الإقتصاد والأعمال
تحت عنوان "كلفة الحرب على لبنان: هل يبقى سعر صرف الليرة مستقراً؟"، أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تقييماً حديثاً حذّر فيه من هشاشة الاستقرار النقدي في لبنان رغم التحسن النسبي في سعر الصرف.

وأوضح التقرير أنه بعد انهيار قياسي أوصل الدولار إلى 140 ألف ليرة في آذار/مارس 2023، تراجع السعر إلى نحو 89,500 ليرة واستقر عند هذا المستوى منذ آب/أغسطس من العام نفسه. إلا أن البنك الدولي يعتبر هذا الاستقرار غير مستدام و"هشاً" أمام أي صدمات مالية أو سياسية.
وأشار التقييم إلى استمرار الضغوط على ميزان المدفوعات نتيجة العجز المزمن في الحساب الجاري، المدفوع بارتفاع الاستيراد وضعف التصدير، محذّراً من أن أي تراجع في تحويلات المغتربين أو تقلب في سعر الدولار مقابل اليورو قد ينعكس سريعاً على سعر الصرف. كما ذكّر بأن أزمة عام 2019 بدأت أساساً باختلال في ميزان المدفوعات وتفاقمت مع توقف التدفقات المالية، وهو ما يثير مخاوف من تكرار السيناريو نفسه في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.
وفي ضوء انخراط لبنان في حرب إقليمية، شدد التقرير على أن المخاطر باتت أكثر تعقيداً، مع تزايد الضغوط على مصادر العملات الأجنبية التي تشكّل الركيزة الأساسية للاستقرار النقدي. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات متزايدة حول قدرة الاقتصاد اللبناني على الحفاظ على توازنه النقدي، وحول مدى صمود سعر صرف الليرة في مواجهة صدمات محتملة قد تطال التدفقات المالية من الخارج.
انهيار الثقة: من التثبيت إلى السقوط
بحسب التقرير، يستند الاستقرار النقدي الذي تحقق بعد 2023 إلى نموذج قديم عاشه لبنان منذ التسعينيات، حين جرى تثبيت سعر الصرف عند 1507.5 ليرات للدولار على مدى أكثر من عقدين. هذا النموذج لم يكن قائماً على قرار إداري بقدر ما كان يعتمد على "الثقة" المدعومة بتدفقات العملات الأجنبية واحتياطات مصرف لبنان.
لكن هذه الثقة تآكلت تدريجياً بعد عام 2010، قبل أن تنهار بالكامل في 2019 مع توقف التدفقات المالية. حينها تكشّفت خسائر ضخمة في القطاع المالي قدّرتها شركة "لازار" بنحو 68.8 مليار دولار، توزعت بين مصرف لبنان والمصارف. وقد أدى ذلك إلى فرض قيود غير رسمية على السحوبات، وظهور سوق موازية للعملة، وانهيار متسارع في قيمة الليرة.
اقتصاد مدولر واستقرار "مصطنع"
في مرحلة ما بعد الانهيار، اتجه الاقتصاد اللبناني نحو الدولرة الواسعة، حيث أصبحت المعاملات النقدية بالدولار "الفريش" هي السائدة، مقابل تراجع دور القطاع المصرفي. ومع تآكل احتياطات مصرف لبنان، التي انخفضت بأكثر من 73 في المئة بين 2018 و2024، فقدت السياسة النقدية أدواتها التقليدية.
في المقابل، اعتمدت السلطات ما يمكن وصفه بـ"التثبيت غير المباشر"، عبر ربط الجباية العامة بسعر صرف قريب من السوق، ودفع جزء من النفقات بالدولار، ولا سيما رواتب القطاع العام. هذه الآلية سمحت بالتحكم في السيولة وأسهمت في استقرار سعر الصرف، لكنها لم تعالج الاختلالات البنيوية في الاقتصاد.
عجز مزمن وتوازن هش
يبقى العجز في الحساب الجاري نقطة الضعف الأساسية في الاقتصاد اللبناني. فقد بلغ العجز التجاري نحو 17.44 مليار دولار في عام 2025، نتيجة ارتفاع الاستيراد إلى أكثر من 21 مليار دولار مقابل صادرات لم تتجاوز 3.6 مليارات دولار.
ورغم تسجيل فائض محدود في ميزان الخدمات، إلا أن العامل الحاسم في تمويل هذا العجز يبقى تحويلات المغتربين، التي ارتفعت إلى نحو 4.8 مليارات دولار سنوياً بعد الأزمة. كما تساهم المساعدات الدولية والقروض الميسّرة في دعم التدفقات المالية، إلى جانب مصادر غير منظورة.
هذا التوازن بين العجز والتدفقات هو ما سمح بالحفاظ على استقرار سعر الصرف، لكنه توازن دقيق وقابل للاهتزاز، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة.
أي مسار لسعر صرف الليرة في ظل الحرب؟
تدخل الليرة اللبنانية مرحلة جديدة من الاختبار، حيث لم يعد استقرارها مرتبطاً فقط بالعوامل النقدية التقليدية، بل بات رهناً بتداعيات الحرب الإقليمية التي تطال مختلف مفاصل الاقتصاد. وفي هذا السياق يُنظر إلى سعر الصرف بوصفه المؤشر الأكثر حساسية لقياس حجم الصدمة وقدرة الاقتصاد على امتصاصها، كما يشكّل معياراً أساسياً لتقدير فرص التعافي وسرعته في المرحلة المقبلة.
حتى الآن، يستند التماسك النسبي لسعر الليرة إلى ثلاثة مصادر رئيسية للتدفقات بالعملات الأجنبية، إلا أن هذه الركائز نفسها تبدو مهددة بشكل متزايد، ما يضع الاستقرار النقدي أمام تحديات جدية.
في مقدمة هذه الركائز تأتي تحويلات المغتربين، التي تشكّل الشريان الحيوي للاقتصاد اللبناني، خصوصاً في ظل اعتماد الاستهلاك المحلي بشكل كبير على الاستيراد. غير أن هذا المصدر يواجه مخاطر مباشرة، إذ إن الجزء الأكبر من هذه التحويلات يأتي من دول الخليج، التي تتأثر بدورها بتداعيات الحرب، لا سيما مع استهداف مرافق النفط والغاز. ومن شأن ذلك أن يدفع هذه الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، بما قد ينعكس سلباً على أوضاع اللبنانيين العاملين هناك، والذين يقدّر عددهم بنحو 250 ألفاً، وبالتالي على حجم تحويلاتهم التي تصل إلى نحو 3 مليارات دولار سنوياً.
أما العامل الثاني فيتمثل في صدمة أسعار النفط، التي شهدت ارتفاعاً حاداً مع تصاعد التوترات، إذ تجاوز سعر برميل برنت 100 دولار بعد أن كان بحدود 70 دولاراً. هذا الارتفاع ينعكس مباشرة على الاقتصاد اللبناني، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة. وتبلغ فاتورة استيراد المحروقات نحو 4.6 مليارات دولار، أي ما يعادل 22 في المئة من إجمالي الاستيراد، ما يعني أن أي زيادة في الأسعار ستؤدي تلقائياً إلى تفاقم العجز التجاري، ورفع مستويات التضخم، والضغط على القدرة الشرائية للأسر. كما أن محدودية البدائل المحلية للطاقة تجعل من الصعب خفض الاستهلاك، ما يعمّق أثر الصدمة.
العامل الثالث يتمثل في تراجع الصادرات، وهو ما يحدّ من تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد. فقد انخفضت قيمة الصادرات اللبنانية إلى نحو 2.7 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بنحو 4 مليارات دولار في سنوات سابقة. ويعود هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، من بينها القيود التي فرضتها بعض الدول الخليجية على الاستيراد من لبنان، لأسباب أمنية وسياسية، إضافة إلى تعقيدات النقل البري عبر سوريا، التي تشكّل المعبر الرئيسي للصادرات اللبنانية نحو الأسواق الخليجية.
إلى جانب ذلك، يواجه لبنان تحدياً إضافياً يتمثل في ارتفاع كلفة الاستيراد من أوروبا، التي تستحوذ على نحو 28.5 في المئة من إجمالي الواردات، بقيمة تصل إلى 6 مليارات دولار سنوياً. وفي ظل أي تراجع محتمل في قيمة الدولار مقابل اليورو، سترتفع هذه الكلفة أكثر، ما يزيد الضغط على ميزان المدفوعات في اقتصاد يعتمد بشكل واسع على الدولار.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن استقرار سعر صرف الليرة يقف على أرضية هشة، إذ يعتمد على تدفقات خارجية معرضة للتراجع في أي لحظة. ومع تصاعد المخاطر الإقليمية، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط ما إذا كان هذا الاستقرار سيستمر، بل إلى أي مدى يمكن أن يصمد أمام صدمات متزامنة تطال التحويلات، والطاقة، والتجارة الخارجية.
بين الاستقرار والانهيار
في المحصلة، يتبيّن أن الاستقرار النقدي الذي يشهده لبنان اليوم لا يستند إلى أسس اقتصادية صلبة، بقدر ما يقوم على معادلة دقيقة وحساسة: تدفقات محدودة من العملات الأجنبية في مقابل سياسات داخلية استثنائية تمكّنت، حتى الآن، من ضبط إيقاع السوق. غير أن هذه المعادلة تبقى قابلة للاختلال في أي لحظة، إذ إن أي تراجع في هذه التدفقات أو تعرضها لصدمات خارجية كفيل بإعادة خلط الأوراق ودفع سعر الصرف نحو مسار جديد من التقلبات.
ولا يمكن فصل هذا الواقع النقدي عن المشهد السياسي، حيث تبقى "الثقة" العامل الحاسم في تحديد الاتجاهات الاقتصادية. فكل تطور سياسي، سواء باتجاه التهدئة أو التصعيد، ينعكس مباشرة على توقعات الأسواق وعلى سلوك المتعاملين، ما يجعل سعر الصرف مرآة سريعة لأي تحول في المناخ العام.
في هذا السياق، يقف الاقتصاد اللبناني عند نقطة مفصلية بين مسارين متناقضين: إما الحفاظ على الاستقرار الحالي وتحويله تدريجياً إلى مسار تعافٍ، وهو ما يتطلب استمرارية التدفقات الخارجية وإدارة أكثر فاعلية للأزمة، أو الانزلاق مجدداً نحو مرحلة من الانهيار في حال تراجعت هذه التدفقات أو تفاقمت الضغوط السياسية والاقتصادية.
وبين هذين المسارين، يبقى الاستقرار القائم أقرب إلى "هدنة مالية" منه إلى تعافٍ فعلي، ما يجعل مستقبله مفتوحاً على جميع الاحتمالات، رهن ما ستسفر عنه التطورات الإقليمية، وقدرة الدولة على إعادة بناء الثقة داخلياً وخارجياً.




