خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2026، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، والتي باتت تهدد مسار التعافي الاقتصادي العالمي عبر اضطراب أسواق السلع الأساسية وارتفاع الأسعار وتزايد حالة عدم اليقين في الاقتصاد الدولي.
وأكد الصندوق، في أحدث تقاريره «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر خلال اجتماعاته الربيعية في واشنطن، أن الاقتصاد العالمي مرشح للنمو بنسبة 3.1 في المئة هذا العام، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 3.3 في المئة في كانون الثاني/يناير. ويأتي هذا التراجع في ظل انعكاسات مباشرة للتوترات الجيوسياسية التي تفجرت عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير، ما أسهم في توسيع رقعة التصعيد الإقليمي وإعادة تشكيل توقعات النمو العالمي.
وأشار التقرير إلى أن هذا التطور انعكس سريعاً على أسواق الطاقة، حيث شهدت أسعار النفط والغاز والأسمدة ارتفاعات ملحوظة، بالتزامن مع اضطرابات في سلاسل الإمداد وممرات الشحن الحيوية، ما زاد من الضغوط التضخمية وألقى بظلاله على آفاق الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
ولفت التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة جاء نتيجة مباشرة للنزاع، في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لشحنات الطاقة، إضافة إلى تشديد الإجراءات العسكرية في المنطقة.
وقال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير-أوليفييه غورينشاس، في تصريح صحفي: "كنا نتوقع رفع توقعات النمو لعام 2026 إلى 3.4 في المئة لولا الحرب".
التضخم العالمي وسيناريوهات النمو الأكثر تشاؤماً
ويتوقع الصندوق أن يرتفع التضخم العالمي إلى 4.4 في المئة هذا العام، بزيادة 0.6 نقطة مئوية عن تقديرات كانون الثاني/يناير. وفي سيناريوهات أكثر تشاؤماً، حيث تبقى أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة، قد يتراجع النمو العالمي إلى 2.5 في المئة أو حتى نحو 2 في المئة.
كما أشار الصندوق إلى أن هذه الصدمة تأتي بعد أقل من عام على تغيرات واسعة في السياسات التجارية الأميركية، ما زال أثرها ممتداً على النظام التجاري العالمي.
تأثيرات عالمية متفاوتة
ورغم أن التعديلات على التوقعات العالمية تبدو محدودة، شدَّد صندوق النقد الدولي على أن التأثيرات الأشد تتركز في الشرق الأوسط والاقتصادات الهشة. وأوضح أن "الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية ستتأثر بنحو مضاعف مقارنة بالاقتصادات المتقدمة".
وبالنسبة للاقتصاد الأميركي، ما زال يُتوقع أن يرتفع النمو إلى 2.3 في المئة هذا العام، رغم التعديل الطفيف نحو الأسفل، مع استفادة محدودة من ارتفاع أسعار الطاقة.
آسيا: تباطؤ الصين وتغيرات في اليابان
وفي جانب آخر، خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني هذا العام إلى 4.4 في المئة، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية. وأشار التقرير إلى أن الصادرات التي تُعد المحرك الرئيسي للنمو الصيني، ما زالت تُظهر قدراً من الصلابة؛ لكن الآفاق المستقبلية للاقتصاد لا تزال ضعيفة. وتوقع الصندوق أن يتباطأ النمو في الصين إلى 4 في المئة بحلول عام 2027، نتيجة "تحديات هيكلية" تشمل تباطؤ قطاع العقارات، وتراجع القوة العاملة، وانخفاض عوائد الاستثمار، وتباطؤ نمو الإنتاجية.
وتوقع أن يواصل بنك اليابان رفع أسعار الفائدة تدريجياً بوتيرة أسرع قليلاً من التقديرات السابقة، مع تباطؤ النمو الاقتصادي الياباني إلى 0.7 في المئة في 2026 و0.6 في المئة في 2027، بعد نمو بلغ 1.2 في المئة في 2025. كما أشار إلى أن التحفيز الحكومي وتخفيف تكاليف الطاقة سيحدَّان من تأثير ضعف الطلب الخارجي، بينما يتوقع أن يقترب التضخم من هدف 2 في المئة بحلول نهاية 2027.
كما خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات آسيا الناشئة والنامية إلى 4.9 في المئة في 2026، مقارنة بـ5 في المئة سابقاً، في تباطؤ ملحوظ بعد تسجيل نمو بلغ 5.5 في المئة في العام الماضي. وحذَّر من أن الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط ستؤثر على عدد من اقتصادات جنوب وجنوب شرقي آسيا، من خلال تراجع تدفقات السياحة والتحويلات المالية، ما ينعكس سلباً على الطلب المحلي.
في المقابل، رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الهندي إلى 6.5 في المئة هذا العام، بزيادة 0.1 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة؛ مشيراً إلى أن خفض الرسوم الجمركية الأميركية من 50 في المئة إلى 10 في المئة ساهم في تخفيف آثار الصدمة الجيوسياسية.
منطقة اليورو تحت ضغط التباطؤ وقوة العملة
كما خُفِّضت توقعات منطقة اليورو إلى 1.1 في المئة مقارنة بـ1.4 في المئة في العام الماضي، وبانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن تقديرات كانون الثاني/يناير، وأشار الصندوق إلى أن مصدِّري منطقة اليورو يواجهون أيضاً ضغوطاً إضافية نتيجة قوة اليورو مقابل الدولار والعملات الرئيسية، ما يقلل تنافسية الصادرات الأوروبية في الأسواق العالمية.
وعلى مستوى الاقتصادات الرئيسية، من المتوقع أن يتباطأ النمو في ألمانيا إلى 0.8 في المئة هذا العام، متأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة التي تضغط على قطاعها الصناعي كثيف الاستهلاك للطاقة.
وفي فرنسا، خُفِّضت التوقعات إلى 0.9 في المئة، أي أقل بـ0.3 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة، بينما جرى تعديل توقعات إسبانيا إلى 2.1 في المئة رغم بقائها من بين الأقوى أداءً في المنطقة بدعم قطاع السياحة. كما خفَّض الصندوق توقعاته لنمو إيطاليا إلى 0.5 في المئة، ليستقر عند مستوى العام الماضي دون تغيير يُذكر.
بريطانيا: أكبر مراجعة هبوطية
في السياق نفسه، خفَّض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني، في أكبر مراجعة هبوطية بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى؛ مشيراً إلى نمو لا يتجاوز 0.8 في المئة في عام 2026، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.3 في المئة. وعزا هذا التراجع إلى تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي أدت في بدايتها إلى تضاعف أسعار الغاز الطبيعي، وهو مصدر طاقة رئيسي للاقتصاد البريطاني، إضافة إلى بطء وتيرة خفض أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا نتيجة صدمة أسعار الطاقة.
ورغم عدم توقع انفلات التضخم، حذَّر الصندوق من مخاطر ترسخ توقعات ارتفاع الأسعار مجدداً، في ظل استمرار أثر موجات التضخم السابقة على سلوك المستهلكين والشركات. وفي هذه الحالة، قد تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، حتى في ظل صدمة سلبية مستمرة على جانب العرض.




