هرمز بين الردع والتفاوض:
حين يتحوّل عنق الزجاجة إلى أداة
لإعادة تشكيل ميزان القوة العالمي

21.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم د. خالد عيتاني*

ليست قيمة مضيق هرمز في الجغرافيا وحدها، بل في كونه النقطة التي يلتقي فيها النفط بالمال، والغاز بالصناعة، والتأمين بالسياسة، والبحر بتوازنات القوة. فهذا الممر البحري الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيَق نقاطه نحو 21 ميلًا بحريًا، فيما لا يزيد عرض ممر الملاحة فيه في كل اتجاه عن ميلين بحريين فقط، لم يعد مجرد طريق تعبره ناقلات الطاقة، بل أصبح بنية تحتية خفية يقوم عليها النظام الاقتصادي الدولي نفسه. ففي الظروف الطبيعية، مرّ عبره في عام 2024 نحو 20.0 مليون برميل يوميًا من النفط، وهو مستوى بقي مستقرًا نسبيًا في الربع الأول من 2025، بما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية وحوالي ربع تجارة النفط البحرية عالميًا. أما في الغاز، فقد شهد عام 2025 عبور أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال عبر هذا الممر، أي ما يقارب خُمس تجارة الغاز المسال عالميًا، مع اعتماد شبه كامل لدول مثل قطر والإمارات على هذا المسار لتصدير شحناتها.

غير أن أهمية هذه الأرقام، على ضخامتها، لم تعد تكمن في دلالتها الكمية فقط، بل في التحول الذي أصاب معناها في النظام الدولي: فهرمز لم يعد مجرد ممر، بل أصبح أداة ضغط سيادي، تُستخدم في إدارة التفاوض بقدر ما تُستخدم في إدارة الحرب، وأصبح السؤال لم يعد كم يعبره من نفط، بل من يستطيع أن يتحكم في احتمال توقف ما يعبره دون أن يوقفه فعليًا.

في هذا السياق، يتضح أن المضيق لم يعد يغذي خزانات الوقود فقط، بل يغذي قلب الصناعة العالمية. فآسيا، التي تمثل مركز الثقل الإنتاجي في العالم، هي الجهة الأكثر انكشافًا عليه، إذ تشير البيانات الأحدث إلى أن ما بين 80  في المئة إلى قرابة 90 في المئة من إجمالي الصادرات المارة عبر المضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية، وأن 89 في المئة من النفط الخام والمكثفات في النصف الأول من 2025 ذهب إلى آسيا، فيما استحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها على 74 في المئة من هذه التدفقات، مقارنة بـ69 في المئة في عام 2024. كما أن نحو 83 في المئة من شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة لهرمز تتجه أيضًا إلى آسيا، ما يجعل أي اضطراب فيه صدمة مباشرة للاقتصاد الصناعي العالمي.

وفي المقابل، لا تنظر دول الخليج إلى المضيق باعتباره ممرًا اختياريًا، بل امتدادًا مباشرًا لاقتصاداتها، إذ تعتمد إيران والعراق والكويت وقطر والبحرين على هرمز لتصدير الغالبية العظمى من صادراتها، بينما لا تملك سوى السعودية والإمارات مسارات بديلة محدودة، لا تتجاوز قدرتها الفعلية بين  3.5 و5.5 مليون برميل يوميًا، مقارنة بنحو20  مليون برميل تمر عبر المضيق في الظروف الطبيعية. وحتى هذه البدائل، مثل خط شرق–غرب السعودي بطاقة اسمية تقارب5  ملايين برميل يوميًا مع إمكانية توسعة مؤقتة إلى 7 ملايين، أو خط الفجيرة الإماراتي بطاقة تقارب1.8 مليون برميل يوميًا، تبقى غير قادرة على تعويض الحجم الكامل للتدفقات، ما يجعل المضيق غير قابل للاستبدال في المدى القصير.

غير أن التحول الأهم لا يكمن في حجم الاعتماد، بل في كيفية استخدام هذا الاعتماد سياسيًا. فإيران، التي لطالما صُوّر سلوكها في هرمز باعتباره تهديدًا مباشرًا بالإغلاق، أعادت تعريف هذا السلوك في السنوات الأخيرة ضمن نموذج أكثر تعقيدًا. فهي تدرك أن أي إغلاق كامل سيصيب اقتصادها قبل غيرها، ولذلك لم يعد الإغلاق هدفًا بحد ذاته، بل أصبح أداة تفاوضية مرنة قائمة على رفع علاوة المخاطر في السوق، من خلال تهديدات محسوبة أو تصعيدات محدودة لا تصل إلى حد الانفجار الكامل. وبهذا، تنجح في نقل الأزمة من كونها عقوبات مفروضة عليها إلى كونها أزمة طاقة عالمية تضغط على المستوردين الكبار، خصوصًا في آسيا.

في المقابل، لا تتعامل الولايات المتحدة مع هرمز بوصفه خطرًا يجب إلغاؤه، بل بوصفه متغيرًا يجب إدارته. فمن خلال وجودها العسكري، لا سيما عبر الأسطول الخامس، تعيد واشنطن تثبيت معادلة أن أمن التجارة العالمية لا ينفصل عن القوة الأميركية، لكنها في الوقت ذاته تستفيد من كل اضطراب جزئي في المضيق لإعادة ترتيب خريطة الطاقة العالمية. فارتفاع الأسعار يعزز جاذبية صادرات الطاقة الأميركية، خاصة الغاز الطبيعي المسال، ويعيد توجيه الطلب العالمي بعيدًا عن الشرق الأوسط، كما ينقل الضغط نحو الاقتصادات الآسيوية المنافسة التي تعتمد بدرجة أكبر على هذا الممر الحيوي.

لكن القراءة الأكثر عمقًا تكشف أن الصراع حول هرمز لم يعد صراعًا بين من يريد إغلاقه ومن يريد إبقاءه مفتوحًا، بل أصبح صراعًا على التحكم بدرجة استقراره. فإيران لا تريد الإغلاق الكامل لأنه يضر بها، والولايات المتحدة لا تريد إزالة التهديد بالكامل لأنه يضعف نفوذها، وبالتالي فإن الطرفين يلتقيان ضمنيًا عند نقطة واحدة: إبقاء المضيق مفتوحًا، ولكن غير مستقر بالكامل. وفي هذا النموذج، يتحول الصراع من صراع جغرافي إلى صراع في الاقتصاد السلوكي، حيث لا تُسعّر الإمدادات فقط، بل تُسعّر التوقعات.

وهنا يكمن الأثر الاقتصادي الأعمق. فالصدمة لا تبدأ عندما ينضب النفط، بل عندما يعاد تسعير الخطر. فقد أظهرت تطورات عام 2026 أن الحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير أدت إلى تعطّل فعلي واسع في المرور عبر المضيق، ما دفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل وملامسة مستويات أعلى في بعض الجلسات، مع بقاء نحو 10–11 مليون برميل يوميًا خارج السوق في بعض مراحل الأزمة. ويكفي أن نعلم أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط تضيف ما بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى التضخم، لندرك أن المضيق لا يولد أزمة طاقة فقط، بل أزمة اقتصادية عالمية متكاملة.

أما الرهان على قدرة السوق على امتصاص الصدمة، فيتراجع أكثر في ضوء واقع جديد يتمثل في محدودية الطاقة الفائضة. فقد أظهرت أحدث التقديرات أن القدرة الفعلية القابلة للاستخدام السريع داخل تحالف "أوبك+" تراجعت إلى حدود بضع مئات آلاف البراميل يوميًا فقط، وهو مستوى متدنٍ للغاية مقارنة بأي اضطراب محتمل، ما يعني أن السوق لم تعد تمتلك “وسادة أمان” كما كان يُعتقد سابقًا، بل أصبحت أكثر هشاشة أمام الصدمات المفاجئة.

أما إيران، فتكسب نفوذًا تفاوضيًا حقيقيًا من خلال قدرتها على تسعير الخطر، لكنها لا تستطيع تحويل هذا النفوذ إلى مكسب اقتصادي كامل، لأن أي تصعيد مفرط يهدد قنوات تصديرها نفسها. وهكذا، يصبح المضيق أداة مزدوجة: مصدر قوة ومصدر هشاشة في آن واحد.

لكن الخسائر الاقتصادية كانت قابلة للقياس بوضوح فالصدمة لا تبقى في هرمز، بل تتحول إلى سلسلة خسائر متصاعدة تبدأ من الناقلة، تمر بالمصدر، وتصل إلى المستهلك العالمي.

• تبدأ الصدمة من البحر:
ارتفاع كلفة التأمين البحري من 0.05 في المئة إلى 0.5–1 في المئة من قيمة الشحنة، أي ما بين 500 ألف ومليون دولار لكل ناقلة، بالتوازي مع قفز كلفة الشحن إلى 300–400 ألف دولار يوميًا بدلًا من أقل من 40 ألفًا.

• ثم تنتقل مباشرة إلى الإيرادات الخليجية:
تعطّل 5 ملايين برميل يوميًا يعني خسارة تقارب 500 مليون دولار يوميًا،
وتعطّل 10 ملايين برميل يعني نحو مليار دولار يوميًا،
ما يضع الموازنات أمام معادلة حادة بين السعر والحجم.

• وتنعكس داخليًا على المنتجين أنفسهم:
إيران، مع صادرات تتراوح بين 1.5 و2 مليون برميل يوميًا، تخسر عند تعطّل نصفها نحو 75–100 مليون دولار يوميًا،
ما يؤكد أن التصعيد يحمل كلفة مباشرة على الطرف المهدِّد نفسه.

• ثم تنتقل الصدمة إلى قلب الطلب العالمي:
الصين، التي تستورد 10–11 مليون برميل يوميًا، تواجه مخاطر على 4–5 ملايين برميل،
ومع ارتفاع السعر بمقدار 20 دولارًا، ترتفع فاتورتها بنحو 80–100 مليون دولار يوميًا،
أي أكثر من 30 مليار دولار سنويًا.

• لتصل في النهاية إلى الاقتصاد العالمي ككل:
خروج 10 ملايين برميل يوميًا (نحو 10% من الإمدادات) ،
ما يدفع أسعار النفط إلى 100–130 دولارًا،
ويرفع التضخم العالمي بنحو 0.5 في المئة إلى 1 في المئة ،
ويزيد تكاليف الشحن بنسبة 30 في المئة إلى 50 في المئة.

وفي المستقبل، لن يكون مضيق هرمز مجرد أزمة تتكرر، بل نموذجًا يتكرر، لأن التحول لم يعد في الجغرافيا بل في توزيع القوة بين الفاعلين. فـ إيران لا تستخدم المضيق لإغلاقه، بل لرفع كلفة الاستقرار وفرض نفسها على طاولة التفاوض، بينما تدير الولايات المتحدة هذا الخطر دون إلغائه، لأنه يعيد تثبيت دورها الأمني ويعيد توجيه تدفقات الطاقة عالميًا. وفي المقابل، تبقى الصين الأكثر تعرضًا، إذ تتحمل كلفة الطاقة المرتفعة واضطراب الإمدادات، فيما تجد أوروبا نفسها أمام هشاشة مزدوجة بين أمن الطاقة وضغوط التضخم، ويتجلّى أثر ذلك على الخليج في تحوّله من مركز إنتاج إلى مركز مخاطر، حيث تتقاطع الإيرادات مع الهشاشة، وتصبح حماية التدفقات كلفة بحد ذاتها، فيما يتراجع هامش القرار السيادي تحت ضغط التوازنات بين واشنطن وبكين ضمن بيئة استراتيجية غير مستقرة.

في هذا التوازن غير المكتمل، لا يسعى أي طرف إلى الإغلاق الكامل، بل إلى التحكم بدرجة عدم الاستقرار، حيث تتحول الأسواق من تسعير الواقع إلى تسعير احتمال التعطيل. وهنا يكمن التحول الأعمق: لم تعد القوة في السيطرة على المضيق، بل في القدرة على إبقائه مفتوحًا وغير مستقر في آن واحد.

وبذلك، فإن أخطر ما في هرمز ليس أنه قد يُغلق، بل أن إيران تستخدمه للضغط، والولايات المتحدة لإدارة النظام، والصين تتحمل كلفته، وأوروبا تتأثر به، والخليج يعيش على حدوده - بينما يعمل الاقتصاد العالمي كله كما لو أن الإغلاق ممكن في أي لحظة.

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية