بقلم د. خالد عيتاني*
في الجغرافيا السياسية، لا يُقاس فشل المفاوضات بما لم تُنتجه من اتفاقات، بل بما تكشفه من حدود القوة وحدود التسوية في آنٍ واحد. ومفاوضات إسلام آباد لم تفشل لأنها لم تُنتج اتفاقًا، بل لأنها كشفت أن الاتفاق نفسه لم يعد الهدف المباشر، بل أصبح أداة ضمن معركة أوسع لإعادة تعريف ميزان القوة في الإقليم. ما جرى لم يكن تعثرًا دبلوماسيًا، بل انتقالًا صريحًا من مرحلة “إدارة التفاوض” إلى مرحلة “هندسة الإكراه”، حيث تتحول الطاولة من مساحة للحل إلى منصة لإعادة صياغة الشروط التي سيُفرض القبول بها لاحقًا.
لم تدخل الولايات المتحدة هذه الجولة وهي تبحث عن تسوية تدريجية، بل وهي تسعى إلى تثبيت معادلة ما بعد الحرب: تقليص جذري للتخصيب، إخراج اليورانيوم عالي التخصيب، إنهاء القدرة على “الاندفاع النووي السريع”، وربط ذلك بإعادة تنظيم المجال الإقليمي—من حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى ضبط الأذرع والصواريخ. في المقابل، لم تدخل إيران لتفاوض على تحسين شروطها، بل لتمنع إعادة تعريف موقعها؛ إذ رأت أن أي تنازل في هذه اللحظة لن يُقرأ كتسوية، بل كهزيمة استراتيجية تُفرغ منظومة ردعها من مضمونها. هكذا اصطدم في إسلام آباد سقفان لا يمكن التوفيق بينهما في جلسة واحدة: سقف يريد تقييد إيران، وسقف يريد منع نزع ردعها.
في هذا السياق، لم يكن سلوك الوفد الأميركي تفصيلًا شكليًا. لقد تصرّف وفق نمط كلاسيكي محسوب: طرح “عرضًا أخيرًا” كأداة ضغط، أبقى باب العودة مفتوحًا عبر قنوات غير مباشرة، ثم أنهى الجولة برسالة واضحة مفادها أن واشنطن لن تفاوض إلى ما لا نهاية. هذه ليست إدارة جلسة، بل هندسة خروج تمهّد لمرحلة ضغط. وتأتي تصريحات جي دي فانس لتؤكد هذا التحول؛ فحين اعتبر أن عدم الاتفاق أسوأ لإيران من الولايات المتحدة ولوّح بحصار اقتصادي أشد، كان يعلن انتقالًا من دبلوماسية الفرصة إلى دبلوماسية الإنذار، حيث يصبح البديل عن الاتفاق ليس الحرب الشاملة، بل الخنق التدريجي عبر الاقتصاد والممرات البحرية والزمن نفسه.
غير أن العقدة الأعمق لم تكن في الشروط وحدها، بل في بنية الثقة. الولايات المتحدة تقول إنها لم ترَ التزامًا إيرانيًا طويل الأمد يمكن البناء عليه، وإيران ترى أن واشنطن لم تقدم ضمانات كافية، وأن أي اتفاق بلا ضمانات هو فخ مؤجل. هكذا لم يعد الخلاف على “ما هو الاتفاق”، بل على “إمكان الثقة أصلًا”. وفي ظل هذا الانعدام البنيوي للثقة، تحوّل تاريخ نكث الاتفاقات إلى عنصر تفاوضي فعلي يعطّل الحاضر.
تضاعف التعقيد لأن الطاولة لم تحمل ملفًا واحدًا، بل سلةً متضخمة: النووي بتفاصيله (تخصيبًا ومخزونًا وقدرة)، هرمز بوصفه سيادةً وممرًا عالميًا، العقوبات والأصول المجمدة، الصواريخ الباليستية، الأذرع الإقليمية، أمن الخليج، قواعد الاشتباك، وحتى ملفات الأسرى. لم تكن هذه مفاوضات تقنية، بل محاولة لإعادة كتابة النظام الإقليمي دفعة واحدة—وهو ما يفسّر لماذا لم يفشل بند بعينه، بل فشل المنطق الذي جمع هذه البنود كلها في صفقة واحدة.
في المقابل، قدّمت الرواية الإيرانية تفسيرًا معاكسًا: المشكلة ليست في مبدأ التفاوض، بل في “الشروط الأميركية القصوى”—تجريد نووي واسع، تنازلات في هرمز، وضغط على الحلفاء، من دون مقابل كافٍ في العقوبات والأصول والضمانات. بهذا المعنى، لم ترفض طهران تسوية، بل رفضت “اتفاق إذعان”. وهذه نقطة مفصلية، لأنها تربط التفاوض بشرعية الداخل: كيف تُباع النتيجة للنظام والرأي العام، لا ماذا تتضمن على الورق فقط.
أما ما بعد الفشل، فهو جوهر المسألة. لم ينتهِ المسار، لكنه تغيّر. دخلت المنطقة مرحلة يمكن توصيفها بـ**“التفاوض المؤجل داخل الضغط”**: لا انسحاب رسمي، قنوات خلفية مستمرة، وإمكان لجولات جديدة—لكن بكلفة أعلى وشروط أشد. هنا لا تكون الهدنة سلامًا، بل أداة لإدارة الوقت وإعادة التموضع واختبار النيات. وما يتشكل فعليًا هو سيناريو “اللا حسم المنظَّم”: لا اتفاق، لا حرب شاملة، ضغط مستمر، واستنزاف طويل المدى. وهذا ليس مجرد احتمال، بل السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، لأنه يسمح لواشنطن بتعظيم الضغط بأدوات أقل كلفة من الحرب، ولطهران بتفادي تنازل استراتيجي سريع مع الحفاظ على خطوط ردعها الأساسية—لكن بثمن إبقاء الإقليم كله على حافة التوتر.
في هذا الإطار، يصبح التصعيد أداة تفاوض لا نقيضًا له. فواشنطن لن تندفع إلى حرب واسعة، لكنها لن تعود إلى طاولة بلا أثمان. الأداة الأكثر فاعلية هنا هي الحصار البحري–الاقتصادي: تضييق حركة النفط، رفع كلفة التأمين والنقل، مراقبة الممرات، وتوسيع الضغوط المالية—أي تحويل الزمن إلى عامل إنهاك. هذا ليس ضربة حاسمة، بل تآكل بطيء يهدف إلى إعادة تعريف شروط الجولة المقبلة. غير أن فعاليته ليست مطلقة؛ فإذا طال أمده بلا اختراق سياسي، قد يتحول من أداة ضغط إلى بيئة صراع مزمنة تتكيف معها إيران نسبيًا، ولو بكلفة عالية—وهنا تكمن نقطة التحول التي يجب مراقبتها: متى يفرض الضغط شروطه، ومتى يفقد قدرته على الحسم؟
يبقى مضيق هرمز عقدة المرحلة. أي تهديد جدي له يضر الخليج مباشرة، ويهز أوروبا عبر الطاقة، ويضع الصين أمام معضلة بين استفادتها من النفط الإيراني الرخيص وحاجتها إلى الاستقرار العالمي وتجارتها مع الولايات المتحدة ومع الغرب ودول الخليج. لذلك لن يكون الإغلاق الكامل الخيار المرجح—لأنه يقترب من معنى الانتحار الاقتصادي—بل ضغط متبادل محسوب: تهديد دون إغلاق، اختبار دون انفجار، وهرمز يتحول إلى مقياس يومي لحرارة الصراع.
ضمن هذا المشهد، تتحدد أدوار اللاعبين. باكستان وسيطٌ يحافظ على القنوات ولا يفرض الحل. الصين تمارس دعمًا اقتصاديًا محسوبًا وضغطًا هادئًا لتجنب الانفجار، من دون اندفاع إلى دعم عسكري مباشر. القوى البحرية الغربية قد تشارك في حماية الملاحة لا في حرب شاملة. إسرائيل تدفع نحو رفع السقف في ملف الأذرع والصواريخ، لكنها تبقى مقيدة بالسقف الأميركي، ما يرجّح نمط التصعيد المحدود منخفض الوتيرة بدل الانفجار الإقليمي.
أما داخل إيران، فإن بروز محمد باقر قاليباف لا يُقرأ كمؤشر أحادي على التصلّب أو الانفتاح، بل كدليل على انتقال القرار إلى البنية الصلبة للنظام. وفي الأنظمة المركبة، قد تكون الشخصية الأكثر تشددًا أقدر على تمرير تنازل مدروس من الشخصية الأكثر مرونة، لأنها تملك الغطاء المؤسسي والسياسي؛ فالتنازل حين يأتي من “صلب النظام” يُقدَّم كإعادة تموضع لا كضعف. بهذا المعنى، لا يشير صعود قاليباف إلى إغلاق باب التسوية بقدر ما يشير إلى رفع مستوى القرار: من تفاوض تقني إلى تفاوض استراتيجي. وهذا يجعل أي جولة مقبلة—إن حدثت—أقرب إلى حسم مؤجل: إما تسوية مشروطة تُمرَّر من داخل الصلب، أو استمرار إدارة صراع طويل النفس إذا لم تنضج شروطها.
ويتصل بذلك مصير الأذرع الإقليمية، وخصوصًا في لبنان. فهي لن تكون خارج المعادلة، بل في قلبها: تحت ضغط أمني ومالي وسياسي متزايد، بين احتواء تدريجي، أو تقليص نفوذ، أو استخدامها كورقة تفاوضية في مقايضات لاحقة. أي أن مصيرها سيعكس، في أحد أوجهه، شكل التسوية المؤجلة أو طبيعة الصراع المستمر.
يبقى عامل الزمن هو الأكثر حساسية. إيران قادرة على التحمل، لكن ليس إلى ما لا نهاية. الأسواق قادرة على امتصاص التوتر، لكن ليس إلى ما لا نهاية. الخليج قادر على إدارة المخاطر، لكن بكلفة متصاعدة. وواشنطن قادرة على الضغط، لكن دون انفلات أسعار الطاقة التي ترتد عليها داخليًا. هنا يصبح الزمن نفسه أداة صراع: كل طرف يحاول توظيفه ضد الآخر، من دون امتلاك السيطرة الكاملة عليه.
لم تعد القضية أن مفاوضات إسلام آباد فشلت، بل أن وهم إنتاج تسوية تجمع بين وقف الحرب ومنع إعادة تشكيل ميزان القوة قد سقط. ما يتشكل اليوم ليس مسارًا تفاوضيًا تقليديًا، بل نموذج إدارة صراع تتحول فيه الأدوات من الطاولة إلى الممرات البحرية والأسواق والزمن.
لم يعد النفوذ يُقاس بما يُنتزع على الطاولة، بل بما يُفرض خارجها: في مضيق هرمز، في الحصار البحري، في أسعار النفط، وفي توازنات الصين. وحتى داخل إيران، لم يعد القرار دبلوماسيًا صرفًا، بل تصوغه البنية الصلبة للنظام، كما يعكس صعود محمد باقر قاليباف، حيث يصبح التنازل—إن حصل—قرار قوة لا تعبير ضعف.
أما الأذرع الإقليمية، فلم تعد هامشًا، بل امتدادًا للصراع وأداة ضغط واختبار للردع من لبنان إلى البحر الأحمر.
المنطقة لا تتجه إلى حربٍ حاسمة ولا إلى تسوية نهائية، بل إلى صراع يُعاد تشكيله عبر أدوات غير مباشرة: حصار يضغط ولا يُسقط، هرمز يُهدَّد ولا يُغلق، وتفاوض مستمر من موقع الإكراه.
وهنا يتغير السؤال: من يصمد أطول… ومن ينجح في تحويل الضغط إلى قواعد دائمة تحكم المرحلة المقبلة؟
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




