الخليج بين تحدي الاستقرار
وإعادة التموضع الاقتصادي

27.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. سوليكا علاء الدين

تدخل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي عام 2026 مرحلة أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها الضغوط الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة مع متانة مالية لافتة تعزز قدرتها على الصمود. وتشير التوقعات إلى تباطؤ نسبي في النمو بفعل التوترات الإقليمية واضطرابات الإمدادات، في مقابل استمرار قوة المراكز الائتمانية المدعومة باحتياطيات سيادية ضخمة وملاءة مالية مرتفعة. ويمنح هذا التوازن الدقيق بين تباطؤ النشاط الاقتصادي وصلابة الأسس المالية اقتصادات الخليج هامشاً مهماً لامتصاص الصدمات والحفاظ على استقرارها الكلي في بيئة دولية شديدة التقلب.

توقعات النمو: بين التباطؤ والتعافي

وفي هذا الإطار، خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2026، في ظل تداعيات أزمة تصدير النفط وتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة. وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول الخليج سيحقق نمواً بنحو 1.3 في المئة خلال العام الجاري، مقارنة بـ4.4 في المئة في عام 2025، ما يعكس تباطؤاً ملحوظاً في وتيرة النشاط الاقتصادي.

ورغم الضغوط قصيرة الأجل، تشير التوقعات إلى أن اقتصادات الخليج قد تشهد تعافياً قوياً في السنوات المقبلة. فبحسب تقرير "الرؤية الاقتصادية" للربع الأول من عام 2026 الصادر عن معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز (ICAEW) بالتعاون مع "أكسفورد إيكونوميكس"، قد يصل معدل النمو في دول الخليج إلى نحو 8.5 في المئة بحلول عام 2027.

وعلى المدى القريب، لا تزال التحديات قائمة، إذ يُرجّح أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بنحو 0.2 في المئة في عام 2026 نتيجة تأثير الاضطرابات الجيوسياسية، ولا سيما على قطاعات الطاقة والتجارة. غير أن الأسس الاقتصادية القوية وسياسات التنويع والإصلاحات الهيكلية تظل عوامل داعمة لعودة النمو.

وتبقى أسواق الطاقة العامل الأكثر تأثيراً في أداء الاقتصاد الخليجي؛ فمع توقع تخفيف القيود على الإنتاج والصادرات، قد يقود قطاع الطاقة موجة التعافي مع نمو قد يصل إلى 18.2 في المئة في عام 2027.

في المقابل، يُتوقع أن يكون تعافي القطاعات غير النفطية أكثر تدريجية، إذ يُرجّح أن يسجل النشاط غير النفطي نمواً محدوداً عند 0.1 في المئة في عام 2026 قبل أن يتسارع إلى 6.4 في المئة في عام 2027 مع تحسن الظروف الاقتصادية وعودة حركة السفر والسياحة، التي تراجعت أعداد زوارها إلى الشرق الأوسط هذا العام بنسبة تراوحت بين 11 و27 في المئة بسبب اضطرابات المجال الجوي.

وفي سياق متصل، خفّض صندوق النقد الدولي في تقريره "آفاق الاقتصاد العالمي" توقعاته لنمو اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 1.1 في المئة خلال العام الجاري، بتراجع قدره 2.8 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات سابقة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات إمدادات الطاقة.

تفاوت في أداء اقتصادات الخليج

وعلى مستوى دول الخليج، تظهر التقديرات تفاوتاً واضحاً في الأداء المتوقع بين الاقتصادات المختلفة. ففي السعودية، يتوقع أن يسجل الاقتصاد نمواً بنحو 3.1 في المئة خلال العام الجاري، رغم خفض التوقعات بنحو 1.4 نقطة مئوية مقارنة بالتقديرات السابقة. ويُعزى ذلك إلى قدرة المملكة على الحفاظ على تدفقات صادرات النفط عبر خطوط أنابيب بديلة نحو البحر الأحمر، ما خفف من تأثير اضطرابات مضيق هرمز. كما تشير التوقعات إلى تسارع النمو إلى 4.5 في المئة بحلول عام 2027 مع تحسن النشاط الاقتصادي.

أما الإمارات، فقد خُفّضت توقعات النمو لعام 2026 إلى 3.1 في المئة بعد مراجعة بالخفض قدرها 1.9 نقطة مئوية، في ظل تأثر قطاعات التجارة والطيران بالتوترات الإقليمية، رغم استمرار قوة القطاعات غير النفطية.

وفي عُمان، من المتوقع أن تحقق أعلى معدل نمو في الخليج عند نحو 3.5 في المئة خلال العام الجاري، رغم مراجعة طفيفة للتوقعات، مستفيدة من تحسن أوضاع المالية العامة وارتفاع أسعار النفط.

في المقابل، تشير التقديرات إلى احتمال تسجيل الكويت انكماشاً اقتصادياً بنحو 0.6 في المئة نتيجة تأثير القيود على صادرات النفط وتباطؤ النشاط الاقتصادي، بينما يُتوقع أن يشهد اقتصاد البحرين انكماشاً طفيفاً بنحو 0.5 في المئة خلال العام الجاري في ظل الضغوط على المالية العامة وارتفاع مستويات الدين مقارنة ببقية دول المجلس.

أما قطر فتُعد الأكثر تأثراً بالتطورات الجيوسياسية وفق التقديرات الأخيرة، حيث خُفّضت توقعات النمو بشكل حاد بنحو 14.7 نقطة مئوية، مع ترجيحات بانكماش الاقتصاد بنسبة 8.6 في المئة خلال العام الجاري. وتعكس هذه الأرقام مدى حساسية اقتصادات الخليج للتطورات في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، رغم استمرار الفوائض المالية في عدد من الدول.

التصنيفات الائتمانية: استقرار مدعوم بالاحتياطيات المالية

من جهتها، أفادت وكالة "فيتش للتصنيف الائتماني" بأن معظم دول مجلس التعاون الخليجي أظهرت مرونة ملحوظة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران، رغم التحذير من أن أي تصعيد جديد أو استمرار تعطل النشاط الاقتصادي قد يفرض ضغوطاً إضافية على التصنيفات الائتمانية على المديين القصير والطويل.

وأشارت الوكالة إلى أن استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز لفترة أطول لم ينعكسا حتى الآن على تصنيفات غالبية الدول، باستثناء قطر ورأس الخيمة، فيما تواصل اقتصادات الخليج الاستفادة من قوة الاحتياطيات السيادية وانخفاض مستويات الدين، ما يدعم استقرارها الائتماني.

وتظهر البيانات تفاوتاً في مستويات التصنيف بين دول المجلس. فالتصنيف السيادي لـقطر يبلغ “AA” مع وضعه تحت المراقبة السلبية نتيجة تداعيات الضربات على منشآت الغاز في رأس لفان وإغلاق مضيق هرمز لفترة مؤقتة. كما تحتفظ أبوظبي بتصنيف مرتفع عند “AA” مع نظرة مستقرة، مدعوماً بوفرة الأصول السيادية وقوة مركزها المالي.

أما الإمارات فتصنيفها السيادي عند “AA-” مع نظرة مستقرة، ما يعكس تنوع اقتصادها وقوة احتياطياتها المالية، في حين يبلغ تصنيف السعودية “A+” مع نظرة مستقرة، مستفيداً من حجم الاقتصاد وقوة الاحتياطيات المالية وقدرة المملكة على إعادة توجيه صادرات الطاقة.

وفي الكويت، يبلغ التصنيف الائتماني “AA-” مع نظرة مستقرة، مدعوماً بامتلاك الدولة أحد أكبر صناديق الثروة السيادية عالمياً رغم ارتفاع اعتماد اقتصادها على النفط. أما عُمان فتصنيفها عند “BBB-” مع نظرة مستقرة، وهو ما يعكس تحسن المؤشرات المالية بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية.

في المقابل، تبقى البحرين الأدنى تصنيفاً في المنطقة عند “B” مع نظرة مستقرة، نتيجة ارتفاع مستويات الدين العام واعتمادها النسبي على الدعم المالي الخليجي.

تصعيد قد يغيّر المعادلة

وحذّرت فيتش من أن تصاعد التوترات قد يغيّر المشهد الائتماني في الخليج، إذ إن أي أضرار واسعة لمنشآت الطاقة أو إغلاق مطوّل لمضيق هرمز وتعطّل الشحن، خصوصاً عبر البحر الأحمر، قد يفرض ضغوطاً إضافية على التصنيفات السيادية.

وأشارت إلى أن تصعيداً عسكرياً واسعاً قد يدفع إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل أصولاً في دول الخليج، ما يزيد المخاطر، لاسيما مع احتمال انخراط بعض الدول مباشرة في النزاع. وأكدت أن تقييماتها المستقبلية ستراعي تدهور البيئة الجيوسياسية وانعكاساته على المخاطر الهيكلية، وفرص التنويع والنمو غير النفطي، إضافة إلى أوضاع المالية العامة.

تفاوت الانكشاف لمخاطر مضيق هرمز

وتشير البيانات أيضاً إلى تفاوت كبير في درجة اعتماد دول الخليج على مضيق هرمز لتصدير النفط والغاز. فبحسب وكالة فيتش، تعتمد الكويت على المضيق في نحو 100 في المئة من صادراتها النفطية، مقابل نحو 95 في المئة في البحرين و87 في المئة في قطر، بينما تبلغ النسبة نحو 40 في المئة في أبوظبي و32 في المئة في السعودية بفضل خطوط الأنابيب البديلة، في حين لا تعتمد عُمان على المضيق في صادراتها النفطية.

وتقدّر الوكالة أن إغلاق المضيق لمدة أسبوع واحد عند سعر نفط يبلغ 100 دولار للبرميل قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي بنحو 0.4 في المئة في الكويت و0.5 في المئة في كل من البحرين وقطر و0.1 في المئة في أبوظبي، دون تأثير يُذكر في السعودية، في حين قد تحقق عُمان أثراً إيجابياً بنحو 0.3 في المئة نتيجة ارتفاع الأسعار.

قطاع التأمين… مرونة في مواجهة التقلبات

وفي موازاة هذه التطورات، يظهر قطاع التأمين الخليجي قدرة ملحوظة على التكيف مع البيئة الاقتصادية المعقدة. فبحسب توقعات "ستاندرد آند بورز"، من المرجح أن تصل قيمة أقساط التأمين المكتتبة في المنطقة إلى نحو 50 مليار دولار خلال عام 2026، مقارنة بنحو 47.8 مليار دولار في العام السابق.

وتقود السعودية والإمارات هذا النمو، مدعومتين باتساع الأسواق المحلية وتزايد الطلب على المنتجات التأمينية المرتبطة بالصحة والممتلكات والبنية التحتية. كما تتمتع شركات التأمين في المنطقة بهوامش رأسمالية قوية ونظم متقدمة لإدارة المخاطر، ما يعزز قدرتها على الحفاظ على مستويات ربحية مستقرة.

ورغم حفاظ القطاع على ربحيته مع بقاء نسبة الخسائر والمصاريف دون 100 في المئة، ما يعكس قوة أداء الاكتتاب، إلا أنه يظل عرضة لتحديات محتملة. إذ قد تؤدي التوترات الجيوسياسية المستمرة إلى ضغوط إضافية، خاصة في حال تراجع ثقة المستهلكين أو تعرض الأسواق المالية لتقلبات حادة، بما ينعكس على تقييمات الأصول وهوامش رأس المال لدى بعض الشركات.

بين تراجع مرحلي وتحول اقتصادي

تعكس المؤشرات الاقتصادية في الخليج مرحلة انتقالية تتداخل فيها التحديات الجيوسياسية مع مسار التحول الهيكلي للاقتصادات. فالتباطؤ الحالي يرتبط أساساً بصدمات خارجية وتقلبات أسواق الطاقة، لا بضعف بنيوي، في ظل استمرار قدرة الدول على امتصاص الصدمات بفضل متانة الاحتياطيات السيادية وانخفاض المديونية نسبياً.

غير أن هذا الاستقرار يظل مشروطاً بتطورات البيئة الإقليمية وكفاءة إدارة المخاطر المالية. وعلى المدى المتوسط، يمثل تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاعات غير النفطية محوراً رئيسياً لإعادة تشكيل النمو، لكن وتيرته ستظل رهناً باستقرار المشهد الجيوسياسي وقدرة دول الخليج على الموازنة بين الإصلاحات الداخلية والضغوط الخارجية.