حين تختبر الحرب صدقية النقد
من تثبيتٍ هشّ إلى سؤال السيادة المالية في لبنان

27.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم: د. خالد عيتاني*

لم يعد السؤال المطروح في لبنان: كم يساوي الدولار؟ بل: من يحدّد قيمته، وتحت أي شروط؟ فالدول التي تفقد توازنها السياسي لا تفقد عملتها فقط، بل تفقد القدرة على تسعير اقتصادها. ولبنان اليوم لا يعيش أزمة سعر صرف تقليدية، بل يقف عند تقاطع أزمة نقدية بنيوية، وانكشاف مالي داخلي، وصراع جيوسياسي خارجي، حيث تتحول السياسة النقدية من أداة استقرار إلى ساحة صراع تتداخل فيها أدوات السوق مع حسابات القوة.

منذ منتصف عام 2023، تمكّن مصرف لبنان من تثبيت سعر الصرف عند حدود 89,500 ليرة للدولار. غير أن هذا الرقم لا يعكس تعافيًا اقتصاديًا، بل توازنًا دقيقًا صُنع عبر سياسة انكماشية قائمة على تقليص الكتلة النقدية، الحد من تمويل الدولة، وضبط الطلب على الدولار، مستفيدًا من تدفقات خارجية تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار سنويًا من تحويلات المغتربين. وقد وصفت تحليلات Reuters وBloomberg هذا النمط بأنه “استقرار مُدار” لا استقرار حقيقي.

انعكس هذا التثبيت على التضخم الذي تراجع إلى نحو 15في المئة وفق World Bank، لكنه تراجع ناتج عن ثبات سعر الصرف لا عن تحسن الإنتاج. فالمعادلة الفعلية، كما يوضح International Monetary Fund، تقوم على توازن بين الكتلة النقدية (نحو 110 ألف مليار ليرة) والدولارات المتاحة (أقل من 12 مليار دولار احتياطي فعلي)، ما يجعل أي اختلال بينهما كفيلًا بإعادة تسعير الاقتصاد فورًا.

تقنيًا، لا يحدد مصرف لبنان السعر بقرار مباشر، بل يديره عبر آليات تشغيلية تشمل سحب السيولة، التدخل غير المباشر، وتوجيه الطلب المؤسسي. غير أن هذه السيطرة تبقى جزئية في ظل اقتصاد نقدي موازٍ واسع، حيث تُقدّر الدولارات المتداولة خارج النظام المصرفي بين 8 و10 مليارات دولار، ما يحدّ من فعالية أدوات المصرف ويجعل السوق أقل قابلية للتحكم.

ويتعمّق هذا الخلل عند النظر إلى ميزان المدفوعات. فلبنان لا ينتج الدولار بل يستورده عبر التحويلات، حيث سجّل فائضًا ظرفيًا بنحو 3 مليارات دولار وفق International Monetary Fund، لكنه يبقى هشًا أمام فاتورة استيراد مرتفعة تقارب 16–18 مليار دولار سنويًا، منها 4–5 مليارات للطاقة. وهذا يعني أن الفجوة البنيوية تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار سنويًا، تُغطّى عبر السحب من الاحتياطي وضبط الطلب، لا عبر إنتاج فعلي.

في هذا السياق، يتجاوز سعر الصرف كونه مؤشرًا اقتصاديًا ليصبح نتيجة “تسعير سياسي”. فعلى المستوى الخارجي، لا يتحدد السعر فقط بالعرض والطلب، بل أيضًا بالتوترات الأمنية والعقوبات والتوقعات. ومع تصاعد المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، يتحول النفط إلى عامل نقدي مباشر: إذ إن أي ارتفاع بنسبة 20 في المئة في الأسعار، وفق International Energy Agency، يرفع فاتورة الاستيراد فورًا ويزيد الضغط على الدولار. وهكذا، لا تبقى الحرب حدثًا خارجيًا، بل تصبح عاملًا يوميًا في تسعير الليرة.

في اقتصاد مدولر، ينتقل هذا الضغط مباشرة إلى التضخم. فكل ارتفاع بنسبة 10 في المئة في سعر الصرف ينعكس سريعًا على الأسعار، وفق International Monetary Fund، ما يجعل الدولار المحرك الأساسي لمستوى المعيشة.

لكن جوهر الأزمة ليس تقنيًا فقط، بل سياسي اقتصادي. فالتثبيت النقدي يخدم المصارف عبر تأجيل الاعتراف بالخسائر، ويخدم الدولة عبر تأجيل الانفجار الاجتماعي، فيما يتحمل المواطن الكلفة عند أي اهتزاز. وهنا تفقد السياسة النقدية حيادها لتصبح أداة لإدارة توزيع الخسائر.

في هذا الإطار، يصبح نقد السياسات ضروريًا. فحاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، يدير الاستقرار بكفاءة نسبية، لكنه يفعل ذلك ضمن أفق قصير، من دون استراتيجية خروج واضحة، معتمدًا على احتياطي محدود مقابل كتلة نقدية كبيرة، ما يجعل التثبيت هشًا بطبيعته. وفي المقابل، يعتمد وزير المالية، ياسين جابر، على تعزيز الإيرادات عبر دولرة الرسوم والتضخم، لا عبر إصلاح بنيوي، ما يجعل السياسة المالية تضغط على الاستقرار بدل دعمه.

الأخطر هو غياب التنسيق: المصرف يسحب السيولة للحد من الطلب على الدولار، فيما المالية تعيد توليد الطلب عبر ارتفاع الكلفة المعيشية. والنتيجة استقرار شكلي فوق اختلال فعلي.

وفي هذا السياق، لا يكفي توصيف الاختلال، بل يجب تفكيكه رقميًا. فالفجوة بين التدفقات الدولارية (6–8 مليارات دولار سنويًا) والطلب الإجمالي (16–18 مليار دولار) تعني عجزًا بنيويًا يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار سنويًا، يُغطّى عبر مزيج من السحب من الاحتياطي، وضبط الطلب، وتأجيل الاستحقاقات. غير أن هذا التوازن يبقى هشًا أمام أي صدمة: فتراجع التحويلات بنسبة 30 في المئة (نحو 2 مليار دولار) أو ارتفاع أسعار النفط بنسبة 20 في المئة (نحو مليار دولار إضافي) كفيلان بكسر الاستقرار القائم. ويزداد هذا الهشاش مع اقتصاد نقدي موازٍ يُقدّر بـ8–10 مليارات دولار، لا يقتصر تأثيره على خروجه من السيطرة، بل يتعداه إلى تسريع حركة الدولار داخل السوق، ما يرفع حساسية سعر الصرف لأي صدمة ويجعل التعديل أكثر حدّة وسرعة.

من هنا يمكن تحديد نقطة الانكسار: أي صدمة مزدوجة في التدفقات والثقة قد تدفع سعر الصرف للخروج من نطاقه المُدار خلال فترة قصيرة، ما يجعل الانتقال إلى مستويات أعلى مسارًا واقعيًا لا مجرد احتمال.

في هذا المشهد، لم يعد الدولار يُسعّر فقط بالعرض والطلب، بل بالخوف والتوقعات والسياسة، كما تشير تحليلات Financial Times. وهكذا، لا يعيش لبنان استقرارًا نقديًا، بل هدنة مؤقتة قائمة على توازن هش بين التدفقات والثقة والتدخل.

أزمة لبنان ليست أزمة سعر صرف، بل أزمة نموذج اقتصادي. التثبيت الحالي ليس حلًا، بل تأجيل منظّم للأزمة. المطلوب ليس إدارة الانهيار، بل تغيير منطق إدارته: من تأجيل الخسائر إلى توزيعها، ومن إدارة الهشاشة إلى بناء توازن فعلي.

المسؤوليات واضحة: على حاكم مصرف لبنان الانتقال إلى استراتيجية خروج شفافة، وعلى وزير المالية الانتقال من الجباية التضخمية إلى إصلاح فعلي. ومن دون تنسيق بين السياستين، سيبقى أي استقرار هشًا بطبيعته.

يبقى أن التوازن مستحيل دون إعادة هيكلة القطاع المصرفي واتفاق فعلي مع International Monetary Fund مقرون بإرادة داخلية للتنفيذ.

في المحصلة، لبنان أمام خيارين: إما انتقال منظّم بكلفته، أو استمرار في إدارة الهشاشة حتى انفجار أكبر. والسؤال لم يعد كيف نثبّت الليرة، بل من يملك الجرأة لاتخاذ القرار.

وبوضوح أكبر، ما يُدار اليوم ليس سياسة نقدية ناجحة، بل توازن هشّ قابل للانهيار عند أول اختبار جدي، حيث إن استمرار هذا النموذج من دون إصلاح بنيوي فعلي سيحوّل أي صدمة خارجية أو داخلية إلى إعادة تسعير حاد وسريع للاقتصاد. والأخطر أن هذا المسار، إذا استمر، لا يقود إلى الاستقرار بل إلى انفجار مؤجل بكلفة أعلى، ما يجعل التأجيل بحد ذاته مصدر الخطر لا الحل.

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية