الإقتصاد والأعمال
كان بنك رأس الخيمة الوطني (راك بنك) بين أوائل المصارف الإماراتية التي أعلنت نتائجها للربع الأول من عام 2026، مسجلاً صافي أرباح بلغ مليار درهم، بزيادة 43 في المئة على أساس سنوي، في أعلى ربح ربع سنوي في تاريخ البنك.
يضع هذا الأداء البنك في موقع متقدم على صعيد الربحية في السوق الإماراتي علماً أنه تضمن بجزء أساسي منه ارباحاً استثنائية غير متكررة.
الارباح بين النشاط المصرفي الأساسي والعوامل غير المتكررة
تُظهر النتائج أن جزءاً مهماً من الأداء يعود إلى قوة النشاط المصرفي الأساسي، حيث حافظ البنك على هامش صافي فائدة عند نحو 4 في المئة، وهو مستوى مرتفع يعكس قدرة واضحة على إدارة كلفة التمويل وتسعير الأصول.
كما تستند هذه القدرة إلى قاعدة ودائع مريحة ومنخفضة الكلفة، حيث بلغت نسبة الحسابات الجارية والادخارية 65.6 في المئة، ما يوفر للبنك ميزة تنافسية في الحفاظ على هوامش الفائدة في بيئة قد تشهد تقلبات في أسعار التمويل في الفترة المقبلة.
في المقابل، يتضمن صافي الربح أثراً إيجابياً بقيمة 473 مليون درهم ناتجاً عن بيع نشاطخدمات قبول المدفوعات للتجار، وهو عنصر غير متكرر ساهم في رفع النتيجة الإجمالية للربع. لكن الارباح الاستثنائية الناتجة عن عملية البيع هذه لا تقلل من قوة الأداء.
توسع سريع ضمن توازن تمويلي
سجل البنك نمواً قوياً في ميزانيته العمومية، حيث ارتفعت الأصول إلى 107.3 مليارات درهم، بزيادة 18 في المئة، فيما نمت الودائع إلى 74.3 مليار درهم، بزيادة 22 في المئة.
ويظهر هذا التوسع المتزامن بين الأصول والودائع قدرة البنك على تمويل نموه دون ضغوط كبيرة على مصادر التمويل، وهي نقطة مهمة في بيئة قد تشهد تشدداً في السيولة على مستوى الأسواق.
كما يشير مستوى الأصول السائلة إلى وضع سيولة مريح، يمنح البنك مرونة في إدارة أي تقلبات محتملة في تدفقات الودائع أو كلفة التمويل.
تحسن مستمر في جودة الاصول يعكس انضباطاً ائتمانياً
على صعيد المخاطر، واصل البنك تحسين جودة أصوله، حيث تراجعت نسبة القروض المتعثرة إلى 1.9 في المئة مقارنة بـ2.4 في المئة قبل عام، فيما بلغت تغطية المخصصات 277 في المئة. وهي من العلى نسب التغطية بين المصارف الاماراتية.
وتعكس هذه المستويات سياسة ائتمانية محافظة نسبياً، وتوفر هامش أمان مريح في مواجهة أي ارتفاع محتمل في القروض المصنفة.
إلا أن هذه المؤشرات تبقى مرتبطة بأداء محفظة القروض خلال فترة سبقت الصدمة الاقتصادية الأخيرة التي نتجت عن حرب إيران، ما يجعلها قاعدة انطلاق قوية لمواجهة اية انعكاسات لهذه الحرب على الاقتصاد والقطاع المصرفي.
كفاءة عالية لرأس المال وقدرة على امتصاص الصدمات
بلغ معدل كفاية رأس المال 18.7 في المئة، متجاوزاً المتطلبات التنظيمية بفارق مريح، فيما ارتفع العائد على حقوق الملكية إلى 29.9 في المئة، والعائد على الأصول إلى 3.9 في المئة.
تعكس هذه المؤشرات كفاءة في استخدام رأس المال، وتمنح البنك قدرة على مواصلة التوسع في الإقراض أو امتصاص أي ضغوط ناتجة عن ارتفاع كلفة المخاطر.
استمرارية في الاتجاه وتغير في مكونات الربحية
تشير نتائج عام 2025 إلى أن البنك أنهى العام بأداء قوي، مع نمو في الأرباح وتحسن في جودة الأصول وتوسع في محفظة القروض والودائع.
في هذا السياق، يظهر أن الربع الأول 2026 يواصل الاتجاه نفسه من حيث نمو الميزانية وتحسن المؤشرات الأساسية، دون انقطاع في المسار علما أن ارباح البنك تلقت دعما استثنائيا من بيع نشاطخدمات قبول المدفوعات للتجار الذي رفع صافي الربح الى مستوى قياسي.
وهذا يعني أن التغير في هذا الربع لا يكمن فقط في حجم الأرباح، بل في تركيبتها، وهو ما يفرض اخذه بعين الاعتبارعند تقييم الاتجاه المستقبلي.
ما بعد حرب إيران: من الربحية إلى جودة الائتمان
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة كونها تمثل آخر قراءة للأداء قبل أن تبدأ انعكاسات حرب إيران بالظهور في البيانات المالية.
ومع دخول الربع الثاني، قد يتحول تركيز المحللين والمستثمرين من مستوى الربحية إلى جودة الائتمان بشكل أساسي.
السؤال المركزي لم يعد حجم الأرباح، بل قدرة العملاء، خصوصاً في القطاعات الأكثر تعرضاً مثل السياحة والتجارة والعقار والشركات الصغيرة والمتوسطة، على الاستمرار في خدمة ديونهم بانتظام في ظل ارتفاع الكلفة التشغيلية وتراجع بعض الإيرادات.
كما يبرز عامل الطلب على التمويل، حيث قد تتجه الشركات إلى تقليص خطط التوسع، مقابل زيادة الحاجة إلى تمويل السيولة، ما يغير طبيعة النمو الائتماني.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة تسعير المخاطر، حيث قد تضطر البنوك إلى إعادة تقييم شروط الإقراض وهوامشه وكذلك اسعار الودائع، بما يعكس البيئة الجديدة، وهو ما قد ينعكس على الربحية في الفصول المقبلة.
دور المصرف المركزي: قوة استقرار في بيئة متقلبة
في مواجهة هذه التطورات، يبرز دور مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي الذي يوفر دعماً مهماً للقطاع المصرفي من خلال الاجراءات الاستباقية التي اتخذها لتوفير السيولة وتأمين استمرارية التمويل والاستقرار المالي.
هذا الدعم يشكل عاملاً أساسياً في الحد من انتقال الصدمات إلى النظام المالي، ويمنح البنوك القدرة على الاستمرار في تمويل الاقتصاد دون انقطاع.
أرباح قياسية اليوم… واختبار الاستدامة غداً
تعكس نتائج راك بنك للربع الأول 2026 مؤسسة مصرفية تتمتع بأسس قوية من حيث السيولة، ورأس المال، وجودة الأصول، إلى جانب قدرة على تحقيق نمو مستمر في الميزانية.
يتوقع أن ينتقل التركيز في الفصل الثاني ومابعده الى استدامة الاداء في بيئة اكثر تحدياً وأن تختبر المرحلة المقبلة قدرة البنك على الحفاظ على جودة محفظته الائتمانية، والتكيف مع تغير الطلب على التمويل، وإدارة كلفة المخاطر، وهي العوامل التي ستحدد المسار الفعلي للأداء خلال ما تبقى من العام.




