لماذا تُهزم الأمم في وعيها قبل أن تُهزم في ميادينها؟
بقلم: د. خاد عيتاني *
لم يعد الصراع في الشرق الأوسط، وفي قلبه المواجهة المركّبة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، بكل امتداداتها الإقليمية وتشابكاتها الخليجية وانعكاساتها اللبنانية، مجرد تنافس على النفوذ أو توازنات ردع تقليدية. ما نشهده اليوم هو تحوّل أعمق بكثير: انتقال من حرب تُخاض على الأرض إلى حرب تُخاض على تعريف الأرض نفسها في الوعي، على معناها، وعلى شرعية ما يجري فوقها. لم يعد السؤال من يسيطر، بل من ينجح في أن يُقنع الآخرين بما تعنيه هذه السيطرة.
في هذا المستوى، يتغير تعريف القوة، لم تعد القوة الصلبة- السلاح، الجيوش، القدرات- كافية لإنتاج النتيجة النهائية. بل أصبحت جزءًا من معادلة مركبة، حيث لا يُترجم الفعل العسكري إلى نصر إلا إذا أُعيد إنتاجه إدراكيًا. هنا تتكامل القوة الصلبة مع القوة الناعمة، ويتحول الإعلام من وسيط إلى أداة حسم، ويصبح الوعي ذاته ساحة المعركة الحقيقية. لذلك لم يعد غريبًا أن يتحقق ما كان يبدو مستحيلًا في الحروب القديمة: أن يتحول انتصار ميداني إلى خسارة في الوعي، أو أن تُعاد صياغة هزيمة عسكرية كنصر مكتمل في إدراك الجمهور. لقد بات واضحًا أن من يربح العقول يستطيع تحويل الهزيمة إلى نصر، ومن يخسرها قد يخسر حتى وهو متفوق عسكريًا.
في هذا السياق، لم تعد الحرب تبدأ بالصواريخ، بل بالسرديات. قبل أي تصعيد، يبدأ العمل على بناء رواية، على تهيئة الوعي، على إعادة تعريف الخصم، وعلى رسم حدود الشرعية. وما إن يقع الحدث، حتى لا يُترك لذاته، بل يُعاد تأطيره فورًا داخل هذه السردية. ثم، بعد أن تهدأ الضوضاء، تبدأ المرحلة الأعمق: إعادة كتابة ما جرى بحيث يتحول من واقعة إلى حقيقة مستقرة في الوعي الجمعي. وهكذا، لا تنتهي الحرب بوقف إطلاق النار، لأنها لم تكن يومًا مجرد إطلاق نار.
في قلب الصراع الأميركي–الإيراني، لا يتحرك أي طرف دون سردية تبريرية متكاملة، لا تشرح الفعل فقط، بل تعيد تعريفه.
إيران لا تقول إنها تتوسع، بل تبني خطابها على فكرة “الدفاع عن النفس” و”مقاومة الهيمنة”. هذا ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو عملية إعادة تشكيل للوعي، بحيث يصبح أي حضور إقليمي امتدادًا طبيعيًا للسيادة، وأي تراجع عنه مساسًا بالكرامة. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الصراع كخيار، بل كحتمية وجودية.
الولايات المتحدة في المقابل، لا تتحرك كطرف في مواجهة، بل كقوة “تحمي النظام الدولي” وتمارس “الردع”. هنا، لا يُقدَّم الفعل كتصعيد، بل كإدارة للاستقرار. هذه السردية لا تُقنع فقط، بل تُهيئ العقل لتقبّل الفعل قبل وقوعه، لأنها تنطلق من إطار شرعي مسبق. أما إسرائيل، فتذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تُبنى روايتها على مفهوم “التهديد الوجودي”، وهو من أقوى الأطر الإدراكية، لأنه ينقل النقاش من السياسة إلى البقاء. حين يصبح كل فعل دفاعًا عن الوجود، يتوقف الجدل ويبدأ التسليم.
الدول الخليجية، الوعي في دول الخليج لا يتشكل كنموذج واحد، بل كمنظومة مركّبة تعكس تعدد الدول وتباين مقارباتها ضمن إطار مشترك من إدارة الصراع. فعلى مستوى الدولة، يظهر وعي براغماتي مركّب يوازن بين إدراك أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة كعامل أمني، وبين الوعي بكونها قوة تُعيد تشكيل الأزمات وفق مصالحها، في مقابل قراءة نقدية للسردية الإيرانية من خلال نتائجها الإقليمية لا خطابها، ما يدفع هذه الدول—بدرجات متفاوتة—نحو تفكير تهدئة استراتيجي يهدف إلى احتواء الصراع وتقليل كلفته بدل الانخراط المباشر فيه.
أما على مستوى المجتمعات الخليجية، فلم يعد الوعي يتشكل بوصفه حالة تلقّي ضمن بيئة سرديات متنافسة، بل تطوّر ليصبح وعيًا أكثر نضجًا وفاعلية، يتفاعل مع تدفقات إعلامية عابرة للحدود دون أن يذوب فيها. فالمواطن الخليجي، بحكم انفتاحه على الاقتصاد العالمي، وتراكم الخبرات الاجتماعية، وتسارع التحولات السياسية في المنطقة، بات يمتلك قدرة أعلى على التمييز بين الروايات، وربطها بسياقاتها ومصالحها.
هذا لا يعني غياب التعدد أو التباين، بل يعني أن الوعي لم يعد يُختزل في التوجيه ولا ينزلق إلى الفوضى، بل يتجه نحو انتقائية واعية تقوم على المقارنة والتحليل وإعادة التفسير. ومع ذلك، يبقى التحدي قائمًا، ليس في التعرض للسرديات، بل في الحفاظ على هذا المستوى من الوعي من التحول غير المدرك إلى تبنٍ ضمني للروايات، خاصة في ظل السوشيل ميديا التي لا تفرض الخطاب بقدر ما تدفع الفرد إلى المشاركة في إعادة إنتاجه.
أما في لبنان، فتتبدل طبيعة الوعي ذاته، إذ لا يعود مبنيًا بالدرجة الأولى على التحليل النقدي، بل على محددات الطائفية السياسية والانتماء الحزبي. ففي بيئة تتزاحم فيها السرديات وتتقاطع حدّ التصادم، لا يُحسم الاختيار وفق دقة الرواية بقدر ما يتحدد وفق موقع الفرد داخل منظومة الولاء الطائفي والحزبي، حيث تتحول الهوية إلى إطار مغلق يعيد تفسير الواقع، ويُنتج في كثير من الأحيان تعصبًا أعمى يُقصي أي قراءة خارج هذا الانتماء. وهكذا، يتحول الوعي من أداة لفهم الواقع إلى امتداد للهوية. لا يعود الهدف معرفة ما يحدث، بل الدفاع عن رواية محددة. ومع الوقت، لا ينتج عن هذا التفاعل وضوح أكبر، بل تفكك في القدرة على الحكم.
ففي لبنان تحديدًا، يتجلى هذا التفكك بأقصى درجاته. الصراع الأميركي–الإيراني لا يبقى خارجيًا، بل يتحول إلى انقسام داخلي في تعريف الواقع ذاته. فريق يرى ما يحدث كامتداد لمعركة سيادة ومقاومة، وفريق آخر يراه انخراطًا في صراع يتجاوز قدرة الدولة ويهدد وجودها. لكن الخطر لا يكمن في اختلاف الموقف، بل في أن كل فريق يعيش داخل واقع إدراكي مختلف. ما هو “دفاع” عند طرف، هو “مغامرة” عند آخر. وما هو “ردع” عند جهة، هو “تصعيد” عند أخرى. هنا، لا يعود الخلاف سياسيًا يمكن تسويته، بل انقسامًا في الوعي نفسه.
لكن التحدي العربي لا يكتمل فهمه دون تفكيك البعد الأعمق في الصراع، حيث تتقاطع السرديات مع مشاريع ممتدة في الزمن، لا تقتصر على إدارة اللحظة، بل تستهدف إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وهنا تحديدًا، يبرز دور الوعي العربي في قراءة ما وراء الخطاب، خصوصًا في حالتي إسرائيل وإيران.
في الحالة الإسرائيلية، لا تقتصر السردية على مفهوم “الأمن” أو “التهديد الوجودي”، بل تتجاوز ذلك إلى بناء إطار إدراكي يشرعن توسيع مجال الحركة الاستراتيجية في المنطقة، سياسيًا وأمنيًا. هذا التوسع لا يُطرح كهدف مباشر، بل يُعاد تقديمه دائمًا كاستجابة لتهديد، ما يمنح الفعل بعدًا تبريريًا مستمرًا. وهنا، لا يكون التحدي في دحض الخطاب، بل في إدراك أن السردية تُستخدم لتثبيت واقع يتجاوز الدفاع إلى إعادة رسم موازين القوة والنفوذ. الوعي العربي المطلوب في هذا السياق هو وعي قادر على التمييز بين “الأمن كخطاب” و”الأمن كأداة”، وبين ما يُقال لتبرير الفعل، وما ينتجه الفعل فعليًا على الأرض.
أما في الحالة الإيرانية، فالسردية تقوم على “المقاومة” و”السيادة”، لكنها تتحرك ضمن مشروع نفوذ إقليمي طويل الأمد، يعمل عبر أدوات متعددة—سياسية وأمنية وإعلامية—لترسيخ حضور يتجاوز الحدود التقليدية. هذا المشروع لا يُقدَّم كتمدّد، بل كدعم أو دفاع، ما يجعل فهمه أكثر تعقيدًا. وهنا، يكمن دور الوعي العربي في تفكيك هذه المفارقة: التمييز بين الخطاب الذي يرفع شعار المواجهة، وبين الواقع الذي يُعيد إنتاج توازنات توتر دائمة. فالمشكلة لا تكمن في الشعار، بل في كيفية استخدامه كغطاء لإدارة نفوذ مستمر.
في الحالتين، لا تعمل السرديات بمعزل عن الإعلام والسوشيل ميديا، بل تُضخ وتُعاد صياغتها باستمرار حتى تتحول إلى قناعات مستقرة. وهنا، تصبح المعركة الحقيقية ليست في مواجهة هذه المشاريع مباشرة، بل في منعها من أن تُعاد صياغتها داخل وعي المجتمعات العربية كحقائق مسلّم بها.
لذلك، فإن وعي الشعوب العربية لا يجب أن يتوقف عند رفض هذه السرديات أو تبنيها، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى فهم بنيتها ووظيفتها: كيف تُستخدم لتبرير الفعل، وكيف تُعيد تعريف الواقع، وكيف تُوجّه الإدراك الجمعي بما يخدم استمرارية هذه المشاريع. إن بناء هذا الوعي لا يعني الخروج من الصراع، بل يعني الدخول إليه بقدرة أعلى على الفهم، بحيث لا يكون الفرد مجرد متلقٍ أو ناقل، بل فاعلًا يدرك كيف تُصنع الروايات ولماذا.
لم تعد الحروب تُحسم في الجغرافيا، بل في الوعي. فالصراع اليوم لم يعد فقط على من يملك الأرض، بل على من يملك تعريف ما جرى عليها. لقد دخلنا عصر حروب السيادة الإدراكية، حيث تُستخدم القوة العسكرية لإنتاج الحدث، والإعلام لصياغة معناه، والسوشيل ميديا لتثبيته داخل العقول.
في هذا الواقع، لم تعد الدولة تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل بقدرتها على حماية وعي مجتمعها. فخسارة الرواية تعني تدريجيًا خسارة القدرة على التوجيه، حتى مع امتلاك القوة.
أما الإعلام، فلم يعد وسيطًا، بل أصبح جزءًا من منظومة القوة، يصنع الحدث ويحدد نتائجه. ومع السوشيل ميديا، لم تعد هذه العملية مركزية، بل موزعة، حيث يتحول كل فرد إلى مشارك في إنتاج السرديات.
وحيث لم يعد جوهر الصراع في من يؤثر على الوعي، بل في قدرة هذا الوعي نفسه على ألا يتحول إلى أداة ضمن هذا التأثير.
التوصيات:
بناء الوعي اليوم لا يبدأ من امتلاك المعلومات، بل من فهم كيفية تشكيلها. فالإعلام ليس ناقلًا للواقع، بل منتج له، يختار ما يُعرض وكيف يُفهم. إدراك هذه الانتقائية هو الخطوة الأولى للخروج من التوجيه غير المرئي.
السرديات لا تقوم على الكذب بقدر ما تقوم على إعادة ترتيب الحقائق داخل إطار يخدم معنى معين، لذلك لا يكفي التحقق من المعلومة، بل يجب فهم سياقها.
الفرد لم يعد متلقيًا، بل جزءًا من المنظومة؛ كل تفاعل يساهم في تعزيز سردية معينة، ما يجعل الوعي إدراكًا لدورنا داخل هذا الفضاء، لا خارجه.
كما يتطلب الوعي الناضج تجاوز الاصطفاف نحو فهم مركّب يرى تعدد التفسيرات دون الوقوع في التبسيط.
وفي زمن السرعة، يصبح التمهّل شرطًا للفهم، لأن السرديات تُبنى على الانفعال، بينما الوعي يُبنى على التفكير.
في النهاية، الوعي ليس موقفًا… بل منهجًا يحرر العقل من الارتهان لأي رواية جاهزة.
* رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




