بين هدنةٍ هشّة وتفاوضٍ مُلغّم:
مناوشات فانس وباكستان وإيران
ودور إسرائيل والحضور الصيني

13.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

المنطقة بين تجميد الأزمة أو انفجارها متعدد الجبهات

بقلم: د. خالد عيتاني*

لم يبدأ المشهد من الهدنة نفسها، بل من الخلاف على معناها وحدودها ومسرحها الحقيقي. فمنذ اللحظة الأولى لإعلان التفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، انفجرت مناوشة سياسية–تفسيرية كاشفة لطبيعة الأزمة أكثر مما كشفت عن حلّها: جي دي فانس قال بوضوح إن لبنان ليس داخل وقف إطلاق النار، واعتبر أن إدراج الساحة اللبنانية كان نتيجة “سوء فهم مشروع”، فيما ذهبت الحكومة الباكستانية، بوصفها الراعي والوسيط الذي أنقذ المحادثات في لحظتها الأخيرة، إلى الإيحاء بأن التفاهم أوسع من مجرد وقف نار ثنائي، أو على الأقل إن الجهد الدبلوماسي الذي رعته إسلام آباد كان يفترض أن يمتدّ إلى كبح النار على الجبهة اللبنانية أيضًا. أما إيران، فتعاملت مع المسألة من زاوية مختلفة تمامًا، إذ ربطت صدقية الهدنة نفسها بوقف الضربات على لبنان، وعدّت أن أي تهدئة لا تشمل هذه الساحة تبقى ناقصة سياسيًا، هشّة ميدانيًا، وقابلة للانفجار عند أول اختبار.

لكن التناقض لم يقف عند حدود النص أو التأويل. ففي اللحظة ذاتها تقريبًا التي كان الجدل يحتدم فيها حول ما إذا كان لبنان داخل الطرح الذي نوقش في باكستان أم لا، كانت إسرائيل تُحدث في لبنان واحدة من أعنف موجات القصف، مع سقوط مئات القتلى والجرحى، بما حوّل السؤال من: “هل نجحت الهدنة؟” إلى سؤال أكثر عمقًا وخطورة: أي هدنة هذه التي تبدأ بالخلاف على حدودها، وتُفتتح ميدانيًا بمذبحة جديدة؟ وفي الوقت نفسه، لم تكن النار محصورة بلبنان وحده؛ إذ واصلت إيران استهداف مرافق حيوية في دول خليجية، بما كشف أن الأزمة لم تعد نزاعًا محصورًا بين واشنطن وطهران، بل تحوّلت إلى ضغط متعدد المسارح يطال الخليج ولبنان وطرق الطاقة معًا.

ومن هنا، فإن الصورة التي ترسمها التغطيات الدولية والعربية حتى 9 نيسان/أبريل 2026 لا تقول إن المنطقة تقف بين “سلام” و“حرب” فحسب، بل بين هدنة هشة تُدار بالتأويلات المتناقضة وبين انفجار إقليمي قابل للتوسع. أغلب هذه المنصات تتفق على أن ما حصل هو وقف مؤقت لمدة أسبوعين أو pause أكثر منه اتفاقًا نهائيًا، وأن الخلاف الحقيقي يدور حول ثلاث عقد مركزية: هل يشمل لبنان؟ ما هو مصير مضيق هرمز عمليًا وقانونيًا؟ وهل التفاوض التالي سيتعلق فقط بوقف النار أم أيضًا بالتخصيب والصواريخ والنفوذ الإقليمي؟ هذه ليست تفاصيل جانبية؛ إنها جوهر الأزمة، لأنها تحدد ما إذا كانت الهدنة قابلة للحياة أصلًا، أم أنها مجرد استراحة تكتيكية بين موجتين من الصراع.

دور إسرائيل

هنا تحديدًا يجب التوقف عند دور إسرائيل في العمل على إفشال التفاوض، لا باعتبارها طرفًا منفصلًا عن المشهد، بل باعتبارها لاعبًا يسعى إلى منع أي صيغة تفاوضية قد تُقيّد حرية حركتها أو تُبقي لإيران مساحة لادعاء انتصار سياسي. فحين تقول واشنطن إن لبنان ليس جزءًا من التفاهم، بينما تمضي إسرائيل في أوسع موجة ضربات على بيروت والبقاع والجنوب، فإنها لا تكتفي بالاستفادة من فجوة الصياغة؛ بل تعمل فعليًا على تعميق هذه الفجوة وتحويلها إلى أداة ضغط على مسار التفاوض نفسه. إسرائيل، في هذا السياق، لا تبدو معنية بهدنة تُنتج إطارًا إقليميًا أوسع، بل بهدنة ضيقة تُجمّد المواجهة المباشرة مع إيران وتُبقي يدها طليقة في لبنان. وهذا ليس تفصيلاً تكتيكيًا، بل استراتيجية واضحة: منع تحويل التهدئة إلى منصة تفاوض شاملة قد تشمل لبنان، أو تقلّص هامش إسرائيل في رسم معادلة الردع على حدودها الشمالية.

ولذلك فإن إسرائيل لا تُفشل التفاوض فقط عبر القصف، بل أيضًا عبر فرض تعريفها الخاص للتهدئة. فهي تقول، عمليًا، إن وقف النار يمكن أن يكون قائمًا مع إيران، لكن من دون أن ينسحب على حزب الله أو على الجبهة اللبنانية. وهنا تكمن الخطورة: لأن هذا المنطق لا يكتفي بإخراج لبنان من النص، بل يُخرجه من السياسة نفسها، ويحوّله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات داخل لحظة يُفترض أنها لحظة خفض تصعيد. أي أن إسرائيل لا تتعامل مع التفاوض بوصفه بداية ترتيب إقليمي، بل بوصفه ممرًا مؤقتًا لإعادة تنظيم القوة ثم استكمال الضغط في الساحات التي لا تزال متاحة.

وفي المقابل، لا يمكن قراءة المشهد اللبناني من زاوية الدور الإسرائيلي وحده، لأن إيران نفسها حاضرة في لبنان ليس فقط كطرف داعم، بل كفاعل يساهم—بقصد أو بغير قصد—في تعقيد مسار التفاوض. فطهران، التي تربط صدقية أي هدنة بوقف الضربات على لبنان، لا تكتفي بالموقف السياسي، بل تُبقي الساحة اللبنانية جزءًا من معادلة الردع الإقليمي التي تفاوض عليها. وهذا يعني أن لبنان لا يُستخدم فقط كورقة ضغط على إيران، بل أيضًا كورقة تفاوض من إيران. ففي اللحظة التي تُصرّ فيها على إدراج لبنان ضمن أي اتفاق، هي في الواقع تقول إن نفوذها الإقليمي—وفي مقدمته الساحة اللبنانية—غير قابل للفصل عن أي تسوية. لكن هذه المقاربة تحمل تناقضًا بنيويًا خطيرًا: إذ بينما تسعى إيران إلى تثبيت موقعها عبر لبنان، فإنها تُبقي هذا البلد داخل دائرة الاشتباك المفتوح، ما يجعله عرضة لضربات متكررة، ولتحول أرضه إلى مساحة اختبار للرسائل المتبادلة. وبذلك، لا يصبح لبنان فقط ضحية الاستراتيجية الإسرائيلية، بل أيضًا جزءًا من هندسة الردع الإيرانية، حيث يُستخدم لرفع سقف التفاوض أو تثبيته. هذا الاستخدام المزدوج—كخط دفاع وكورقة تفاوض—يُبقي لبنان في قلب العاصفة، ويمنع تحويله إلى ساحة مستقرة حتى في حال نجاح التهدئة، لأن استقراره يصبح مرتبطًا ليس بقراره الداخلي، بل بوزنه داخل معادلة التوازن بين واشنطن وطهران وتل أبيب.

أما الصين

الصين هي الحاضر الصامت في الحديقة الخلفية للقرار، لا اللاعب الصاخب على الطاولة. ذلك أن بكين لم تظهر في واجهة الصورة مثل باكستان أو الولايات المتحدة، لكنها دخلت في اللحظة الحرجة بوصفها ضامنًا مكمّلًا ومرجعية طمأنة بالنسبة إلى طهران. هذا يعني أن الصين لا تدير التفاوض من الواجهة، لكنها تجلس في العمق الاستراتيجي للقرار: لا تصوغ البنود بالضرورة، لكنها تؤثر في المناخ الذي يسمح بقبولها أو رفضها.

والأهم من ذلك أن دور الصين لا يُفهم فقط من زاوية علاقتها بإيران، بل من زاوية وظيفتها الكبرى في الاقتصاد العالمي وفي معادلة الممرات والطاقة. فبكين ليست قلقة على طهران وحدها؛ هي قلقة على هرمز، وعلى سلاسل الإمداد، وعلى استقرار منطقة تشكل شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة. ولذلك فإن وجودها “خلف الطاولة” ليس عملًا بروتوكوليًا، بل تعبير عن حقيقة أعمق: أي قرار لن يكون ثنائيًا، لأن كلفته عالمية.

ومن هذا المنظور، تصبح باكستان أكثر من مجرد وسيط؛ تصبح مساحة تقاطع بين ضغوط أميركية، وحسابات إيرانية، وغطاء صيني، وقلق خليجي، وتخريب إسرائيلي محتمل. وهذا ما يفسر الارتباك في التصريحات: لأن الطاولة نفسها لم تكن تعاني فقط من خلاف على البنود، بل من تعدد المظلات فوقها.

إذا نجحت المفاوضات، فلن يكون ذلك إعلانًا لنهاية الحرب، بل إعادة تنظيم دقيقة للصراع ضمن سقف يمكن احتماله. سياسيًا، لن يخرج أي طرف منتصرًا بشكل كامل، بل سيدخل الجميع في حالة توازن سردي مؤقت: واشنطن ستقول إنها منعت الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وإيران ستقدّم النتيجة كدليل على أنها لم تُخضع وأن التفاوض عاد إليها لا العكس، فيما ستجد إسرائيل نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا، حيث يُفرض عليها—ولو جزئيًا—سقف سياسي يحدّ من قدرتها على تحويل التصعيد إلى خيار دائم. لكن هذا “النجاح” لا يمس جوهر التناقض، بل يؤجله، لأن السؤال المؤسس سيبقى قائمًا: من يحدد قواعد الأمن في المنطقة؟

وهنا تحديدًا يدخل الإقليم في ما يمكن تسميته مرحلة التجميد الاستراتيجي. أي أن الصراع لا ينتهي، بل يتحول إلى نزاع مضبوط الإيقاع: تُخفَّف حدّته، تُدار وتيرته، لكن لا تُفكك أسبابه. في هذه المرحلة، لا تختفي الجبهات، بل تُجمّد؛ ولا يتراجع الردع، بل يُعاد توزيعه. لبنان لن يخرج إلى السلام، بل سيدخل منطقة رمادية بين الحرب والهدنة: انخفاض نسبي في العنف، لكن من دون حسم سياسي أو ضمانات نهائية، بسبب استمرار الخلاف على شمول ساحته ضمن أي اتفاق. أما الخليج، فلن يكون مجرد متلقٍ للتهدئة، بل سيبقى في قلب المعادلة كـ مساحة استقرار مشروط: تنخفض وتيرة الاستهداف، لكن لا تختفي، وتبقى منشآته الحيوية—النفطية واللوجستية—تحت تهديد كامن يمكن تفعيله عند أي اهتزاز سياسي. وبالتالي، فإن أمن الخليج في هذا السيناريو لا يتحول إلى استقرار فعلي، بل إلى استقرار هش مرتبط مباشرة باستمرار التفاهم السياسي.

مضيق هرمز

أما مضيق هرمز، فسيبقى مفتوحًا… ولكن ليس حرًا بالكامل، بل تحت مراقبة وضغط سياسي–أمني دائم، ما يعني أن التدفق مستمر، لكنه مشروط، وأن أي خلل في التفاهم قد يعيد تحويله إلى نقطة اختناق.

اقتصاديًا، سينعكس هذا النجاح على شكل خفض في علاوة المخاطر لا إلغائها. قد تهدأ الأسواق، وقد تتراجع أسعار النفط نسبيًا، وقد تتحسن حركة الملاحة، لكن الثقة لن تعود بالكامل، لأن الخليج نفسه سيبقى ضمن معادلة الخطر. أي أن الاستثمارات ستبقى حذرة، وكلفة التأمين مرتفعة نسبيًا، والتخطيط الاقتصادي محكوم بإمكانية عودة التوتر. العالم هنا لا يدخل مرحلة استقرار، بل مرحلة تنفّس مؤقت فوق أرضية غير ثابتة.

لذلك، فإن المعنى الحقيقي لهذا السيناريو ليس السلام، بل تجميد منظم للأزمة وشراء للوقت دون حلّها، حيث يبقى الخليج مركزًا حيويًا مستقرًا ظاهريًا، لكنه محاط بهشاشة استراتيجية.

أما إذا فشلت المفاوضات، فإن الفشل لن يكون مجرد انهيار لوقف إطلاق النار، بل انهيار الإطار الذي يضبط الصراع بأكمله. عندها، لن تعود الأطراف إلى نقطة الصفر، بل ستقفز إلى مستوى أعلى من التصعيد، لأن كل طرف سيقرأ الفشل بوصفه إثباتًا لصواب خياره المتشدد: واشنطن ستعتبر أن التفاوض لم يغيّر سلوك إيران، وإيران ستعتبر أن الهدنة كانت غطاءً لإعادة التموضع لا للتسوية، وإسرائيل ستجد في ذلك مبررًا كاملًا للانتقال إلى منطق الحسم بالقوة.

في هذه اللحظة، يتحول الصراع من حالة “مضبوطة” إلى حالة طليقة غير قابلة للسيطرة. لم نعد أمام جبهة واحدة، بل أمام شبكة جبهات متزامنة. لبنان يصبح أول مسرح لتجسيد الانفجار، حيث تتصاعد الضربات ويتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة. لكن الأخطر هنا هو انتقال الخليج من موقع الاستقرار النسبي إلى موقع الاشتباك المباشر.

ففي سيناريو الفشل، لا يعود الخليج مجرد بيئة اقتصادية متأثرة، بل يتحول إلى هدف استراتيجي مباشر:
المنشآت النفطية تصبح نقاط ضغط الموانئ تصبح عرضة للتهديد البنية التحتية للطاقة تتحول إلى أدوات في الصراع.

أما مضيق هرمز، فيتحول من ممر حساس إلى أداة خنق عالمي، حيث يصبح التحكم بالتدفق ورقة ضغط أساسية، لا مجرد نتيجة جانبية.

اقتصاديًا، لن يعود الحديث عن تقلبات، بل عن صدمة عالمية حقيقية تنطلق من الخليج:
ارتفاع حاد في أسعار النفط
تعطل سلاسل الإمداد
ارتفاع كلفة الشحن والتأمين
اضطراب الأسواق العالمية

وهنا، لا تكون الخسارة خليجية فقط، بل تتحول إلى خسارة عالمية، لأن الخليج ليس مجرد منطقة إنتاج، بل عصب الطاقة للاقتصاد الدولي.

والأخطر أن هذا المسار يفتح الباب أمام تدويل أوسع للصراع، حيث تتدخل القوى الكبرى لحماية مصالحها في الطاقة والتجارة، ما يحوّل الخليج إلى نقطة تقاطع بين الصراع الإقليمي والتنافس الدولي.

وهنا نصل إلى السؤال الأخطر: ماذا سيحدث للبنان؟ لبنان، في الحالتين، يدفع الثمن. ففي حال النجاح، يدخل في تهدئة ناقصة. وفي حال الفشل، يصبح أول مختبر للانفجار التالي.

توصيات

الخروج من الأزمة يتطلب تحويل التفاوض من إدارة الصراع إلى تفكيكه، عبر مسار واضح ومُلزِم:

  • تعريف شامل ودقيق لوقف النار يشمل كل الساحات، خصوصًا لبنان، مع آليات تحقق تمنع التأويل والانهيار.
  • ربط التهدئة بالاقتصاد: حماية هرمز والتدفقات العالمية، وجعل العودة للحرب ذات كلفة اقتصادية مباشرة على جميع الأطراف.
  • إطار دولي–إقليمي ضامن (بمشاركة القوى الكبرى) يحوّل الاتفاق إلى جزء من استقرار النظام الاقتصادي العالمي، لا تفاهم هش.
  • إعادة تعريف الأمن الخليجي كأمن موحّد لحماية الطاقة والملاحة، وخفض المخاطر الاستثمارية والاقتصادية.
  • إخراج لبنان من موقع “الساحة” عبر ربط التهدئة بمسار إعادة بناء سيادي–اقتصادي ملزم، بحيث يصبح استقراره شرطًا لأي اتفاق.
  • مسار ثلاثي ملزم: تهدئة شاملة → تثبيت اقتصادي–أمني → معالجة جذور الصراع (النفوذ والتوازنات).

السلام لم يعد خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية عالمية؛ وإلا فالمسار الحالي يعني: دمار مستمر في لبنان، خسائر متصاعدة في الخليج، واضطراب دائم في الاقتصاد العالمي، وربما الى حرب عالمية ثالثة.

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية