محمد المختار محمد الحسن*
السياق الدولي
يمثّل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 15 في المئة من الطلب العالمي على النفط. وقد أسفر إغلاق هذا المضيق جراء الحرب الدائرة عن ارتفاع حاد في أسعار النفط، بلغ في بعض فترات التصعيد ما يقارب 60 في المئة. يُضاف إلى ذلك التصاعد الكبير في تكاليف التأمين والشحن الذي تفرضه الاضطرابات الجيوسياسية، مما يُرتّب عبئًا غير متكافئ على الدول المستوردة للطاقة التي تتحمّل النصيب الأوفر من هذه التبعات.
الوضع الطاقوي في موريتانيا
أ. الواقع الراهن
تعتمد موريتانيا اعتمادًا رئيسيًا على الوقود الأحفوري (الديزل) في إنتاج الكهرباء، حيث تبلغ الطاقة الإجمالية لمحطات الشركة الموريتانية للكهرباء (صوملك) نحو 500 ميغاواط. في المقابل، لا تتجاوز حصة الطاقات المتجددة -الشمسية والريحية- عتبة 20 في المئة من مزيج الطاقة الوطني، فيما تُقدَّر سعة خزانات الوقود الاستراتيجية بحوالي 123 ألف متر مكعب.
ب. الأثر المباشر على المواطنين
سعيًا لحماية المستهلكين من تداعيات الأزمة، وجدت الدولة نفسها مضطرة إلى تخصيص ما يصل إلى 13 في المئة من ميزانيتها العامة لدعم أسعار الوقود عند المضخة. ومع ذلك، يعاني سكان المدن من وطأة متصاعدة تتجلى في انقطاعات كهربائية متكررة في نواكشوط، وعودة الأسر إلى الاستعانة بالحطب والفحم وقودًا للطهي والتدفئة، فضلًا عن تقييد حركة السير الليلية.
ج. التشخيص الهيكلي
يكشف هذا الواقع عن هشاشة بنيوية عميقة: موريتانيا دولة تعتمد بصورة شبه كاملة على الواردات في تأمين احتياجاتها الطاقوية، مما يجعلها مكشوفة أمام الصدمات الخارجية كالأزمة الراهنة. بيد أن هذا الواقع يغفل مفارقة صارخة: فهذا البلد الذي يُعدّ من أكثر بلدان العالم إشماسًا وتعرّضًا للرياح ينفق سنويًا مئات الملايين من الدولارات على استيراد طاقة يمكنه إنتاجها محليًا بتكلفة زهيدة.

التأثيرات المتوقعة على موريتانيا
على المدى القصير
- ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء مع تصاعد الضغط التضخمي
- إرهاق احتياطيات النقد الأجنبي وتآكل الميزانية العامة
على المدى المتوسط
- اتساع عجز الميزانية جراء تنامي فاتورة دعم الطاقة
- تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي وتراجع القدرة التنافسية
على المستوى الاجتماعي
-ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للمواطن
- تراجع فاعلية سياسات مكافحة الفقر وانعكاساتها على الفئات الهشة
الفرص الاستراتيجية
خلف هذه الأزمة الطارئة تبرز حقيقة لا مفرّ منها: إن التحول السريع والجوهري نحو الطاقات المتجددة ليس ممكنًا فحسب، بل هو الاستجابة الهيكلية الأنسب للأزمة، والاستثمار الأجدى والأكثر مردودية مما يمكن لموريتانيا أن تُقدِم عليه. وتتمحور هذه الفرص حول ثلاثة محاور رئيسية:
- الطاقة الشمسية والريحية: القدرة على إنتاج كهرباء بتكلفة منخفضة جدًا، مما يُقلّص الاعتماد على الواردات ويعزز الأمن الطاقوي الوطني.
- الغاز الطبيعي المحلي: مشروع GTA قادر على إنتاج 2.7 مليون طن سنويًا من الغاز المسال، ويمكن توجيه جزء منه لتغذية محطات توليد الكهرباء المحلية.
-التصدير الإقليمي: مشروع الربط الكهربائي مع مالي (60 ميغاواط) يُمثّل بوابة لتحوّل موريتانيا إلى مركز طاقوي لغرب إفريقيا، مع آفاق واعدة للهيدروجين الأخضر على المدى البعيد.

خيارات السياسة الطاقوية
الخيار الأول: الاستمرار في الوضع الراهن
- المزايا: لا يستلزم استثمارات فورية ضخمة
- المخاطر: استدامة الهشاشة الطاقوية وتصاعد التكاليف على المدى البعيد
الخيار الثاني: إصلاح تدريجي ومتأنٍّ
- توسيع تدريجي ومحدود لحصة الطاقات المتجددة
- ترشيد آليات الدعم ورفع كفاءتها
- المخاطر: بطء التأثير وعدم مواكبة حجم التحديات الراهنة
الخيار الثالث: تحول طاقوي طموح (الخيارالأمثل)
- استثمارات كبيرة في الطاقة الشمسية وتوظيف الغاز المحلي
- تعزيز الربط الكهربائي الإقليمي وتوسيع شبكات التكامل
- إصلاح شامل وعميق لمنظومة القطاع الطاقوي
التوصيات
على المدى القصير (١–٢ سنة)
- تعزيز المخزون الاستراتيجي من الوقود وتنويع مصادر الاستيراد
- مراجعة آليات دعم الطاقة وتوجيهها نحو الفئات الأكثر هشاشة
-تسريع تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية الجاهزة للإطلاق
على المدى المتوسط (٣–٥ سنوات)
-إطلاق برنامج وطني طموح لإنتاج غيغاواط كامل من الطاقة الشمسية
- توظيف الغاز الطبيعي المحلي لتوليد الكهرباء وتقليص فاتورة الاستيراد
- استكمال منظومة الربط الكهربائي مع الدول المجاورة
على المدى البعيد (٥–١٠ سنوات)
- تأهيل موريتانيا لتصبح مُصدِّرًا إقليميًا للطاقة النظيفة
- الاستثمار في تقنيات الهيدروجين الأخضر وتهيئة البنية التحتية اللازمة
- الإسهام الفاعل في بناء سوق إقليمي متكامل للكهرباء
آليات التنفيذ
- التمويل
استحداث نماذج شراكة مبتكرة بين القطاع العام والخاص، بمشاركة هيئات التمويل الدولية كالبنك الدولي، ومؤسسات القطاع الخاص، وصناديق المناخ.
-الحوكمة
إصلاح الإطار التنظيمي لقطاع الطاقة وتحديثه بما يواكب متطلبات التحول الطاقوي ويستقطب الاستثمار الخاص.
-بناء القدرات المؤسسية
تعزيز الكفاءات التقنية والإدارية للشركة الموريتانية للكهرباء (صوملك) والهيئات الحكومية المعنية بقطاع الطاقة.
-التعاون الإقليمي
توطيد الشراكات مع دول غرب إفريقيا وتطوير إطار للتكامل الطاقوي الإقليمي.
خاتمة
تكشف الأزمة الراهنة عن هشاشة عميقة في المنظومة الطاقوية لموريتانيا، لكنها تفتح في الوقت ذاته نافذة استراتيجية لا تُعوَّض للتحول والنهوض. إن الاستثمار الجادّ في الطاقة الشمسية والريحية، وتطوير الغاز الطبيعي المحلي، وتعزيز التكامل الإقليمي، كفيلٌ بأن ينقل البلاد من موقع المتأثر بالأزمات والصدمات إلى موقع الفاعل الطاقوي الإقليمي المؤثر.
الخيار أمام صانع القرار واضح وحاسم: إما الاستمرار في الانكشاف على الصدمات الخارجية وتحمّل تبعاتها المتصاعدة، وإما المضي قدمًا نحو بناء سيادة طاقوية حقيقية ومستدامة تحوّل أزمة اليوم إلى رافعة تنموية للغد.
*وزير موريتاني سابق ومسؤول أممي سابق




