أشارت وكالة الطاقة الدولية، في تقريرها لشهر نيسان/أبريل، إلى أن دول الخليج تقف في صميم تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، في ظل خسائر كبيرة ومتداخلة في الإمدادات النفطية نتيجة تعطّل سلاسل اللوجستيات والإمداد وتضرر البنية التحتية للطاقة، ما انعكس بشكل مباشر على استقرار أسواق النفط العالمية وزاد من حدة الاضطرابات في العرض والطلب، وسط بيئة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتراجع اليقين في أسواق الطاقة. وأكد التقرير أن عملية استعادة الإنتاج والصادرات في المنطقة لن تكون خطية أو سريعة، بل ستبقى مرهونة بمجموعة مترابطة من العوامل الأمنية والتشغيلية والمالية، إلى جانب درجة تعافي الممرات البحرية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز.
شروط معقدة ومترابطة لاستعادة الإمدادات
التقرير أوضح أن عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية تعتمد على تحسن الأمن والاستقرار السياسي، واستئناف حركة التجارة عبر مضيق هرمز، وتوفر العمالة الماهرة والمقاولين، إضافة إلى عودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها، واستقرار أنظمة التأمين وتمويل الشحن. وفي حال تحقق هذه الشروط، يمكن للحقول التي تم إيقافها احترازياً ولم تتعرض لأضرار مادية مباشرة أن تعاود الإنتاج بسرعة نسبية، غير أن وتيرة التعافي تبقى مرتبطة بقدرة الدول والشركات على إعادة تشغيل البنية التشغيلية واللوجستية بشكل متزامن.
وفي هذا السياق، أشارت البيانات إلى تراجع حاد في الإمدادات الخليجية، حيث شهدت السعودية انخفاضاً في إنتاجها بمقدار 3.1 مليون برميل يومياً ليصل إلى 7.3 مليون برميل يومياً في آذار/مارس، مع تراجع إجمالي الصادرات بما فيها عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر بمقدار 3.5 مليون برميل يومياً لتسجل 3.4 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، بدأت مسارات بديلة بالتصاعد عبر خط الأنابيب الشرق–الغرب، حيث ارتفعت صادرات الساحل الغربي بمقدار 2.5 مليون برميل يومياً لتصل إلى 3.3 مليون برميل يومياً، فيما تجاوزت شحنات البحر الأحمر 4.2 مليون برميل يومياً في أوائل نيسان/أبريل، ما يعكس محاولة جزئية لتعويض اختناقات الإمداد.
السعودية: خفض إنتاج ومسارات بديلة
وأضافت وكالة الطاقة الدولية أن حجم التخفيضات في السعودية يعكس تعرضها المباشر لمخاطر الاختناقات والهجمات على البنية التحتية، رغم امتلاكها منظومة إنتاج احتياطية واسعة. فقد أعلنت أرامكو في 9 آذار/مارس خفض إنتاج الحقول البحرية، خصوصاً الحقول التي تنتج خامات متوسطة وثقيلة لا يمكن ضخها عبر الأنابيب، ما أدى إلى توقف نحو 2.5 مليون برميل يومياً. كما خسرت المملكة أكثر من 600 ألف برميل يومياً نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت التكرير والقيود على التخزين، إضافة إلى أضرار طالت مصفاة رأس تنورة ووحدات بتروكيميائية في الجبيل.
وفي 9 نيسان/أبريل، أعلنت وزارة الطاقة أن الهجمات على البنية التحتية النفطية أدت إلى خفض تدفقات خط الأنابيب الشرقي–الغربي بنحو 700 ألف برميل يومياً، وتقليص القدرة الإنتاجية في حقلي مانيـفة وخريص بنحو 600 ألف برميل يومياً. كما تراجعت إنتاجية المنطقة المحايدة مع الكويت بنحو 380 ألف برميل يومياً في مارس، مع توقف شبه كامل لحقل الخفجي منذ 11 آذار/مارس، ما يعكس اتساع نطاق التأثير ليشمل مختلف مناطق الإنتاج.
الكويت: توقف الصادرات وضغوط التخزين
وفي الكويت، تراجع الإنتاج بمقدار 1.4 مليون برميل يومياً ليصل إلى 1.2 مليون برميل يومياً، فيما توقفت الصادرات بالكامل بعد اندلاع الحرب، في تحول حاد يعكس هشاشة القدرة التصديرية أمام القيود اللوجستية والأمنية. وارتفعت المخزونات بنحو 330 ألف برميل يومياً في آذار/مارس ، ما خفّض السعة التخزينية المتاحة إلى نحو 14 مليون برميل، بينما أدت الهجمات على المصافي ومحدودية التخزين إلى خفض إضافي في الإنتاج بأكثر من 1.9 مليون برميل يومياً مع بداية نيسان/أبريل.
الإمارات: تراجع الإنتاج ومخزونات استراتيجية
أما في الإمارات، فقد خُفض الإنتاج بمقدار 1.3 مليون برميل يومياً ليصل إلى 2.4 مليون برميل يومياً في آذار/مارس، مع تراجع الصادرات إلى 1.6 مليون برميل يومياً، نتيجة تراجع الإنتاج البحري بشكل أساسي. ورغم تعرض منشأة الفجيرة لهجمات متكررة، ارتفعت شحنات الخام من الميناء بمقدار 450 ألف برميل يومياً لتصل إلى 1.6 مليون برميل يومياً، فيما بلغت صادرات محطة ADCOP نحو 1.5 مليون برميل يومياً.
ولفت التقرير إلى أن وجود مخزون تحت الأرض في الفجيرة يقدر بنحو 42 مليون برميل مكّن الإمارات من امتصاص جزء من الصدمة عبر السحب من المخزونات، غير أن الهجمات على مجمع حبشان الغازي ومنشأة بروج في الرويس أدت إلى خفض إنتاج سوائل الغاز الطبيعي بنحو 500 ألف برميل يومياً، ما يبرز أن التأثير لم يقتصر على النفط الخام فقط بل شمل سلاسل الطاقة المرافقة.
العراق: أكبر المتضررين من انهيار الإمدادات
أما في العراق، كانت الصدمة الأعمق، إذ تراجعت الإمدادات بمقدار 3 ملايين برميل يومياً لتصل إلى 1.6 مليون برميل يومياً في آذار/مارس، نتيجة الإيقاف المبكر لعدد من الحقول الرئيسية بسبب محدودية التخزين في الموانئ الجنوبية، حيث توقفت عمليات في الرميلة الجنوبية (700 ألف برميل يومياً)، والزبير الغربي (450 ألف برميل يومياً)، وميـسان (325 ألف برميل يومياً). كما تعرضت حقول أخرى لهجمات متكررة، بينما أدت المخاوف الأمنية في كردستان إلى تعطيل الإنتاج وخط العراق–تركيا.
ورغم استئناف محدود للشحنات عبر ميناء جيهان في 26 آذار/مارس، فإن الصادرات عبر هذا المسار تراجعت بنحو 120 ألف برميل يومياً، في حين انخفضت الكميات العابرة لمضيق هرمز بمقدار 3.4 مليون برميل يومياً لتصل إلى أقل من 40 ألف برميل يومياً، مع بقاء أكثر من 3.2 مليون برميل يومياً من الإنتاج متوقفاً. وفي ظل هذا الواقع، لجأت بغداد إلى حلول بديلة محدودة، منها نقل 50 ألف برميل يومياً بالشاحنات إلى ميناء بانياس السوري، مع استمرار القيود على التدفقات رغم بعض الإعفاءات المعلنة.
البحرين: توقف شبه كامل للقطاع النفطي
وفي البحرين، تراجع الإنتاج بمقدار 140 ألف برميل يومياً ليصل إلى 40 ألف برميل يومياً فقط، مع توقف شبه كامل للحقول المحلية والمصفاة الجديدة التي تعرضت لهجمات متكررة، إلى جانب إيقاف حقل أبو سعفة المشترك مع السعودية في 9 آذار/مارس، ما دفع البلاد إلى الاعتماد على واردات منتجات مكررة من السعودية لتغطية الطلب المحلي.
عُمان: نمو محدود وسط الاضطرابات
أما في سلطنة عُمان، فقد ارتفع الإنتاج بمقدار 40 ألف برميل يومياً ليصل إلى 840 ألف برميل يومياً، مع زيادة الصادرات إلى 940 ألف برميل يومياً، رغم تراجع عمليات التكرير وتوقف بعض الإمدادات المرتبطة بمصفاة الدقم. إلا أن الهجمات على موانئ الدقم وصلالة والبنية التحتية النفطية أظهرت أن الضغوط الأمنية امتدت حتى إلى الدول الأقل اعتماداً على مضيق هرمز.
عودة جزئية للإمدادات وتباين في التعافي
وخلصت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها إلى أن تعافي إنتاج الخليج لن يكون شاملاً أو سريعاً، إذ إن عودة الحقول إلى مستويات ما قبل الحرب ستتفاوت بشكل كبير بين الدول والحقول، حيث يمكن أن تستعيد نحو 50 في المئة من الحقول إنتاجها خلال أسبوعين و80 في المئة خلال شهر، بينما تبقى نسبة من الإنتاج عرضة للتأخير أو الخسارة الدائمة بسبب تعقيدات تشغيلية وبنية تحتية متضررة، ما يجعل أسواق النفط العالمية أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.




