الاقتصاد والأعمال
جاء الإطار التنظيمي الجديد الذي أطلقته هيئة سوق المال في دولة الامارات العربية المتحدة ليضع الأصول الافتراضية ضمن منظومة مؤسسية أكثر نضجاً واتساقاً. اضافة الى تحديث القواعد، يهدف هذاالإطار إلى بناء مظلة اتحادية تربط بين الاطر التنظيمية القائمة في الدولة وتمنحها بعداً تكاملياً واضحاً.
من تعددية الأطر إلى تكامل وطني
تطورت الأصول الافتراضية في الإمارات عبر مسارات متعددة، لكل منها خصوصيته ودوره. في دبي، برزت هيئة تنظيم الأصول الافتراضية كنموذج متخصص لتنظيم هذا القطاع، مع إطار تفصيلي يغطي مختلف الأنشطة من التداول إلى الحفظ وإدارة الأصول.
وفي أبوظبي، كان "أبوظبي العالمي" من أوائل المراكز التي طورت إطاراً متقدماً للأصول الرقمية، عبر ذراعه التنظيمية، ما أتاح استقطاب مؤسسات مالية عالمية ضمن بيئة منظمة وواضحة.
أما مركز دبي المالي العالمي، فقد تبنى مقاربة مختلفة ترتكز على تطوير بيئة قانونية ومالية تستوعب الابتكار في الأصول الرقمية ضمن منظومة الأسواق المالية التقليدية.
وفرت هذه التعددية مختبراً تنظيمياً واسعاً ساعد على اثراء وتعميق تجربة الاصول الافتراضية في الامارات. إلا أن الحاجة إلى إطار اتحادي جامع أصبحت أكثر إلحاحاً مع اتساع السوق وتعقد نماذج الأعمال. وهنا يأتي الإطار الجديد ليؤدي دور المظلة، التي توحد المعايير وتنسق بين هذه الأنظمة، من دون أن تلغي خصوصية كل مركز أو تحدّ من مرونته.
مظلة تعزز ولا تستبدل
لا يعيد الإطار الجديد بناء التنظيم من الصفر، لكنه ينطلق من الواقع القائم ويعززه. فهو يوفر مرجعية اتحادية لمجموعة من المبادئ الأساسية مثل الحوكمة، والامتثال، وإدارة المخاطر، وحماية المستثمرين، بما يخلق أرضية مشتركة تعمل فوقها الأنظمة المحلية في أبوظبي ودبي.
يتوقع أن يخفف هذا التكامل من التعقيد الذي قد تواجهه الشركات العاملة عبر أكثر من مركز مالي، ويمنحها وضوحاً أكبر في ما يتعلق بالمتطلبات التنظيمية. كما يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات العالمية، التي تفضل العمل ضمن بيئات تتسم بالاتساق التنظيمي على مستوى الدولة ككل.
تنظيم يعكس طبيعة السوق المتغيرة
يُظهرالهيكل الذي يقوم عليه الإطار، من متطلبات عامة وسلوك أعمال وأنظمة تداول ومكافحة غسل الأموال ومتطلبات احترازية، إدراكاً لطبيعة هذا القطاع، حيث تتداخل الابتكارات التقنية مع المخاطر المالية بشكل مباشر .
كما أن توسيع نطاق الأنشطة الخاضعة للتنظيم ليشمل التداول، والحفظ، وإدارة المحافظ، وتقديم المشورة، وتشغيل مرافق التداول، يشير إلى انتقال السوق من مرحلة محدودة الأنشطة إلى منظومة مالية متكاملة .
وفي هذه المناسبة، قال وليد سعيد العوضي، الرئيس التنفيذي لهيئة سوق المال: "تشهد الأصول الافتراضية تحولاً في كيفية عمل الأسواق المالية، الأمر الذي يتطلب تطور الأطر التنظيمية بالوتيرة ذاتها. ويُرسخ هذا الإطار أسساً واضحة وشاملة لتنظيم أنشطة الأصول الافتراضية في دولة الإمارات، بما يتيح للابتكار أن ينمو ضمن بيئة موثوقة تضمن حماية المستثمرين وتعزز نزاهة الأسواق."
جسر بين النظامين الماليين
من أبرز ما يحمله هذا الإطار هو إدماج مفهوم نظام التداول البديل، الذي يشمل الأصول الافتراضية والأوراق المالية التقليدية والأصول المرمّزة. وتؤكد هذه المقاربة وجود توجه واضح نحو دمج النظام المالي التقليدي مع الاقتصاد الرقمي. وهذا ما يجعل التنظيم أداة لبناء الجسور بين عالمين كانا منفصلين. وهو يضع الأسس لأسواق أكثر تكاملاً، حيث يمكن تداول الأصول بمختلف أشكالها ضمن بنية واحدة.
دور المصرف المركزي: تثبيت الاستقرار في بيئة متغيرة
إلى جانب الجهات التنظيمية للأسواق، يلعب مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي دوراً محورياً في هذا المشهد، خصوصاً في ما يتعلق بربط نشاط الأصول الافتراضية بالنظام المالي التقليدي.
يتجلى هذا الدور في الإشراف على الجوانب المرتبطة بالمدفوعات، وفي تطوير مشاريع العملة الرقمية، وفي ضمان أن نمو هذا القطاع لا ينعكس سلباً على الاستقرار المالي. ويعكس هذا التداخل بين الأدوار التنظيمية طبيعة الأصول الافتراضية نفسها، التي لا يمكن فصلها عن بقية مكونات النظام المالي. وفي هذا الإطار، يتولى مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي مسؤولية ترخيص وتنظيم العملات المستقرة عندما تُستخدم كوسيلة للدفع، بما يضمن ارتباط هذا النشاط مباشرة بأهداف الاستقرار النقدي وسلامة النظام المالي.
الإمارات في سباق المراكز المالية الرقمية
لا يمكن قراءة الإطار الجديد بمعزل عن المنافسة العالمية بين المراكز المالية لاستقطاب نشاط الأصول الافتراضية لانه سيساعد على تعزيز قدرة الدولة على توفير بيئة تنظيمية متكاملة تجمع بين المرونة والوضوح.
ما يميز الإمارات في هذا السياق هو نموذجها متعدد المراكز، الذي يجمع بين أبوظبي ودبي ضمن منظومة واحدة، ويمنح كل منهما دوراً تكميلياً. ويأتي الإطار الاتحادي الجديد ليحول هذا النموذج إلى بنية أكثر ترابطاً، قادرة على استيعاب النمو المستقبلي للقطاع.
نحو منظومة مالية رقمية متكاملة
يمثل هذا التنظيم تحولاً في طريقة النظر إلى الأصول الافتراضية في الامارات ويتوقع أن يكون له دور حاسم في تحويله من قطاع ناشئ إلى ركيزة ضمن النظام المالي. ومع وجود مظلة اتحادية تربط بين مختلف الأطر التنظيمية، تصبح الإمارات أقرب إلى بناء منظومة مالية رقمية متكاملة، قادرة على جذب النشاط العالمي وترسيخ موقعها في قلب التحولات الجارية في الأسواق.
يتعدى هذا التحول مسألة التشريع، ليشمل موقع الدولة في الاقتصاد المالي الجديد، حيث تتقاطع الابتكارات التقنية مع البنى التنظيمية في إطار واحد.




