الاقتصاد والأعمال
أقرّ مجلس الوزراء الإماراتي مؤخراً إطاراً يقضي بتحويل 50 في المئة من القطاعات والخدمات والعمليات الحكومية الاتحادية إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الوكيلي ((Agentic خلال عامين. يندرج هذا الإعلان ضمن مسار تحسين الخدمات أو تسريعها، بقدر ما يعكس تحولاً أعمق في بنية الدولة نفسها، حيث تنتقل من نموذج إداري يعتمد على البشر في التنفيذ إلى نموذج تصبح فيه الأنظمة الذكية جزءاً من عملية اتخاذ القرار والتنفيذ معاً.
يتعدى ما سيجلبه هذا القرار مسألة رقمنة الإجراءات أو تطوير التطبيقات، ليدخل بمرحلة إدخال مستوى تشغيل جديد داخل الدولة، قادر على إدارة العمليات بشكل شبه ذاتي، ضمن أطر حوكمة محددة.
من أداة إلى بنية تشغيل
قامت المرحلة السابقة من التحول الرقمي على استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم القرار وتحليل البيانات. أما الذكاء الاصطناعي الوكيلي فيتجاوز ذلك ليصبح قادراً على تنفيذ المهام، والتفاعل مع الأنظمة، واتخاذ قرارات تشغيلية في الزمن الفعلي.
وينقل هذا التحول الحكومة من نموذج الحكومة الذكية إلى نموذج أقرب إلى ما يمكن تسميته بالدولة الذاتية، حيث لا تقتصر وظيفة الأنظمة على تقديم التوصيات، إنما تمتد إلى تنفيذ الإجراءات، وإدارة التدفقات، والتعامل مع الطلبات بشكل مباشر. وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تشغيل، لا مجرد أداة مساندة.
لماذا الإمارات قادرة على التحرك بهذا الإيقاع؟
يستند هذا التحول إلى مسار طويل من بناء القدرات. فقد عملت الإمارات على تطوير منظومة متكاملة تشمل التعليم والبحث والتطبيق، من خلال مؤسسات مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وشركات وطنية مثل G42، ضمن إطار استراتيجي واضح تجسّد في الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031.
أوجد هذا التراكم مزيجاً نادراً من القدرات التقنية، والوضوح الاستراتيجي، والقدرة على التنفيذ السريع. وهي عناصر تجعل من الممكن الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة التطبيق على نطاق واسع.
من خفض الكلفة إلى إعادة تشكيل إنتاجية الدولة
يتمثل الهدف المباشر لهذا التحول في خفض التكاليف وتسريع تقديم الخدمات. غير أن الأثر الأعمق يكمن في تعزيز إنتاجية القطاع العام.
فعندما تنتقل العمليات الروتينية إلى أنظمة ذاتية، تتحرر الموارد البشرية من المهام التنفيذية، وتتجه نحو أدوار التخطيط والإشراف وصياغة السياسات. وفي المقابل، يفترض أن تصبح الخدمات أكثر سرعة واتساقاً، وأن تتحسن جودة الأداء العام ويُختصَر زمن الاستجابة، مما يفترض أن يُحدث تحولا في نموذج عمل الدولة.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى بنية تشغيل للدولة والاقتصاد
ما يميّز التجربة الإماراتية أن هذا التحول ينتقل من مستوى القرار إلى مستويات متعددة من الدولة.
على المستوى الاتحادي، تتجه مؤسسات حكومية إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة مثل القضاء، حيث تعمل وزارة العدل على توظيفه لتسريع الإجراءات وتحسين كفاءة الخدمات القانونية. ويعكس هذا الاستخدام انتقال الذكاء الاصطناعي إلى ممجالات كانت تقليدياً محكومة بالكامل بالقرار البشري، مما يشير إلى مستوى متقدم من الثقة المؤسسية في التكنولوجيا.
بالتوازي، يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية للنظام المالي، من خلال مبادرات يقودها مصرف الإمارات المركزي، تهدف إلى تشغيل وتحليل البيانات المالية بشكل فوري وعلى نطاق واسع. هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي مجرد واجهة لخدمة المستخدم، ليصبح جزءاً من الأنظمة الخلفية التي تدير الاقتصاد نفسه.
في أبوظبي، يظهر بُعد آخر للتحول، يتمثل في بناء القدرة الإنتاجية للذكاء الاصطناعي. تعمل شركات مثل G42 على تطوير النماذج والبنية التحتية، ما يمنح الدولة قدرة على إنتاج التكنولوجيا وليس فقط استخدامها. ويعزز هذا البعد السيادة الرقمية، ويتيح تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع داخل الحكومة والاقتصاد.
أما في دبي، فيتخذ التحول طابعاً اقتصادياً مباشراً. فتجربة مركز دبي المالي العالمي في إتاحة التسجيل وتأسيس الشركات عبر الذكاء الاصطناعي تعكس كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن توفر تجربة جديدة للمستثمر. فاختصار الإجراءات، وتقليص الزمن، وخفض الاحتكاك التنظيمي، كلها عوامل تعزز جاذبية البيئة الاستثمارية، وتحول الحكومة إلى منصة تسهّل النشاط الاقتصادي بدل أن تعيقه.
يوضح هذا التدرج من القرار الاتحادي، إلى البنية التحتية، إلى التطبيق الاقتصادي أن التحول يجري على مستويات مترابطة، وليس كمبادرات منفصلة.
تحول في سوق العمل الحكومي
عندما يتحول جزء متزايد من العمليات إلى أنظمة ذاتية، يبدأ دور الموظف الحكومي بالتغير وينتقل التركيز من التنفيذ إلى الإشراف، ومن الإدارة إلى الحوكمة.
يتوقع أن يزيد هذا التحول الطلب على مهارات جديدة، تشمل فهم الأنظمة الذكية، وتدقيق قراراتها، وإدارة المخاطر المرتبطة بها. كما يؤدي إلى تقليص عدد الطبقات البيروقراطية، ويعيد تطوير الهيكل التنظيمي للقطاع العام.
تحديات الحوكمة والمساءلة
لكن هذا التحول يطرح أسئلة معقدة حول المساءلة. عندما تتخذ الأنظمة قرارات بشكل مستقل، تصبح الحاجة ملحّة لتحديد المسؤوليات بوضوح، ووضع آليات رقابة فعالة.
كما تبرز تحديات تتعلق بالتحيز في الخوارزميات، والأمن السيبراني، وإمكانية الاعتماد المُفرط على الأنظمة الذكية في وظائف حساسة. ويتطلب التعامل مع هذه التحديات تطوير أطر تنظيمية متقدمة، توازن بين الابتكار والانضباط المؤسسي.
تموضع عالمي يتجاوز السباق التقني
تضع المبادرات الإماراتية الدولة في موقع متقدم عالمياً، حيث تنتقل من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إعادة بناء مؤسساتها على أساسه. وهذا ما يمنحها فرصة لتكون مرجعاً في كيفية دمج التكنولوجيا في عمل الدولة.
كما يعزز هذا التوجه قدرتها على جذب الاستثمارات والشركات العاملة في هذا المجال، ويكرّس موقعها كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي.
اقتصاد يتشكل حول الدولة الذكية
يتوقع أن ينعكس اعتماد الحكومة الذكاء الاصطناعي في عملياتها، مباشرة على الاقتصاد من خلال تحسن كفاءة بيئة الأعمال، وتسارع الإجراءات، وانخفاض كلفة التعاملات.
في الوقت نفسه، يتزايد الطلب على البنية التحتية الرقمية، وعلى المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الامر الذي يدفع نحو نمو قطاعات جديدة ويعزز التنويع الاقتصادي.
اختبار التنفيذ
يبقى التحدي الأكبر في التنفيذ. فتحويل نصف العمليات الحكومية خلال عامين يتطلب تكاملاً عالياً بين الأنظمة، وقدرة على تحديث البنية التحتية، وجاهزية بشرية لمواكبة هذا التحول.
وسيحدد هذا الإطار الزمني الطموح مدى قدرة الدولة على ترجمة رؤيتها إلى واقع عملي، وسيشكّل اختباراً حقيقياً لنموذج الدولة الذاتية.
نحو نموذج جديد للدولة
ما يجري في الإمارات اليوم يتجاوز كونه برنامجاً للتحول الرقمي. إنه محاولة لبناء نموذج جديد للدولة، تتكامل فيه الأنظمة الذكية مع المؤسسات، لتصبح جزءاً من عملية اتخاذ القرار والتنفيذ.
سيعيد نجاح هذا النموذج بناء توقعات الأفراد والمستثمرين من الحكومات، وسيحدد ملامح المرحلة المقبلة من تطور الدولة الحديثة. أما مسار التنفيذ، فسيبقى العامل الحاسم في تحديد مدى سرعة انتشار هذا النموذج خارج الإمارات.




