كتب د. خالد عيتاني رسالة إلى وزير العدل اللبناني عادل نصار بعد مقابلة مع تلفزيون الجديد وهنا نص الرسالة:
معالي وزير العدل الأستاذ عادل نصّار المحترم،
تحية وطنية صادقة وبعد،
تقديرًا لحرصكم الصادق على حماية لبنان وصون مصلحته الوطنية، واعترافًا بمسؤوليتكم في هذه المرحلة الدقيقة، يشرفني أن أضع بين أيديكم مجموعة من الملاحظات الموجزة، المبنية على معايير الفعالية السياسية والاقتصادية، وذلك بهدف الإسهام في تعزيز دقّة المقاربة ورفع مستوى نجاعتها.
إن التفاوض خيارٌ ضروري، لكن جدواه تُقاس بامتلاك رافعة سيادية قابلة للتحويل إلى نتائج، لا سيما عبر أدوات واضحة تشمل الحضور الدبلوماسي الفاعل، والقدرة على ضبط القرار الأمني، وإدارة العلاقات الدولية بما يخلق توازنًا لا تبعية. وإلا تحوّل التفاوض إلى إدارةٍ للخسائر. معيار النجاح هنا ليس إعلان النية، بل قابلية ترجمة التفاوض إلى مكاسب ملموسة.
إن الدعوة إلى الحياد، بصيغتها الحالية، تصطدم بشرطٍ مسبق: قدرة دولة على فرضه واحترامه. ومن دون هذه القدرة، يصبح الحياد إعلانًا بلا حماية فعلية. وعليه، فإن البديل الواقعي ليس الحياد الفوري، بل إدارة توازنات مرحلية تُمهّد لحياد فعلي قائم على قوة الدولة لا على ضعفها.
إن تقييم دور السلاح لا يستقيم بصيغة ثنائية. الإشكال ليس في “وجود القوة” بقدر ما هو في غياب إطار وطني يحدد متى وكيف ولمصلحة من تُستخدم. لذلك، فإن الحلّ العملي هو احتكار القرار قبل احتكار الأداة، عبر مسار تدريجي يعيد ربط كل أدوات القوة بمرجعية الدولة ومؤسساتها.
إن توصيف مسؤولية الحروب يستدعي دقّة مزدوجة: لا يجوز اختزالها بطرف واحد، كما لا يجوز تجاهل أن قرار الحرب والسلم متأثّر بوضوح بنفوذ خارجي منظّم، وفي مقدّمه الحرس الثوري الإيراني عبر أذرعه، وعلى رأسها حزب الله. وعليه، فإن المقاربة الواقعية لا تكون بإنكار هذا النفوذ، بل بإدارته ضمن إطار وطني يحدّ من تأثيره ويعيد توجيهه.
إن التأكيد على أن لبنان لا يفاوض لأجل أي طرف خارجي هو موقف جامع، غير أن التحدي الفعلي يكمن في إدارة التوازنات الدولية والإقليمية وتحويلها إلى عناصر قوة تفاوضية بدل أن تبقى عناصر ضغط.
إن تحويل “مشروع الدولة” من شعار إلى برنامج يقتضي: توحيد مرجعية القرار، بناء قدرة تنفيذية موثوقة، واستعادة ثقة الداخل والخارج، لأن الدولة لا تُقاس بإعلان سيادتها بل بقدرتها على فرضها.
إن كلفة الخيارات تُحسم بالأرقام لا بالشعارات: فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على الاقتصاد اللبناني عبر زيادة كلفة الاستيراد والضغط على العملة والتضخم الداخلي، ما يجعل أي اضطراب إقليمي يُترجم سريعًا إلى تدهور معيشي داخلي.
إن المسار الأكثر إقناعًا لحماية لبنان يجمع بين تفاوض مدعوم بأوراق قوة، وإصلاح داخلي يعيد توحيد القرار، وآلية واضحة لاحتكار استخدام القوة ضمن الدولة؛ عندها فقط يصبح التفاوض أداة سيادة لا أداة احتواء.
معالي الوزير،
إن قوة لبنان لا تُستعاد بمفاضلةٍ بين مسارات متقابلة، بل ببناء معادلة سيادية متكاملة تُدار بواقعية سياسية وقدرة تنفيذية، بحيث تتحوّل عناصر القوة- الداخلية والخارجية- إلى نتائج ضمن قرار وطني واحد.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،
د. خالد عيتاني




