الإقتصاد والأعمال
في أخر تحديث لـتقرير آفاق الاقتصاد العالمي، يكتب صندوق النقد الدولي ما يشبه قراءة لاقتصاد يتغير تحت ضغط حرب إيران. خفض الصندوق توقعاته للنمو في العام الحالي معبرا عن ما يعتبره انتقالا تدريجيا من بيئة نمو مستقرة إلى مسار أكثر تقلباً، تحكمه الطاقة، وتعيد تشكيله السياسة قبل الاقتصاد.
لا يقدم الصندوق هذا التحول بصيغة صادمة، بل يرسمه بهدوء عبر سيناريوهات. لكن القراءة المتأنية للتقرير تكشف أن الاقتصاد العالمي بدأ فعلياً يتحرك بعيداً عن مساره السابق، حتى قبل أن تتضح نهاية الحرب.
اقتصاد يقترب من حدوده
قبل أشهر، كانت التقديرات تشير إلى نمو عالمي يدور حول 3.3 في المئة، مدعوماً بمرونة الاستهلاك واستثمارات التكنولوجيا. لكن التحديث الأخير يضع النمو عند نحو 3.1 في المئة في عام 2026، مع هامش واسع للانخفاض إذا استمرت الحرب أو تصاعدت. عند مستوى 2.5 في المئة أو أقل، يدخل الاقتصاد العالمي منطقة قريبة من الركود، حيث يتباطأ خلق الوظائف وتتراجع الاستثمارات ويزداد الضغط على المالية العامة.
قد تبدو هذه الحركة تبدو محدودة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالة أعمق تشير الى أن الاقتصاد العالمي فقد جزءاً من قدرته على امتصاص الصدمات، وأصبح أكثر حساسية لأي اضطراب في الطاقة أو التجارة. كما يشير التقرير إلى تباطؤ في نمو التجارة العالمية إلى ما دون 3 في المئة، وهو ما يعكس تراجع دينامية الطلب العالمي وارتفاع كلفة التمويل والتأمين على حركة السلع.
الطاقة تعود إلى قلب المعادلة
في قلب تحليل الصندوق تقف الطاقة كعامل مهيمن. ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار، وتعطّل الإمدادات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، كلها عناصر تنتقل سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات. فكل زيادة مستدامة في أسعار الطاقة تنعكس مباشرة على التضخم العالمي، وتقتطع من النمو عبر تراجع الطلب وارتفاع كلفة الإنتاج.
تتسرب هذه الصدمة إلى الاقتصاد عبر سلاسل الإمداد، من المصانع إلى المستهلك، ومن الشحن إلى التمويل. ومع كل حلقة إضافية، تصبح كلفتها أكثر رسوخاً في الاقتصاد. ويضيف التقرير بُعداً مهماً يتمثل في ارتفاع “كلفة المخاطر الجيو-اقتصادية” في التجارة العالمية، حيث أصبحت شركات الشحن والتأمين تسعّر المخاطر الأمنية بشكل مباشر ضمن التكاليف، وهو عامل مرشح للاستمرار حتى بعد انتهاء الحرب.
تضخم يعيد خلط الحسابات
مع عودة الضغوط التضخمية، تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة معقدة. تشير التوقعات الحالية إلى ارتفاع التضخم العالمي من نحو 4.1 إلى 4.4 في المئة، مع احتمال تجاوزه مستويات أعلى إذا استمرت الضغوط النفطية. هذا يعيد النقاش حول مسار الفائدة، ويؤجل رهانات الأسواق على التيسير النقدي عبر خفض اسعار الفائدة.
النتيجة المباشرة هي بيئة مالية أكثر تشدداً مما كان متوقعاً، حيث ترتفع كلفة الاقتراض، ويتباطأ الاستثمار، وتتراجع شهية المخاطرة. هذه الديناميكية تعمّق أثر الصدمة، لأنها تضيف ضغطاً مالياً إلى ضغط الطاقة. كما يحذر التقرير من اتساع فروق العوائد على ديون الأسواق الناشئة، ما يزيد من كلفة التمويل ويعيد طرح مخاطر الاستدامة المالية في عدد من الاقتصادات.
اثار متفاوتة
يتوزع تأثير الحرب بشكل غير متكافئ. الولايات المتحدة تمتص جزءاً من الصدمة بفضل إنتاجها المحلي للطاقة، بينما تواجه أوروبا ضغطاً أكبر نتيجة اعتمادها على الواردات. الأسواق الناشئة تتحمل عبئاً مزدوجاً، حيث ترتفع كلفة الطاقة والغذاء وتتقلب العملات ويخرج رأس المال، ما يضغط على الاستقرار المالي.
يخلق هذا التباين فجوة في الأداء الاقتصادي، ويزيد من صعوبة إدارة السياسات على مستوى عالمي، حيث تختلف الأولويات من منطقة إلى أخرى. كما يشير التقرير إلى أن تدفقات رؤوس الأموال أصبحت أكثر تقلباً، مع توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، ما يحد من قدرة العديد من الدول على تمويل عجزها بشروط ميسرة.
صدمة من الداخل
في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، يكتسب تقرير صندوق النقد الدولي بعداً مختلفاً. هنا الصدمة لا تأتي فقط من الخارج عبر ارتفاع أسعار النفط أو تباطؤ الاقتصاد العالمي، إنما تنبع أيضاً من داخل بنية الاقتصاد نفسه.
فاقتصادات المنطقة تعتمد بشكل مباشر على الطاقة، سواء كمُنتج رئيسي كما في دول الخليج، أو كمستورد رئيسي كما في دول أخرى. وهذا يعني أن نفس العامل الذي يولّد الصدمة عالمياً، أي اضطراب أسواق الطاقة، هو جزء أساسي من تكوين هذه الاقتصادات.
في الدول المصدّرة، تتأثر الصادرات والإيرادات عند تعطل الإمدادات أو طرق التصدير. وفي الدول المستوردة، ترتفع كلفة الطاقة والدعم وتزداد الضغوط على العملات والمالية العامة. في الحالتين، تنتقل الصدمة مباشرة إلى النشاط الاقتصادي المحلي، من دون وسيط.
تشير التقديرات الحالية إلى تباطؤ حاد في النمو إلى نحو 1.1 في المئة في عام 2026، وهو تراجع يعكس تداخل عدة عوامل في وقت واحد، حيث تتأثر الإيرادات، والاستثمار، والتجارة، والثقة، جميعها في الوقت نفسه.
أثرت الحرب على الإنتاج، وعلى البنية التحتية في بعض الدول، وعلى حركة التجارة عبر ممرات حيوية مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية. في الوقت نفسه، ارتفعت كلفة التأمين والشحن، وتراجعت الثقة، وتأجلت قرارات الاستثمار. خلقت هذه العوامل مجتمعة بيئة غير مستقرة، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع اعتبارات أمنية مباشرة.
Bottom of Form
الخليج: قوة مالية في مواجهة اضطراب الإمدادات
في الخليج، تظهر المفارقة بصورة أوضح عند النظر إلى الأرقام. يعزز ارتفاع أسعار النفط إلى نطاق يقترب من 100 دولار للبرميل الإيرادات الحكومية بشكل مباشر. ويزيد هذا الارتفاع الفوائض المالية ويمنح الحكومات مساحة أكبر للتدخل، مستندة أيضاً إلى احتياطيات مالية وصناديق ثروة سيادية تُقدّر أصولها مجتمعة بأكثر من 4.5 تريليونات دولار، وهي توفر خط دفاع متين لحماية الاستقرار المالي والنقدي.
في المقابل، قد لا تتحول هذه الزيادة في الأسعار إلى مكاسب كاملة. فاضطراب الإمدادات وقيود التصدير، سواء عبر مضيق هرمز أو بفعل ارتفاع كلفة التأمين والشحن، يحدّان من القدرة على تعظيم العائدات. وتشير بعض التقديرات إلى ارتفاع أقساط التأمين على الشحن في المنطقة بنسبة تراوح بين 30 و50 في المئة منذ بداية الحرب، وهو ما يرفع كلفة التصدير ويضغط على هوامش الربحية، حتى في ظل الأسعار المرتفعة.
يمتد الأثر إلى القطاعات غير النفطية، التي تشكّل ركيزة أساسية في استراتيجيات التنويع الاقتصادي. قطاع الطيران، على سبيل المثال، يواجه ضغوطاً مزدوجة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وزيادة كلفة التأمين، فيما يتأثر قطاع السياحة بتراجع الطلب وارتفاع كلفة السفر. كما أن مراكز الترانزيت في الخليج، التي تستفيد من موقعها بين آسيا وأوروبا، قد تواجه تحدياً في حال استمرت الأزمة وارتفعت كلفة العبور، ما قد يدفع بعض المسارات إلى التحول نحو بدائل في آسيا.
تنعكس هذه العوامل مجتمعة في التوقعات المعدلة للنمو. وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن يتباطأ نمو اقتصادات الخليج من نحو 4.2 في المئة في 2025 إلى قرابة 3.0 في المئة في 2026. تُظهر هذه الأرقام توازناً دقيقاً بين دعم الأسعار النفطية من جهة، والضغوط التشغيلية والاقتصادية من جهة أخرى. يستمر النمو، لكنه يتحرك ضمن هامش أضيق، وتحت تأثير بيئة أكثر صعوبة، حيث تصبح القدرة على الحفاظ على استمرارية التصدير وكفاءة الخدمات اللوجستية عاملاً حاسماً بقدر أهمية مستوى الأسعار نفسها.
انكماش حاد في إيران
يقف الاقتصاد الإيراني في قلب هذه التحولات، حيث تتقاطع الحرب مع العقوبات والضغوط الداخلية. تشير التوقعات إلى انكماش حاد، مدفوع بتراجع الصادرات، وارتفاع التضخم، وانخفاض الثقة، إضافة إلى كلفة إعادة الإعمار والخسائر التي تصيب البنية التحتية والقطاع النفطي، وهي كلفة مرشحة للارتفاع في مرحلة ما بعد الحرب.
ولا يقتصر تأثير هذا الوضع على الداخل الإيراني. فإيران تشكّل طرفاً أساسياً في معادلة الطاقة وحركة الملاحة في المنطقة، وأي تراجع في إنتاجها أو قدرتها على التصدير، أو أي اضطراب في الممرات البحرية المرتبطة بها، ينعكس مباشرة على حجم الإمدادات المتاحة في السوق. يدفع هذا الامر الأسعار إلى الارتفاع ويزيد تقلبها، كما يرفع كلفة التأمين والشحن على مستوى المنطقة.
بمعنى آخر، تتحول الأزمة في إيران إلى عامل يؤثر في تدفقات الطاقة من الخليج ككل، وليس فقط من داخل إيران، وهو ما يفسر انتقال أثرها إلى بقية اقتصادات المنطقة عبر أسعار النفط والغاز، وكلفة النقل، وثقة المستثمرين في الأسواق المالية.
ضغط متراكم في الدول المستوردة للطاقة
في المقابل، تواجه الدول المستوردة للطاقة والغذاء مثل مصر تحدياً من زاوية مختلفة. فارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الميزان الخارجي، ويزيد من كلفة الدعم، ويؤثر على القدرة الشرائية ويضغط على الاسواق الملية والعملات نتيجة توجه المستثمرين الاجانب الى الخروج.
دخلت هذه الاقتصادات الحرب وهي تحمل أساساً اختلالات تراكمت خلال السنوات الماضية جعلت قدرتها على امتصاص الصدمة محدودة، وزادت من اعتمادها على التمويل الخارجي والمؤسسات الدولية.
ما وراء الأرقام
بين سطور تقرير الصندوق، تظهر ثلاث إشارات واضحة. الأولى أن الطاقة عادت لتكون المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي، بعد سنوات من تراجع دورها النسبي. الثانية أن أدوات السياسة النقدية تواجه حدوداً واضحة في التعامل مع صدمات مصدرها العرض.
الثالثة أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة يصبح فيها تأثير الأحداث السياسية أكثر حضوراً واستمرارية، مع ارتفاع دائم في مستوى المخاطر مقارنة بالسنوات السابقة.
مسار المرحلة المقبلة
يتوقف المستقبل على مسار الحرب والأزمة. في حال احتوائها خلال فترة محدودة، يمكن للاقتصاد العالمي أن يستعيد جزءاً من توازنه، مع عودة تدريجية للتجارة واستقرار في الأسعار. أما في حال امتداد الأزمة دون حل واضح، فإن التأثير يصبح أعمق، حيث ترتفع الأسعار لفترة أطول، وتتغير أنماط التجارة والطاقة، ويتراجع النمو بشكل أكثر وضوحاً.
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يرتبط التعافي بعامل إضافي يتمثل في استعادة الثقة. عودة الاستثمارات، وانتعاش السياحة، واستقرار سلاسل الإمداد، كلها تحتاج إلى إشارات واضحة على استقرار طويل الأمد، وهو ما يستغرق وقتاً حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
عالم يتحرك نحو واقع اقتصادي مختلف
ليس من الضرورة ان تتحقق توقعات صندوق النقد الدولي بحذافيرها. فهذه التوقعات تمثل تشخيصا للوضع في لحظة معينة ضمن ازمة تبدو حتى الان انها لا تزال في حالة عالية من السيولة. لكن ما يقوله الصندوق في توقعاته يمثل رسائل لا بد من قرائتها من اصحاب القرار قبل تتحول السيناريوهات الناعمة الى كوابيس.
يُقدّم تحديث صندوق النقد الدولي صورة لعالم يتحرك ببطء نحو واقع اقتصادي مختلف.
وتكشف الصدمة الحالية هشاشة التوازنات التي كانت تبدو مستقرة، وتعيد الطاقة إلى موقعها كعامل حاسم في تحديد المسار الاقتصادي.
في المنطقة، يتداخل الدور كمصدر للطاقة مع موقع منطقة تتلقى أثر الصدمة بشطل مباشر ومتعدد الأبعاد. ويخلق هذا التداخل واقعاً صعباً، حيث تتعايش الفرص مع المخاطر، وتصبح القدرة على إدارة المرحلة أكثر أهمية من طبيعة الصدمة نفسها.




