لا مفاوضة مع اسرائيل إلاّ بعد إنهاء الإحتلال

20.04.2026
د. عصام نعمان
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. عصام نعمان*

 تعمل الولايات المتحدة الامريكية ، ومن ورائها اسرائيل ، على دفع لبنان الى مفاوضة كيان الإحتلال في مسارٍ يؤدي الى وقف إطلاق النار ومن ثم الى "إتفاق شامل يكفل الأمن والإستقرار والسلام الدائمين بين البلدين" بحسب ما أورده وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو في "مذكرة التفاهم بين لبنان واسرائيل" التي نشرها بعد محادثات جرت في 14 نيسان/ابريل الجاري بين كل من سفيرة لبنان وسفير اسرائيل في واشنطن .

يمكن مناقشة وتفنيد مضمون هذه المذكرة على النحو الآتي :

اولاً : لا شرعية لتكليف سفيرة بالتفاوض مع اسرائيل

صحيح ان رئيس الجمهورية يتولى بموجب المادة 52 من الدستور المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة ، لكن رئيس الجمهورية ملزم ايضاً بموجب المادة 50 من الدستور بأن "يحلف امام البرلمان يمين الإخلاص للأمة والدستور (...) وأن يحترم قوانينها ويحفظ إستقلالها وسلامة اراضيها". ومن المعلوم أن ثمة قوانين وأنظمة نافذة تقضي بمقاطعة اسرائيل ومنتجاتها والتعامل معها ، فهل إلتزم رئيسا الجمهورية والحكومة أحكام الدستور والقوانين النافذة بتكليف سفيرة لبنان في واشنطن تمثيل الدولة في مفاوضة سفير اسرائيل الذي يقاطع لبنان دولته ويحظّر التعامل معها ولا يعترف بها أصلاً ؟

ثانياً : هل زوّد رئيسا الجمهورية والحكومة سفيرة لبنان بكتاب يحدّد مضمون صلاحياتها وحدودها ؟

إذا إفترضنا جدلاً أن من حق رئيسي الجمهورية والحكومة تكليف سفيرة لبنان في واشنطن مفاوضة سفير اسرائيل بشأن "تفاهم يعمل بموجبه كِلا البلدين على تهيئة الظروف الموضوعية لسلام دائم بينهما والإعتراف بكامل سيادة كل منهما وسلامته الإقليمية" كما جاء حرفياً في المذكرة التي كشفها وزير الخارجية الامريكي بعد انتهاء الإجتماع بين السفيرين المشار اليهما بحضوره ومشاركته ، فهل زوّد الرئيسان عون وسلام سفيرة لبنان المكلفة مفاوضة سفير اسرائيل بكل هذه القضايا والأمور المصيرية؟ وإذا كانا قد فوّضاها فعلاً ، فهل من حقهما القيام بذلك من دون موافقة صريحة من مجلس النواب بل من دون توافق وطني عام مكّرس في مؤتمر وطني جامع يترجم روح ومضمون إتفاق الوفاق الوطني في الطائف الذي أضحى بمعظم بنوده جزءاً لا يتجزأ من الدستور المعدّل بالقانون الدستوري الصادر في 1990/9/21 ؟

ثالثاً : هل صحيح أن لبنان واسرائيل ليسا في حالة حرب ويلتزمان بالتفاوض ؟

جاء في "مذكرة التفاهم بين لبنان واسرائيل" التي كشفها وزير الخارجية الامريكي" انهما ليسا في حالة حربٍ ويلتزمان بالدخول في مفاوضات مباشرة وحسنة النية بتيسير من الولايات المتحدة بهدف التوصل الى إتفاق شامل يكفل الأمن والإستقرار والسلام الدائمين بين البلدين" ، فهل فوّض الرئيسان عون وسلام سفيرة لبنان في واشنطن مفاوضةَ سفير اسرائيل بشأن هذه القضايا المصيرية ؟ وهل وافقا على مضمون ما توصلت اليه هذه السفيرة مع سفير اسرائيل في هذا الصدد ؟ إذا كانا وافقا فعلاً فإن هذا باطل بطلاناً مطلقاً سنداً لأحكام المواد  1و 2 و49 و 65 و 76 و 77 من الدستور، فضلاً عن تناقضه مع روح ومضمون إتفاق الوفاق الوطني في الطائف الذي أضحى جزءاً من الدستور المعدّل سنة 1990 وإتفاق الهدنة المعقود مع اسرائيل سنة 1949  الذي كان نتيجةَ حربٍ لم تضع اوزارها بعد .

رابعاً : هل وافق عون وسلام على إعطاء اسرائيل "الحق" بالتحرك داخل لبنان للدفاع عن نفسها ؟

نصّت "مذكرة التفاهم" إياها على "أن تحتفظ اسرائيل بحقها في إتخاذ جميع التدابير الضرورية دفاعاً عن النفس في أي وقتٍ ضد هجمات مخططة او وشيكة او جارية ، ولا يجوز ان يعيق وقف الأعمال العدائية هذا الحق". فهل وافق الرئيسان عون وسلام  على  إعطاء هذا "الحق" لأسرائيل ؟ وهل كلّفا سفيرة لبنان في واشنطن المفاوضة بشأن إعتماد "هذا الحق" في "مذكرة التفاهم" بين لبنان واسرائيل التي كشفها وزير الخارجية الامريكي؟ ألا يدرك الرئيسان أن الموافقة على إعطاء هذا "الحق" لإسرائيل تشكل مخالفة لأحكام الدستور والقوانين النافذة لكونها لم تقترن مسبقاً بموافقة معلّلة من مجلس النواب ولا من مؤتمر وطني عام يمكنه أن يجيز أو لا يجيز توصيةً من هذا القبيل تتصف بطابع مصيري؟

خامساً : هل طلب لبنان من الولايات المتحدة تيسير المفاوضات مع اسرائيل لحل القضايا العالقة بينهما ؟

جاء في "مذكرة التفاهم" إياها : "يطلب لبنان واسرائيل من الولايات المتحدة تيسير المزيد من المفاوضات المباشرة بين البلدين بهدف حلّ كافة القضايا العالقة بينهما بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية". هل غاب عن ذهن كل من الرئيسين عون وسلام ان حدود لبنان البرية محدّدة في المادة 1 من الدستور ، وأن على اساسها جرى إقرار إتفاق الهدنة مع اسرائيل سنة 1949 ؟ وإذا كان إنهاء إحتلال اسرائيل لبعض الأراضي اللبنانية  يتطلّب إعادة ترسيم الحدود البرية (والبحرية) بينهما فإن ذلك يستوجب بالضرورة موافقة مسبقة من مجلس النواب بموجب احكام الدستور  ولاسيما المادة 2 منه ؟ واذا كان الأمر كذلك فإن ايّ قرار بهذا الشأن يستوجب موافقة مسبقة معلّلة من مجلس النواب ، ناهيك عن عدم جواز تكليف سفيرة غير مفوّضة البتّ بأمر او قضية أساسية كترسيم الحدود .

في ضوء هذه المخالفات الجسيمة والمنافية لأحكام الدستور والقوانين النافذة ولضرورة التوافق الوطني العام والمسبق عليها ، ينتصب سؤال : ما العمل ؟

أرى ، وربما غيري كثر ، ان يُصار الى تنظيم إستفتاء وطني عام بموجب قانون لإستطلاع رأي الشعب (المحروم في هذه الظروف  الراهنة من ابداء رأيه بسبب تمديد ولاية مجلس النواب سنتين وبالتالي تأجيل الإنتخابات النيابية )  بغية معرفة إرادته وخياراته والمفاضلة بينها بالتصويت لبتّ المسائل الآتية :

أ- إلزام الحكومة بإحترام أحكام الدستور بصرامة في كل مفاوضات تتعلق بحدود لبنان وسيادته على أراضيه كافة.

ب-إبداء الناخبين والناخبات خيارهم بتسمية شخصين ، يُستحسن دونما إلزامٍ بأن يكون احدهما مسلماَ والآخر مسيحياً على ان يكون كلاهما من ذوي السمعة الطيبة والكفاءة العلمية العالية لينضما الى جانب رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء كأعضاء في اللجنة العليا المكلفة إجراء مفاوضات مع اسرائيل لتكريس إنهاء احتلالها لأراضي لبنان ومياهه الإقليمية وفق إتفاقٍ جديد للهدنة بينهما.

ج-عتبار الأشخاص الستة الحائزين اكثرية الأصوات في الإستفتاء الوطني العام أعضاءً في اللجنة العليا للمفاوضات وذلك دونما مراعاةٍ  لأيّ اعتبارات طائفية او مذهبية .

د- تنتهي ولاية اللجنة العليا للمفاوضات عند إجراء إنتخابات نيابية جديدة .

آن الاوان لإستخلاص رأي الشعب وإعتماده في القضايا الاساسية والمصيرية بمنأى عن الطائفية السياسية التي كان تقرر الغاؤها في بنود مقدمة الدستور المعدل سنة 1990 كما في المادة 95 منه .

من يجرؤ على تقديم حجة منطقية معاكسة ؟

*نشرت في جريدة "القدس العربي"(لندن)