يبدو أن الاقتصاد اللبناني يقف مرة أخرى أمام مفترق خطير يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الظواهر الاقتصادية التي طبعت تاريخه الحديث: "العجز المزدوج" فبينما كانت الحكومة تحاول تثبيت مسار مالي أكثر توازنًا بعد سنوات من الانهيار، جاءت تداعيات الحرب الأخيرة لتقوّض هذا المسار الهش، وتكشف مدى هشاشة التعافي الاقتصادي الذي بُني على افتراضات متفائلة أكثر مما بُني على إصلاحات بنيوية حقيقية.

تُظهر قراءة معمقة لتقييم صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان" عودة العجز المزدوج: تداعيات الحرب على المالية العامة في لبنان" أن ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد ضغط مالي ظرفي، بل مسارًا متكاملًا من الاختلالات الاقتصادية التي تتغذى من بعضها بعضًا: تراجع الإيرادات، ارتفاع النفقات، توسّع الاستدانة، وتعثر مؤسسي يضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمة.
موازنة 2026: طموح الاستقرار المالي
جاءت موازنة عام 2026 في سياق محاولة رسم مسار تعافٍ مالي بعد سنوات من الانكماش الاقتصادي. فقد صدرت الموازنة بنفقات تقدّر بنحو 538 ألف مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 6 مليارات دولار وفق سعر صرف وسطي يبلغ 89,500 ليرة للدولار. وبُنيت هذه الموازنة على فرضية تحقيق توازن مالي بين الإيرادات والنفقات، بما يسمح بالحفاظ على نتيجة مالية صفرية للسنة الثالثة على التوالي.
وقد استندت هذه التوقعات إلى مجموعة من الفرضيات الاقتصادية، أبرزها تحقيق نمو اقتصادي بنحو 3.5 في المئة في عام 2026، إضافة إلى تراجع التضخم إلى مستويات تقارب 8 في المئة بعد سنوات من الارتفاع القياسي الذي بلغ ذروته في عام 2023. كما عوّلت الحكومة على إمكانية الحصول على تمويل خارجي من مؤسسات دولية، وعلى هبات مرتقبة لدعم مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
ولتعزيز الملاءة المالية، وضعت الحكومة هدفًا يتمثل في تحقيق فائض أولي لا يقل عن 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بما يتيح تخفيف أعباء الدين العام تدريجيًا. ويعتمد هذا الهدف على تحسين الامتثال الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي وترشيد الإعفاءات الضريبية، إضافة إلى ضبط النفقات الجارية التي تشكل الجزء الأكبر من الإنفاق العام.
هيكل الإيرادات: الضرائب في الصدارة
تشير تقديرات الموازنة إلى أن الإيرادات الضريبية تشكّل العمود الفقري للمالية العامة، وهي تتوزع على عدة بنود رئيسية، أبرزها الرسوم الداخلية على السلع والخدمات، والرسوم الجمركية على التجارة الخارجية، والضرائب على الدخل والأرباح، إضافة إلى الضرائب على الأملاك وأخرى مختلفة.
في المقابل، تظل الإيرادات غير الضريبية محدودة نسبيًا، ما يجعل الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على الجباية الضريبية لتمويل إنفاقها. أما من ناحية النفقات، فتظهر الموازنة تركّزًا واضحًا على النفقات الجارية التي تمثل نحو 89 في المئة من إجمالي الإنفاق، في حين لا تتجاوز النفقات الاستثمارية 10 في المئة، وهو ما يعكس محدودية القدرة على توجيه الموارد نحو المشاريع التنموية والبنى التحتية.
خسائر الإيرادات: مليون دولار يوميًا
غير أن هذه التوقعات المالية لم تدم طويلًا. فقد أدت التطورات العسكرية والتصعيد المتبادل بين لبنان وإسرائيل إلى تغيير المشهد الاقتصادي بشكل سريع، حيث انعكس التوتر الأمني مباشرة على النشاط الاقتصادي وعلى قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.
تكشف الأرقام أن الخزينة اللبنانية تكبدت خسائر ملحوظة في الإيرادات خلال فترة الحرب. فقد تراجع متوسط الإيرادات الشهرية بشكل واضح، ما يعني خسارة تقدّر بنحو مليون دولار يوميًا من الإيرادات العامة. ويعود هذا التراجع أساسًا إلى انخفاض الرسوم الجمركية نتيجة تراجع الاستيراد، إضافة إلى تراجع إيرادات ضريبة القيمة المضافة بفعل انخفاض الاستهلاك المحلي.
كما سجّلت إيرادات الاتصالات انخفاضًا ملحوظًا نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي، في حين شكّلت الرسوم العقارية استثناءً نسبيًا بعدما شهدت ارتفاعًا مؤقتًا بسبب تسجيل معاملات مؤجلة قبل نهاية السنة المالية. لكن هذا الارتفاع لا يعكس تحسنًا اقتصاديًا بقدر ما يعكس حركة تسويات إدارية ومالية مؤقتة.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الحرب لا تؤثر فقط في الاقتصاد خلال فترة العمليات العسكرية، بل تمتد آثارها إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث يتطلب التعافي الاقتصادي وقتًا طويلًا لاستعادة النشاط والاستثمار.
النفقات تحت ضغط الحرب وإعادة الإعمار
رغم انتهاء الحرب في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2024، لم تشهد المالية العامة في لبنان زيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي، نتيجة اعتماد الحكومة سياسة تقوم على ترشيد النفقات وتأجيل الالتزامات الكبرى، وهو ما انعكس بوضوح في موازنة عام 2025 التي خلت تقريبًا من أي اعتمادات جدّية لإعادة الإعمار. في المقابل، اقتصر الإنفاق على موارد محدودة متوافرة ، تذهب غالبيتها لتغطية الرواتب ومشاريع قيد التنفيذ، فيما لم تتجاوز مخصصات إزالة الردم عشرة ملايين دولار، مقارنة بتقديرات أولية تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار قد تفوق عشرة مليارات دولار.
ومع انتقال الملف إلى موازنة 2026، خُصص نحو 89 مليون دولار لتعويض الأضرار الإنشائية، في خطوة تعكس بداية استجابة تدريجية للضغوط الاجتماعية، لكنها تبقى محدودة قياسًا بحجم الخسائر، ما ينذر بتزايد الأعباء في حال انطلاق ورشة إعادة الإعمار بشكل فعلي. وإلى جانب ذلك، تواجه الدولة تحديات مالية أعمق تتمثل في إعادة هيكلة الدين الخارجي المتوقف عن السداد منذ 2020، والذي تتجاوز قيمته 40 مليار دولار، مع تقديرات تشير إلى إمكانية تسديد نحو 15 مليار دولار بعد إعادة الهيكلة، إضافة إلى التزامات ثقيلة في قطاع الطاقة، أبرزها مستحقات تقارب 6.1 مليارات دولار للعراق، فضلًا عن أعباء استخدام حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي.
كما أُقرت زيادات في أجور القطاع العام بكلفة تقارب 780 مليون دولار، جرى تمويلها عبر ضرائب على المحروقات، ما انعكس ضغوطًا تضخمية إضافية على الأسعار والقدرة الشرائية، في وقت تتفاقم فيه الحاجة إلى إعادة رسملة مصرف لبنان بكلفة سنوية تقدَّر بين 500 و600 مليون دولار. وبذلك، تبدو المالية العامة اللبنانية ظاهريًا مستقرة بفعل سياسة التقشف، لكنها في الواقع تختزن استحقاقات مؤجلة وضغوطًا متراكمة تجعلها عرضة لأزمة أعمق ما لم تُستكمل بإصلاحات مالية واقتصادية جذرية شاملة.
الاستدانة كخيار لتمويل الإنفاق
أمام هذه التحديات، لجأت الحكومة إلى الاقتراض الخارجي لتمويل عدد من المشاريع، خصوصًا في مجالات الطاقة والمياه وإعادة الإعمار. وقد حصل لبنان بالفعل على قروض من مؤسسات دولية لتمويل مشاريع تنموية وإغاثية.
غير أن الاعتماد المتزايد على الاستدانة يثير مخاوف بشأن استدامة الدين العام، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد اللبناني وغياب الإصلاحات الهيكلية في القطاع المالي والإداري. فكل قرض جديد قد يخفف الضغط المالي على المدى القصير، لكنه يضيف أعباء جديدة على المالية العامة في المستقبل.
التعثر المؤسسي: أزمة الإدارة العامة
إلى جانب التحديات المالية والاقتصادية، تعاني الإدارة العامة من تعثر مؤسسي واضح. فقد أدت سنوات الأزمة إلى ارتفاع معدلات الشغور في الوظائف العامة، إذ تجاوزت نسبة الشغور في بعض الإدارات 70 في المئة.
ويعود ذلك أساسًا إلى تدني الأجور وهجرة الكفاءات إلى الخارج أو إلى القطاع الخاص، ما انعكس سلبًا على قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها وعلى كفاءة التحصيل الضريبي. كما تعاني الإدارات من ضعف البنية التقنية ومن غياب المكننة في العديد من القطاعات، الأمر الذي يحدّ من فعالية العمل الحكومي.
نحو عودة العجز المزدوج
في ضوء هذه التطورات، تبدو موازنة عام 2026 وكأنها وُضعت خارج سياق المخاطر الفعلية، إذ لم تأخذ في الحسبان حالات الطوارئ والصدمات الكبرى، ما أدى إلى إعادة رسم غير واقعية لمسار الإيرادات والنفقات، وتحويل الفائض المتوقع إلى عجز محتمل.
ومع تقدّم آثار الحرب وتقدير خسائرها السابقة بنحو 14 مليار دولار، يبرز خطر عودة "العجز المزدوج" الذي شكّل تاريخيًا أحد أبرز أسباب الانهيار المالي في لبنان عام 2019، خصوصًا في ظل استمرار عجز الحساب الجاري وتراجع محدود في مستوياته رغم بقائه مرتفعًا. ويعزز هذا المسار هشاشة استقرار سعر الصرف، الذي يقوم أصلًا على توازنات نقدية دقيقة وغير مستدامة، ما يجعله عرضة لأي صدمة إضافية في الداخل أو الخارج.
وفي مزازاة ذلك، تبدو قدرة الدولة على الاستجابة محدودة أمام تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، في وقت تتقدم فيه أولويات الإيواء وإعادة الإعمار على حساب أي مسار إصلاحي جدي، الذي يعاني أصلًا من بطء مزمن. وتُظهر المؤشرات أن أي تصعيد إضافي في الصراع لن يقتصر أثره على المالية العامة، بل قد يمتد إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع كلفة الغذاء والطاقة، ما يفاقم الضغوط التضخمية ويضع الاقتصاد اللبناني أمام مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا، حيث تتقاطع الأزمة المالية مع مخاطر اقتصادية وأمنية مفتوحة على مزيد من التدهور.




