تضخم حرب إيران
تهديد جديد للعالم؟

22.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

الاقتصاد والأعمال

عاد التضخم إلى واجهة النقاش العالمي مع تصاعد تداعيات حرب إيران، ولكن بصيغة تختلف عمّا عرفه العالم خلال الأعوام الماضية. لا تتعلق المسألة بانتعاش اقتصادي يرفع الطلب، ولا بحزم تحفيز تضخ السيولة. انها صدمة اسعار وامدادات الطاقة قد لا تبقى اثارها محصورة في أسعار النفط والغاز. انها تتحول بسرعة إلى موجة أوسع تطال النقل، والتأمين، والصناعة، والغذاء، وتعيد تكوين توقعات الأسعار لدى الشركات والمستهلكين. هنا يبدأ القلق الحقيقي.

من النفط إلى كل شيء
يواجه الاقتصاد العالمي اليوم تضخماً تقوده الكلفة، حيث ترتفع أسعار المدخلات الأساسية للإنتاج. لا يعني ارتفاع أسعار النفط والغاز فقط زيادة فاتورة الطاقة، بل يرفع كلفة الشحن البحري، والتأمين على السفن والطائرات، ويضغط على الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات، وينعكس على أسعار الأسمدة، وبالتالي على الغذاء.

هنا، يتحول النفط من سلعة إلى ناقل تضخم عبر الاقتصاد كله. أي زيادة في سعره، أو في كلفة نقله وتأمينه، تنتقل تدريجياً إلى كل قطاع تقريباً. وإذا طال أمد هذه الصدمة، تبدأ الشركات في إعادة تسعير منتجاتها على أساس كلفة أعلى دائمة، وليس مؤقتة، وهنا يتحول التضخم إلى حالة ممتدة.

المرحلة الأخطر: انتقال التضخم إلى التوقعات
يكمن الفرق بين صدمة سعرية وتضخم مستدام في التوقعات. في البداية، قد ترتفع الأسعار بسبب الطاقة فقط. لكن عندما يبدأ المنتجون والعمال في الاعتقاد أن الأسعار ستواصل الارتفاع، تتغير السلوكيات. ترفع الشركات الأسعار مسبقاً، والعمال يطالبون بأجور أعلى، والمستثمرون يعيدون تسعير الأصول.

عند الوصول الى هذه النقطة، يتوسع التضخم من تضخم طاقة إلى تضخم اقتصادي شامل. وهذا ما تخشاه البنوك المركزية اليوم، لأن السيطرة عليه تصبح أكثر كلفة وتعقيداً.

ماذا يذكرنا بالسبعينات؟
المقارنة مع سبعينات القرن الماضي حاضرة بقوة، لأن الانطلاقة متشابهة. كان هناك صدمة نفطية كبيرة أربكت الاقتصاد العالمي. في تلك المرحلة، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى موجة تضخم طويلة، واكبها نمو ضعيف وبطالة مرتفعة.

لم يكن ارتفاع اسعار النفط وحده هو العنصر الحاسم في السبعينات. كان الفشل في احتواء التضخم في بدايته العامل المرجح  في ترسخ توقعات تضخمية طويلة الأمد، وتحولها إلى دوامة أسعار وأجور. دخل الاقتصاد حينها في ما يعرف بالركود التضخمي، حيث تفقد السياسات النقدية فعاليتها التقليدية.

اليوم، الوضع مختلف من حيث قوة البنوك المركزية ومصداقيتها، لكن الخطر نفسه قائم. إذا تأخر رد الفعل أو كان متردداً، يمكن أن تتكرر دينامية مشابهة، ولو بدرجة أقل.

كيف يختلف عن تضخم كوفيد؟
تضخم كوفيد كان نتيجة مزيج معقد جمع بين اختناقات في سلاسل الإمداد، تحول في أنماط الاستهلاك، وحزم مالية ونقدية ضخمة رفعت الطلب. لذلك كان التضخم مدفوعاً بعنصرين معاً: العرض والطلب.

أما تضخم حرب إيران، فمركز ثقله أوضح وهو صدمة عرض ناتجة من الطاقة والممرات التجارية. لا توجد موجة طلب عالمية بنفس القوة، ولا حزم تحفيز ضخمة كما في 2020–2021. هذا يعني أن التضخم الحالي قد يكون أسرع في الظهور، لكنه ليس بالضرورة واسع القاعدة بنفس الدرجة، إلا إذا انتقل إلى الأجور والتوقعات.

لماذا عاد التضخم الآن؟
كان تضخم كوفيد وحرب أوكرانيا قد بدأ يتراجع تدريجياً في العديد من الاقتصادات، مع استقرار سلاسل الإمداد وتراجع أسعار الطاقة نسبياً. لكن الحرب أعادت فتح هذا المسار من جديد، عبر رفع كلفة الطاقة، وزيادة المخاطر في النقل والتجارة، وخلق حالة من عدم اليقين تدفع إلى إعادة التسعير.

العامل الحاسم هنا هو أن الاقتصاد العالمي لم يتعافَ بالكامل من موجة التضخم السابقة. لذلك تأتي هذه الصدمة فوق قاعدة لا تزال هشة، ما يجعل تأثيرها أسرع وأكثر حساسية.

لماذا يهابه الجميع؟
يعوج الخوف من هذا النوع من التضخم إلى طبيعته المزدوجة. هو يضغط على الأسعار من جهة، ويضعف النمو من جهة أخرى. قد تخفف أي استجابة تقليدية برفع الفائدة التضخم، لكنها في الوقت نفسه تضغط على الاستثمار والائتمان.

هذا يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة. يحمل تشديد السياسة النقدية كلفة على النمو، والتأخر في التشديد يحمل كلفة على استقرار الأسعار. في الحالتين، هناك ثمن اقتصادي واجتماعي.

كما أن هذا التضخم يضغط مباشرة على دخل الأسر، خصوصاً عبر الطاقة والغذاء، ما يجعله أكثر حساسية سياسياً، ويحدّ من قدرة الحكومات على تجاهله.

كيف يمكن احتواؤه بأقل ضرر؟
لا تقوم المواجهة الأكثر توازناً على أداة واحدة، بل على مزيج دقيق من السياسات. في جانب الحكومات، يتمثل الاتجاه الأكثر فاعلية في دعم موجه للفئات الأكثر تضرراً، بدلاً من دعم شامل للأسعار، الذي يفاقم العجز المالي ويؤخر التكيف.

في جانب البنوك المركزية، المطلوب هو الحفاظ على مصداقية السياسة النقدية، عبر إبقاء التضخم تحت السيطرة من دون دفع الاقتصاد إلى انكماش حاد. ليس الهدف هنا هو خفض الأسعار فوراً، إنما منع ترسخ التضخم في التوقعات.

في الوقت نفسه، تلعب السياسات اللوجستية والطاقوية دوراً محورياً. المطلوب هنا مزيج من الاجراءات والسياسات مثل تنويع مصادر الطاقة، تعزيز المخزونات، تحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتخفيف كلفة النقل والتأمين. هذه الإجراءات لا تخفض التضخم مباشرة، لكنها تحدّ من انتقاله واتساعه.

صدمة مؤقتة أم مسار طويل؟
يقف التضخم المرتبط بحرب إيران اليوم عند مفترق طرق. يمكن أن يبقى صدمة سعرية محدودة إذا تمت السيطرة على انتقاله، ويمكن أن يتحول إلى موجة أوسع إذا ترسخ في التوقعات والأسواق.

الفارق بين المسارين لا تحدده أسعار النفط وحدها، بقدر ما تحدده سرعة الاستجابة، ودقة السياسات، وقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة جديدة من دون أن يفقد توازنه. فهل تتمكن الحكومات إدارة التضخم ولجم مساره التصاعدي قبل أن يتحول إلى ظاهرة يصعب احتواؤها.

 

Bottom of Form