بعد أربعين يوماً من الحرب
الخليج يثبت صلابة منظومته الاقتصادية والمالية

14.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

مع إغلاق جلسة اليوم، في أعقاب إعلان نتائج المفاوضات الاميركية الايرانية في الباكستان، بدا وكأن الأسواق الخليجية أنهت نقاشاً داخلياً أكثر مما كانت تستجيب لخبر واحد. لم يكن إعلان الهدنة نقطة التحول بحد ذاته، بل بداية اختبار لما إذا كانت هذه الهدنة قابلة للاستمرار. وما حدث لاحقاً، إطلاق مسار تفاوضي ثم انتهاؤه دون اتفاق، كشف شيئاً أعمق عن كيفية تفكير الأسواق.

لا تنتظر الأسواق نهاية الأحداث لتتحرك. هي تبدأ بالتسعير عند أول إشارة، ثم تعدّل قناعاتها تدريجياً. وهذا ما حصل. جاء الجزء الأول من تعافي البورصات الخليجية مع إعلان الهدنة، حين بدأت عملية تفكيك علاوة الحرب من الأسعار. أما جلسة اليوم، بعد إعلان نتائج المفاوضات، فجاءت لتؤكد أن هذا المسار كان بمثابة إعادة تموضع مدروسة.

لكن قراءة ما حدث من زاوية الارتفاع فقط تُفوّت جوهر القصة حين يظهر الفارق الحقيقي عند النظر إلى ما لم تُستيعده الاسواق بعد، أي المسافة التي لا تزال تفصلها عن مستويات ما قبل الحرب.

 

التفاوت في الأداء… انعكاس لمسار الصدمة لا لقوة الاقتصاد

يكشف هذا الجدول تباينا في الأداء اضافة الى اختلاف في نقطة الانطلاق. الأسواق التي تعرضت لضغط أكبر خلال الحرب كانت الأكثر حساسية للتعافي. دبي، بحكم اعتمادها على التدفقات التجارية والسياحية، جاءت في المقدمة. أبوظبي وقطر سارتا في الاتجاه نفسه، مع اختلاف في العمق. في المقابل، السعودية والكويت لم تحتاجا إلى ارتداد حاد، لأن بنيتهما لم تتعرض للتراجع نفسه.  يقود هذا التباين إلى استنتاج أساسي وهو أن الأسواق تكافئ المسار الذي سبق الخبر.

بين الهدنة والمفاوضات… السوق تسعّر المسار لا الخبر

غير أن الاختبار الحقيقي لهذا المسار كان في ما تلا اعلان الهدنة. فقد أعطى إطلاق المفاوضات  الأسواق دفعة إضافية، لكن انتهاء هذه المفاوضات دون التوصل إلى اتفاق كان لحظة مفصلية. في ظروف أخرى، كان يمكن لهذا التطور أن يعيد المخاطر إلى الأسعار سريعاً. لكن ما حدث كان مختلفاً. لم تنقلب الأسواق، ولم تعكس الاتجاه، بل واصلت الصعود، وإن بوتيرة أكثر حذراً، خلال جلسة اليوم التي تلت إعلان نتائج المفاوضات.

ويظهر هذا السلوك أن الأسواق تبني تصوراً أوسع للمسار ولا تتفاعل مع كل خبر على حدة.  فهي لم تعد تسعّر  الهدنة  كحدث منفصل، ولا عدم التوصل إلى اتفاق كإشارة حاسمة. لقد قرأتهما ضمن احتمال أكبر يمكن اختصاره بتراجع مستوى التصعيد مع بقاء خطر عودة الحرب قائماً.  اي أن الأسواق لم تبدأ بعد تسعير نهاية الحرب، إنما بدأت تسعير انحسارها.

السيولة المحلية أولاً… والأجنبية تنتظر

وفي خلفية هذا المشهد، يظهر عامل حاسم لا تعكسه المؤشرات مباشرة: من الذي يقود هذه الحركة؟

تشير المعطيات المتاحة من بيانات التداول في تداول السعودية وسوق دبي المالي وبورصة أبوظبي إلى نمط واضح. جاءت موجات الشراء الأولى وإعادة بناء المراكز أساساً من المستثمرين المحليين، سواء عبر المؤسسات أو الأفراد أو القنوات شبه الحكومية، خلال الجلسات التي تلت إعلان الهدنة.

في المقابل، لم يختف المستثمر الأجنبي، لكنه لم يعد بقوة بعد خلال جلسة اليوم. ما يظهر من حركة التداول هو عودة تدريجية وانتقائية، تتركز في الأسهم القيادية، دون تدفقات واسعة تشمل السوق بالكامل. عاد جزء من رأس المال الأجنبي لاقتناص فرص ما بعد الهدنة، لكن جزءاً آخر لا يزال ينتظر وضوحاً أكبر في المسار.

أن هذه الدينامية تحمل دلالة مهمة وهي أن الأسواق ترتفع اليوم لأن هناك ثقة داخلية كافية لدعمها، وليس لأن الأموال العالمية عادت بالكامل. وهذا يعني أن هناك سيولة كامنة خارج السوق يمكن أن تدخل لاحقاً، إذا استقر المشهد، وتدفع بموجة صعود ثانية أكثر استدامة.

ويفسر هذا التوازن بين الشراء المحلي والحذر الأجنبي أيضاً سلوكاً بدا متناقضاً تمثل بارتفاع الأسهم بالتوازي مع استمرار الطلب على أدوات التحوط. مما يعني أن السوق لا يتصرف وكأن المخاطر تراجعت دون أن تزول.

صلابة تحت الاختبار… وما بعدها

بعيداً عن التداولات اليومية، أثبتت هذه التجربة أن المنظومة الاقتصادية والمالية في الخليج لم تتعرض للاختلال طوال فترة الأربعين يوماً من الحرب. لم نشهد ضغطاً على العملات، ولا أزمة سيولة مصرفية، ولا توقفاً في التمويل. وهذا النوع من الصمود هو نتيجة تراكم سياسات واحتياطيات وإدارة حذرة للمخاطر ولم يكن وليد لحظته.

فالهدنة اذن لم تنقذ الاقتصادات الخليجية. على العكس، كشفت تجرية الحرب قدرة هذه الدول على الصمود حتى في ظل استمرار الضغط لفترة أطول أكثر من المتوقع. لكن الحرب في الوقت نفسه سرعت إدراكاً كان قائماً نظرياً وهو أن إدارة المخاطر اصبحت مسألة بنيوية تتعلق بالممرات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، وتوزيع مصادر الدخل كما هي مسألة مالية.

ما تقوله الأسواق اليوم، بعد إغلاق جلسة التداول، هو أن المرحلة الأخطر انتهت، لكن المسار لم يُحسم بعد. التعافي لن يكون خطاً مستقيماً، بل سلسلة من الاختبارات التي تشمل استقرار الملاحة، عودة النشاط الاقتصادي، وثبات التهدئة.

لكن وسط كل هذا، هناك حقيقة أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لم يخرج الخليج من هذه الحرب كما دخلها. خرج وهو أكثر صلابة، وأكثر حذراً، وأكثر قدرة على تحويل الصدمات إلى فرص انطلاق. وهذا، في النهاية، هو ما بدأت الأسواق تسعّره فعلاً.

 

Bottom of Form