في واحدة من أشدّ الاضطرابات التي تضرب أسواق الطاقة العالمية منذ عقود، تشهد سوق النفط تحولات حادة في الطلب والإمدادات والأسعار، وسط تصاعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتراجع حركة التجارة عبر الممرات الحيوية، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة من التقلبات غير المسبوقة.
تراجع الطلب العالمي جراء الحرب وارتفاع الأسعار
وفي هذا السياق، توقعتوكالة الطاقة الدولية في تقريرها الصادر لشهر نيسان/أبريل 202، أن ينكمش الطلب العالمي على النفط بمقدار 80 ألف برميل يومياً هذا العام، مع قيام الحرب في إيران بإرباك التوقعات العالمية. ويُعد هذا الانخفاض أقل بمقدار 730 ألف برميل يومياً مقارنة بالتقرير الصادر الشهر الماضي، فيما يُتوقع أن يشهد الربع الثاني من عام 2026 تراجعاً قدره 1.5 مليون برميل يومياً، وهو الأكبر منذ أن أدت جائحة «كوفيد-19» إلى خفض استهلاك الوقود بشكل حاد. وفي البداية، تركزت أشد الانخفاضات في استخدام النفط في منطقة الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ، خصوصاً في النفتا وغاز البترول المسال ووقود الطائرات، إلا أن تراجع الطلب سيتسع مع استمرار شح الإمدادات وارتفاع الأسعار.
انهيار المعروض النفطي واضطراب في الإمدادات
وفي المقابل، انهار المعروض العالمي من النفط بمقدار 10.1 مليون برميل يومياً ليصل إلى 97 مليون برميل يومياً في آذار/مارس، مع استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط وتواصل القيود على حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى أكبر اضطراب في تاريخ السوق. وتراجع إنتاج «أوبك+» بمقدار 9.4 مليون برميل يومياً على أساس شهري ليصل إلى 42.4 مليون برميل يومياً، بينما انخفض المعروض من خارج «أوبك+» بمقدار 770 ألف برميل يومياً إلى 54.7 مليون برميل يومياً، إذ عوّض انخفاض الإنتاج القطري جزئياً المكاسب المسجلة في البرازيل والولايات المتحدة.
ضغوط على التكرير وارتفاع هوامش الربحية
ولا تزال عمليات تكرير النفط الخام العالمية تواجه صعوبات متزايدة نتيجة اضطرابات الإمدادات والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، ما أدى إلى تشديد أسواق المنتجات النفطية عالمياً. وفي نيسان/أبريل، خفّضت المصافي في الشرق الأوسط والمصافي المقيدة بالإمدادات في آسيا معدلات التشغيل بنحو 6 ملايين برميل يومياً لتصل إلى 77.2 مليون برميل يومياً. ومن المتوقع أن ينخفض متوسط عمليات التكرير عالمياً بمقدار مليون برميل يومياً في 2026 ليصل إلى 82.9 مليون برميل يومياً، فيما قفزت هوامش التكرير بشكل مؤقت إلى مستويات قياسية مع وصول هوامش المقطرات المتوسطة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.
تراجع المخزونات العالمية وتحوّل في المسارات
وتفاقمت الضغوط على الأسواق مع تراجع المخزونات العالمية المرصودة من النفط بمقدار 85 مليون برميل في مارس، في وقت انخفضت فيه المخزونات خارج الخليج بنحو 205 ملايين برميل (6.6 مليون برميل يومياً) نتيجة تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. وفي المقابل، ومع محدودية منافذ التصدير، ارتفعت المخزونات العائمة في الشرق الأوسط بمقدار 100 مليون برميل، وزادت المخزونات البرية بـ20 مليون برميل، بينما أضافت الصين 40 مليون برميل إلى مخزوناتها.
قفزة تاريخية في الأسعار
وسجلت أسعار النفط أكبر ارتفاع شهري في تاريخها خلال آذار/مارس، مع قفزة حادة في أسعار الخام الفورية مقارنة بالعقود الآجلة، في ظل تسابق المصافي لتأمين شحنات بديلة. وبلغ خام بحر الشمال نحو 130 دولاراً للبرميل، أي بزيادة تقارب 60 دولاراً عن مستويات ما قبل الأزمة، فيما تجاوزت أسعار المنتجات المكررة، خصوصاً المقطرات المتوسطة في سنغافورة، حاجز 290 دولاراً للبرميل.
اضطرابات متصاعدة وعجز كبير
ورغم إعلان هدنة مؤقتة في الشرق الأوسط، فإن حالة عدم اليقين لا تزال تهيمن على الأسواق، وسط غموض بشأن إمكانية استئناف تدفق النفط عبر مضيق هرمز بشكل طبيعي. ومع استمرار القيود، تراجعت الشحنات عبر المضيق إلى 3.8 مليون برميل يومياً مقارنة بأكثر من 20 مليون برميل قبل الأزمة، في حين ارتفعت الإمدادات عبر المسارات البديلة إلى 7.2 مليون برميل يومياً.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الخسائر في صادرات النفط تجاوز 13 مليون برميل يومياً، فيما تخطت خسائر الإنتاج وتضرر البنية التحتية 360 مليون برميل في آذار/مارس و440 مليون برميل متوقعة في نيسان/أبريل، ما يعكس عمق الصدمة التي يتعرض لها السوق العالمي.
ومع اتساع الفجوة بين العرض والطلب، لجأت الأسواق والمستهلكون إلى السحب من المخزونات، بينما بدأت قطاعات صناعية واستهلاكية، خصوصاً البتروكيماويات والطيران، في تقليص النشاط نتيجة نقص الإمدادات وارتفاع التكاليف، ما أدى إلى تراجع إضافي في الطلب العالمي يُقدَّر بملايين البراميل يومياً خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل.
ورغم السيناريو الأساسي الذي يفترض عودة تدريجية للإمدادات منتصف العام، فإن التقرير يحذر من أن استمرار الصراع قد يقود إلى اضطرابات أعمق في أسواق الطاقة، مع تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي وأسعار الوقود والنمو في الأشهر المقبلة.




