الأمن الغذائي في لبنان:
هشاشة هيكلية تكشفها الأزمات

14.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

سهاد أبو زكي

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية في المنطقة أو تندلع أزمة، يعود الحديث عن الأمن الغذائي في لبنان إلى الواجهة. تتكاثر التحذيرات ويرتفع منسوب القلق، ثم سرعان ما يخفت مع هدوء الأوضاع. هذا النمط المتكرر في التعاطي يعكس فهمًا ضعيفاً للمشكلة، وكأن الأمن الغذائي ملف طارئ يرتبط بالحروب والأزمات، لا قضية بنيوية تتطلب معالجة مستمرة.

في الواقع، ما تكشفه الأزمات ليس خللًا طارئًا، بل نظامًا يعاني من ضعف متراكم منذ سنوات. فالأمن الغذائي في لبنان لم يكن مستقرًا حتى في الفترات “الهادئة”، بل قائمًا على توازن هشّ بين الاستيراد، والقدرة الشرائية، واستمرارية سلاسل الإمداد. ومع أي صدمة خارجية، يتفكك هذا التوازن سريعًا، كاشفًا هشاشة النظام.

لمحة حول وضع توفر الغذاء وإمكانية الوصول إليه في ظل الحرب

 

توفر الغذاء

يرتكز توفر الغذاء، وهو الركن الأول للأمن الغذائي، على ثلاثة عناصر رئيسية: الاستيراد، والإنتاج المحلي، والاحتياطات الاستراتيجية.

بشكل عام، لم يواجه لبنان  في هذه الحرب  نقصًا في المواد الغذائية وبقيت الأسواق في العديد من المناطق تعمل بشكل شبه طبيعي، واستمرت الواردات تصل وان مع بعض التأخير. لكن هذا الاستقرار الظاهري يخفي وراءه ارتباطاً عميقًا  بعوامل وديناميات خارجية تتحكم به بدل ان يتحكم بها. من حيث توفر الغذاء، يعتمد لبنان بشكل كبير على الاستيراد لتلبية حاجاته الغذائية، إذ لا يغطي الإنتاج المحلي سوى نحو 20 في المئة من الاستهلاك، فيما يتم تأمين ما يقارب 80 في المئة عبر الأسواق الخارجية. وتزداد هذه النسبة في بعض السلع الأساسية، حيث تتجاوز في الحبوب 80 في المئة، وفي الزيوت النباتية 90 في المئة، وتصل إلى نحو 60 في المئة في اللحوم الحمراء. هذا الاعتماد المرتفع يجعل الأمن الغذائي مرتبطًا بشكل مباشر بتقلبات الأسواق العالمية، لا سيما أسعار الطاقة وتكاليف الشحن واي صدمة في سلاسل الامداد الخارجية. وقد برز ذلك بوضوح مع إقفال مضيق هرمز الذي أدى الى ارتفاع أسعار النفط و زيادة فورية في كلفة النقل والتأمين، ما انعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد وضاعف الضغط على الأسعار المحلية.

على مستوى المخزون، فالوضع أكثر هشاشة. فمخزون القمح المتوفر لا يكفي إلا لفترة تتراوح بين شهر وشهرين، فيما تحتفظ المطاحن بمخزون تشغيلي يقارب 40 يومًا، وتعتمد المتاجر على مخزون لا يتجاوز ثلاثة إلى أربعة أسابيع. ومنذ تدمير أهراءات مرفأ بيروت عام 2020، فقد لبنان قدرته على التخزين المركزي، ما جعل استمرارية توفر الغذاء تعتمد فعليًا على تدفق مستمر للواردات بدلًا من احتياطيات استراتيجية. ورغم طرح إنشاء ثلاث منشآت تخزين لامركزية في مناطق مختلفة كبديل عن أهراءات مركزية، لا تزال هذه المبادرات في إطار النقاش ولم تتحول إلى خطوات تنفيذية، ما يبقي البلاد مكشوفة أمام أي اضطراب مفاجئ في سلاسل الإمداد.

من ناحية الإنتاج المحلي، فاقمت الحرب أزمة الزراعة المحلية، حيث تضرر نحو 22 في المئة من الأراضي الزراعية، لا سيما في محافظات النبطية والجنوب والبقاع، وهي مناطق تشكل ركيزة أساسية للإنتاج المحلي. إذ تساهم النبطية والجنوب بما يتراوح بين 20 و22 في المئة من هذا الإنتاج، فيما تساهم مناطق البقاع وبعلبك-الهرمل بحوالي 42 في المئة منه، ما يبرز حجم التأثير المباشر لأي اضطراب يصيب هذه المناطق. كما أدى النزاع إلى نزوح أكثر من 70 في المئة من المزارعين فيها، بينما يعاني المزارعون المتبقون للحفاظ على مواردهم. وفي الكثير من المناطق الاخرى يعتري المزارعين قلق حول الجدوى الاقتصادية للزراعة المكثفة في ظل غلاء مدخلات الانتاج والظروف الراهنة ما قد يساهم في فجوة بالعرض ويدفع الى مزيد من الاعتماد على الاستيراد لتعويض هذا النقص.

الوصول الى الغذاء

في معظم الأزمات، تبرز القدرة على الوصول إلى الغذاء، فعلياً أو اقتصاديًا، كالتحدي الأكبر، خاصة في دول تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية مثل لبنان. فقد أدت التطورات الأخيرة إلى نزوح ما يقارب 20 في المئة من السكان، أي أكثر من مليون شخص، خسر جزء كبير منهم أصوله ومصادر دخله، ما أضعف قدرته على الحفاظ على أنماطه الغذائية والتكيف بشكل سليم مع تقلبات الأسعار.وفي المناطق المتأثرة مباشرة، تضررت البنية التحتية وتعطلت سلاسل الإمداد، ما حدّ من الوصول الفعلي إلى الغذاء. ففي الجنوب، لم تعد أكثر من 80 في المئة من الأسواق تعمل بشكل طبيعي، فيما يشير التجار إلى أن مخزونهم في بعض الحالات لا يكفي لأكثر من أسبوع، وفق تقارير برنامج الغذاء العالمي.

اقتصاديًا، يزداد الوضع تعقيدًا. فقد انعكس ارتفاع أسعار الوقود مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، ما أدى إلى زيادة أسعار المواد الغذائية. وتشير التقديرات إلى ارتفاع أسعار الخضار بأكثر من 20 في المئة، فيما ارتفعت أسعار الخبز بنحو 17 في المئة خلال فترة قصيرة. وتأتي هذه الارتفاعات في سياق أزمات متعاقبة منذ عام 2019 أطاحت بالقدرة الشرائية وأجبرت شريحة واسعة من السكان على تعديل أنماط استهلاكها. ومع تآكل الدخل الحقيقي، لجأت العديد من الأسر إلى استراتيجيات تكيف سلبية، شملت بيع الأصول، أو الاستدانة، أو حتى تقليص عدد الوجبات وكمياتها لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. وقد انعكس ذلك بوضوح في مؤشرات انعدام الأمن الغذائي، خصوصًا في المرحلتين الثالثة والرابعة، أي حالتي "الأزمة" و"الطوارئ"، ما يعكس انتقال جزء متزايد من السكان من حالة الهشاشة إلى مستويات أكثر حدة من انعدام الأمن الغذائي.

الأسباب العميقة للهشاشة

هذه الهشاشة ليست نتيجة ظرفية، بل هي انعكاس لاختلالات بنيوية تراكمت على مدى سنوات.

أولا, يبرز في مقدمة هذه الاختلالات التراجع المستمر للقطاع الزراعي، حيث انخفضت مساهمته إلى نحو 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة سنوات من الإهمال وضعف الاستثمار وغياب السياسات الداعمة على عقود. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، ركزت سياسات إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي على الاندماج في الأسواق العالمية، ما عزز دور الاستيراد وسلاسل التوريد الخارجية في النظم الغذائية المحلية. توسعت الزراعات التجارية المكثفة التي تعتمد على بذوروأسمدة مستوردة، في حين تراجع دور المزارعين الصغار الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للإنتاج المحلي وباتت سلة الغذاء اللبنانية مرتبطة بشكل وثيق بمصادر خارجية منفصلة إلى حد كبير عن مواردها المحلية. هذا النموذج نفسه يتحول إلى نقطة ضعف أساسية عند أي اضطراب، سواء كان جيوسياسيًا أو اقتصاديًا.

ثانيا، يواجه المزارعون تحديات متزايدة تشمل ارتفاع تكاليف المدخلات،عدم توفر مصادر ائتمان أو قروض زراعية، وضعف البنية التحتية، وعدم استقرار مصادر الطاقة والمياه، فضلًا عن الاعتماد الكبير على مستلزمات الإنتاج المستوردة ما خلق حلقة مفرغة من التبعية. فكلما ضعفت القدرة الإنتاجية المحلية، زاد الاعتماد على الخارج، وكل ما زاد الاعتماد على الخارج زاد التأثر بالصدمات الخارجية وتراجعت القدرة على الإنتاج أكثر، ما يضاعف من هشاشة النظام الغذائي المحلي ويقيد قدرته على الصمود.

ثالثًا، يتسم السوق المحلي بدرجة مرتفعة من التركّز والاحتكار، حيث تستحوذ مجموعة محدودة من المؤسسات التجارية على عمليات الاستيراد والتوزيع، ما يحدّ من المنافسة ويجعل الأسعار أكثر حساسية للصدمات الخارجية. هذه البنية السوقية لا تكتفي بنقل آثار التقلبات العالمية، بل تضخّمها وتسرّع انتقالها إلى الأسواق المحلية، ما يضيف عبئًا إضافيًا على المستهلكين ويقوّض القدرة الشرائية.

وتتفاقم هذه العوامل في ظل بيئة اقتصادية وسياسية هشّة، حيث أدت الأزمات المالية المتلاحقة، وتدهور العملة، وارتفاع معدلات التضخم إلى تقليص قدرة الدولة على التدخل الفعّال، وإضعاف قدرة الأسر على امتصاص الصدمات، ما يجعل أي اضطراب خارجي يتحول سريعًا إلى أزمة داخلية.

تأملات في الواقع الحالي وبعض الدروس المستقاة

يفرض هذا الواقع إعادة النظر في عدد من المسلمات التي حكمت مقاربة الأمن الغذائي في لبنان لعقود. فالابحاث في هذا المجال، لا سيما بعد أزمات الغذاء العالمية وجائحة كوفيد-19، تشير بوضوح إلى أن الأمن الغذائي لا يُقاس فقط بتوفر الغذاء، بل بقدرة النظام ككل على امتصاص الصدمات والتكيف معها. وبالتالي لم يعد ممكنًا التعامل مع الأمن الغذائي كملف يُدار في أوقات الأزمات فقط.  والدراسات الحديثة حول “مرونة الأنظمة الغذائية (Food System Resilience)  تؤكد أن الدول التي نجحت في الحد من آثار الأزمات هي تلك التي استثمرت مسبقًا في تنويع مصادر الإمداد وتعزيز قدراتها الإنتاجية المحلية. في هذا السياق، يظهر بوضوح أن لبنان يفتقر إلى هذا النوع من التخطيط الاستباقي، حيث يتم الانتقال من أزمة إلى أخرى دون معالجة الأسباب الجذرية.

ثانيًا، رغم أن الاكتفاء الذاتي الكامل ليس هدفًا واقعيًا في حالة لبنان نظرًا لمحدودية موارده وتقلص الاراضي الزراعية، إلا أن الدراسات تشير إلى أهمية ما يُعرف بـ”السيادة الغذائية الجزئية” أو تقليص الاعتماد الاستراتيجي على الخارج في سلع معينة. فتجارب دول صغيرة ومفتوحة اقتصاديًا أظهرت أن تعزيز الإنتاج المحلي في سلع أساسية مثل الحبوب أو المنتجات الزراعية الأساسية يمكن أن يقلل بشكل ملموس من التعرض للصدمات الخارجية، حتى دون تحقيق اكتفاء كامل.

ثالثًا، تؤكد الدراسات في مجالات الاقتصاد السياسي والأمن أن العلاقة بين الغذاء والاستقرار ليست خطية، علاقة تفاعلية. فالأزمات الغذائية لا تؤدي فقط إلى ضغوط اقتصادية، بل يمكن أن تتحول إلى عامل محفّز لعدم الاستقرار. وفي المقابل، يؤدي عدم الاستقرار إلى تفكيك الأنظمة الغذائية من خلال تعطيل سلاسل الإمداد، ما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها.

رابعًا، يكشف النموذج اللبناني عن اختلال في التوازن بين الفعالية والمرونة. فالنظام الحالي، القائم على الاستيراد والاحتكار في السوق، قد يبدو فعالًا من حيث الكلفة في الظروف الطبيعية، لكنه يفتقر إلى القدرة على الصمود عند الصدمات. فالأنظمة “الأكثر كفاءة” اقتصاديًا قد تكون في الوقت نفسه “الأكثر هشاشة” عند الأزمات، ما يفرض إعادة التفكير في كيفية تصميم سلاسل الإمداد لتكون أكثر تنوعًا ومرونة.

وأخيرًا، ان الاعتماد على الحلول قصيرة الأجل، مثل الدعم أو المساعدات الطارئة، قد يخفف من حدة الأزمات لكنه لا يعالج جذورها. بل على العكس، قد يؤدي في بعض الحالات إلى ترسيخ الاختلالات القائمة إذا لم يترافق مع إصلاحات هيكلية. وبالتالي، فإن معالجة الأمن الغذائي في لبنان تتطلب الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة بناء النظام على أسس أكثر استدامة.

ويبقى السؤال الأهم هو: هل هناك إرادة فعلية لإعادة بنائه بطريقة أكثر توازنًا واستدامة؟