د. محمد علي مرتضى مقلد*
الإشكالية المطروحة مصاغة على الشكل التالي: الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين إيران وحزب الله من جهة أخرى ستنتهي عاجلاً أم آجلاً، فكيف ستنعكس نتائجها على لبنان، وكيف يمكن للباحث أن يستشرف مستقبل هذا البلد؟
هي حرب واحدة لأن ظاهرها مواجهة بين تحالفين وهي حربان لأن لكل ساحة خصوصياتها ولكل طرف في التحالف مشروعه. ومن الأفضل تفكيك الإشكالية إلى عناصرها الأولى، على طريقة ديكارت، ليسهل على الباحث استشراف مآلات الحروب المتداخلة والمشاريع المتشابكة.
في تشخيص الحالة، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان الحرب مع إيران بتعاون عسكري وطيد كأنهما جيش واحد، غير أن لكل منهما دوافعه وأهدافه وحساباته، فيما يقتصر تحالفهما ضد حزب الله على تنسيق عسكري، والأهداف السياسية متباعدة ومتفاوتة. من ناحية ثانية، يمكن أن ينظر إلى الحرب ضد إيران باعتبارها حلقة في مرحلة توسع الرأسمالية الأفقي، في ظل السيطرة الأميركية والأحادية القطبية. فيما ينظر إلى الحرب مع حزب الله باعتبارها آخر الحروب مع حركات التحرر الوطني. في جميع المقاربات يبقى انهيار الاتحاد السوفياتي العلامة المفصلية في تبدل مضامين الصراعات والحروب في العالم.
الكيان الإسرائيلي كان في بدايته مشروعاً صهيونياً تستفيد منه وتستثمره الرأسمالية العالمية لصالح توسعها وسيطرتها. مع مؤتمر مدريد حولت الولايات المتحدة إسرائيل إلى مشروع غربي تستفيد منه الصهيونية العالمية، واستبدل مشروع إسرائيل الكبرى بآخر عنوانه “الشرق الأوسط الجديد” ومعناه الوحيد هو أن القوى المتصارعة في المنطقة، بعد أن صارت كلها صديقة لأميركا، يمكن لها أن تعيش تحت خيمتها بسلام ومن غير حروب.
غير أن الطريق لم تكن معبدة أمام هذا التحول، إذ التقى التطرف الصهيوني مع تطرف مماثل في العالمين العربي والإسلامي على إجهاض هذا المسعى، فتولى الأول اغتيال إسحق رابين ومشروع الأرض مقابل السلام، فيما اختار الثاني نهج الإحجام عن الحرب والامتناع عن إقامة السلام مكتفياً بمشاغبة عسكرية في جنوب لبنان لم تكن تحسب حساباً لانسحاب إسرائيلي مباغت.
في هذا السياق وانطلاقاً من هذه الفرضيات والوقائع يمكن القول إن إيران حاولت أن تستكمل المشروع السوفياتي أو أن تتابع الاعتراض على الرأسمالية كحضارة، بخطة أقل كفاءة مما كان متوافراً في المشروع الاشتراكي. الاستنتاج السهل هو أن بديلها الحضاري لا بد آيل إلى السقوط، ولا بد أن تنتهي حربها مع الرأسمالية بالهزيمة، أياً تكن المعايير.
وفي هذا السياق أيضاً يمكن النظر إلى مشروع حزب الله على أنه استكمال لما بدأه اليسار القومي والماركسي في لبنان في مواجهة الاحتلال الصهيوني. غير أنه تحول إلى نوع من المشاغبة على إسرائيل وعلى الرأسمالية. وإذا كان المشروع اليساري المصنف في خانة التحرر الوطني قد سقط، أولاً لأنه ناضل طيلة قرن من الزمن ضد استعمار غير موجود، وثانياً لأنه لم يتعلم من تجارب الشعوب بأن العامل الداخلي هو الأساس وأن العامل الخارجي ليس سوى مساعد، وبالتالي فإن مصادرة القضية الفلسطينية ليس أمراً مقبولاً وأن الشعب الفلسطيني هو صاحب القرار، ومن الطبيعي أن ينتهي مشروع حزب الله إلى فشل ذريع وهزيمة.
بعد هزيمة مشروع إيران وهلاله الممتد حتى الشيعية السياسية في لبنان، يبدو أن الحل المنطقي يقتضي أولاً مغادرة الإسلام السياسي السني والشيعي إحجامه عن الدخول في الحضارة الرأسمالية وتخليه عن المشاريع المستحيلة الساعية إلى إيقاف عجلة التاريخ وردها إلى الوراء، بإعادة نظام الخلافة أو بوهم ولاية الفقيه، ويقتضي ثانياً الانخراط في الحضارة الرأسمالية لا من الباب الاقتصادي والعلمي بل بالدرجة الأولى من بابها السياسي، أي من الديمقراطية.
إن السبيل الوحيد لخروج بلداننا من أزماتها المتناسلة، في لبنان كما في فلسطين وفي كل بلدان الربيع العربي من المحيط إلى الخليج ومن سوريا شمالاً حتى اليمن جنوباً، هو في مشروع الدولة الديمقراطية. الدولة هي الحل ولا حل سواه.
يتطلب هذا الحل تنقية الثقافة القومية واليسارية من أثقالها الدينية والإيديولوجية، ونشر ثقافة علمية عن الدولة وعن الديمقراطية، ولا سيما بعد أن شوه الشبق إلى السلطة معنى الدولة، وتشوه معنى الديمقراطية بعد أن صادر الرعاع الجاهل دور النخبة، وألغى التنوع والتعدد والحق في الاختلاف.
باختصار، قبل أن تكون الديمقراطية صندوقة اقتراع، هي الاعتراف بالآخر المختلف. وقبل أن تكون الدولة سلطة، هي الالتزام بالقوانين وبأحكام الدستور.
• مساهمة عن “استشراف المستقبل” في النادي الثقافي العربي- بيروت
نشر على موقع الحوار المتمدن




