تبدو الاقتصادات المصدّرة للطاقة، ولا سيما دول الخليج، أكثر قدرة نسبيًا على امتصاص الصدمات بفضل متانة أوضاعها الخارجية واستمرار قوة النشاط غير النفطي، تبقى الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة أكثر عرضة لضغوط ارتفاع كلفة الواردات والتضخم واتساع الاختلالات الخارجية، رغم امتلاك بعضها هوامش احتياطية تخفف جزءًا من الأثر، كما في حالة مصر التي بلغت احتياطياتها 59.2 مليار دولار، والمغرب الذي يواجه ضغوطًا على الحساب الجاري والطاقة.

وفي المقابل، تبدو الاقتصادات الهشة أو الداخلة في مسارات إعادة الإعمار الأكثر تأثرًا، نظرًا لضعف هوامشها التمويلية والمؤسسية، ما يجعل أي صدمة في الطاقة أو الغذاء أو التجارة أكثر انعكاسًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

أما الاقتصادات ذات الضغوط الاجتماعية المرتفعة، فتواجه مستوى إضافيًا من المخاطر، حيث يمكن أن تنتقل الصدمات الخارجية سريعًا إلى الداخل عبر التضخم وتآكل القدرة الشرائية والبطالة.

وبذلك، تعكس الصورة العربية تباينًا لا يقتصر على مستويات التعرض، بل يمتد إلى طبيعة الاستجابة المطلوبة، بما يجعل توزيع الأدوار وآليات الإسناد المتمايزة جزءًا أساسيًا من أي مقاربة عربية أكثر فاعلية.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

وفي استشراف مسار الأزمة، تطرح الورقة ثلاثة سيناريوهات محتملة. يقوم السيناريو الأول على احتواء نسبي للصدمات ضمن حدود يمكن إدارتها، فيما يقوم السيناريو الثاني على استنزاف ممتد مع بقاء أسعار الطاقة والشحن والتأمين عند مستويات مرتفعة، بما يضغط على التجارة والتمويل والنمو.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيفترض تعطلًا حادًا للممرات البحرية الحرجة، بما يقود إلى قفزات سعرية أكبر، وضغوط أشد على التضخم والتمويل، ويفرض الانتقال من إدارة الأثر إلى إدارة الأزمة.

ويعكس هذا التدرج أن مسار الأزمة سيحدد ما إذا كانت الأولوية ستكون لإدارة الأثر، أو للانتقال إلى إدارة أزمة شاملة تتطلب استجابات أكثر تنسيقًا ومرونة.

أجندة عملية يقودها القطاع الخاص

تنتقل الورقة التحليلية من التشخيص إلى طرح أجندة لقطاع خاص عربي قابلة للتفعيل. ففي مقدمة المبادرات المقترحة، تدعو الورقة إلى إنشاء منصة عربية للإنذار المبكر الاقتصادي واللوجستي، تتولى رصد أسعار الطاقة، وكلفة الشحن، وحركة الممرات البحرية، وتوافر السلع الحرجة، بما يتيح للشركات تعديل قرارات التوريد والتخزين والتسعير بشكل استباقي.

وتطرح إعداد خريطة عربية للموردين الإقليميين البدلاء، بما يقلل الاعتماد على الموردين البعيدين، ويعزز التوريد البيني في السلع الأساسية والغذاء والأسمدة والمدخلات الصناعية. وإلى جانب ذلك، تدعو إلى تطوير ترتيبات مرنة للنقل متعدد الوسائط، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتبني ترتيبات تشغيلية لحماية الوظائف والحد من تداعيات الصدمة على أسواق العمل.

كما تتضمن الأجندة المقترحة ثلاثة محاور رئيسية تهدف إلى تمكين القطاع الخاص من لعب دور محوري في مواجهة التحديات الاقتصادية، باعتباره شريكًا استراتيجيًا مكمّلًا للدولة وليس بديلًا عنها، وهي: إنشاء شبكة عربية من المخزونات الموزعة لدى الشركات والمراكز اللوجستية لتأمين إمدادات سريعة عند تعطل التوريد، مع تنسيق بين القطاع الخاص وإمكانية تطويرها عبر شراكات مع الجهات الحكومية ضمن إطار الأمن الاقتصادي والغذائي.

بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين الشركات العربية في الأنشطة المرتبطة بالطاقة (النقل، التخزين، الخدمات اللوجستية والفنية)، دون التدخل في السياسات السيادية، وذلك عبر شراكات عملية واستغلال القدرات المتاحة ضمن الأطر التنظيمية.

فضلًا عن حماية الوظائف قبل التسريح، من خلال اعتماد سياسات تشغيلية مرنة داخل الشركات، مثل تقليص ساعات العمل، وإعادة توزيع الورديات، والتدريب خلال فترات التباطؤ، بهدف الحفاظ على العمالة وتقليل الكلفة الاقتصادية والاجتماعية.

الأزمة كفرصة لإعادة ترتيب الأولويات

وتخلص الورقة إلى أن الأزمة الراهنة، رغم ما تحمله من مخاطر، قد تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية العربية على أسس أكثر صلابة، قائمة على المرونة، والتكامل، والاعتماد المتبادل.

وفي هذا السياق، يصبح القطاع الخاص العربي جزءًا من الحل، لا مجرد طرف يتأثر بالأزمة، وشريكًا في حماية الإنتاج، واستدامة التشغيل، وتعزيز قدرة الاقتصادات العربية على الصمود في وجه الصدمات المقبلة.