الاقتصاد والأعمال
يكشف تقرير نشرته مؤخرا صحيفة وول ستريت جورنال عن توجه إيراني لتحصيل رسوم عبور ناقلات النفط وسفن الشحن عبر مضيق هرمز بالعملات المشفرة، في خطوة تحمل في ظاهرها طابعاً تقنياً، لكنها في جوهرها تعكس تحوّلاً في طريقة تعامل الدول مع النظام المالي العالمي.
في هذه الحالة، تُستخدم العملات المشفرة كجزء من بنية مالية موازية تحاول من خلالها إيران إعادة فتح قنوات الدفع والتسوية خارج النظام التقليدي للالتفاف حول منظومة العقوبات التي تُقيد تعاملات إيران المالية عالمياً منذ عقود. وقد اصبح هذا الاستخدام واسع النطاق وأصبح يؤدي وظائف متعددة تمتد من التجارة إلى تخزين القيمة، ومن تمويل العمليات إلى التحوط من تقلبات العملة المحلية. ويُقدر حجم ما يمكن تسميته باقتصاد إيران المُشفّر بنحو 7.8 مليارات دولار.
العملات المشفرة من أداة التفاف إلى رافعة سيادية
ما يميز الحالة الإيرانية هو التداخل بين استخدام الدولة والمجتمع للعملات المشفرة. فالحكومة، عبر مؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية، تنخرط في هذا المجال لتسهيل التجارة والحصول على موارد مالية يصعب تعقبها أو تعطيلها. وفي الوقت نفسه، يلجأ المواطنون إلى هذه العملات، خصوصاً المستقرة منها، كوسيلة لحماية مدخراتهم في ظل تراجع قيمة الريال وارتفاع معدلات التضخم.
يخلق هذا التلاقي ما يمكن وصفه بنظام مالي موازٍ يعمل خارج القنوات التقليدية ويؤدي وظائفها الأساسية بكفاءة متفاوتة. وهو نظام يتغذى من الضغط الخارجي الناتج عن العقوبات، والضغط الداخلي الناتج عن ضعف العملة المحلية. وبين هذين العاملين، تتحول العملات المشفرة إلى أداة تجمع بين الضرورة والبراغماتية.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات عملية. وتطرح فكرة تحصيل رسوم عبور النفط بالعملات المشفرة، على سبيل المثال، تساؤلات حول قدرة الشركات على تأمين هذه العملات وتحويلها ضمن أطر زمنية قصيرة، وحول البنية التحتية اللازمة لتسوية مثل هذه العمليات. ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه الآلية يكشف عن تحول أعمق في التفكير المالي، حيث تنتقل الدولة من استخدام هذه الأدوات كوسيلة دفاعية إلى محاولة توظيفها كمصدر دخل سيادي.
المال الرقمي بين البقاء والمرونة
ما يحدث في إيران يجد صداه في تجارب دول أخرى، وإن اختلفت الدوافع والسياقات. في فنزويلا، ظهرت العملات المشفرة كوسيلة لتخفيف أثر العقوبات على قطاع النفط، وفي الوقت نفسه كملاذ للمواطنين في مواجهة التضخم الحاد وتآكل قيمة العملة المحلية. وفي روسيا، برزت هذه الأصول ضمن شبكات تسوية بديلة، تتيح استمرار بعض الأنشطة التجارية في ظل القيود المفروضة على النظام المصرفي نتيجة العقوبات.
في المقابل، تظهر حالات أخرى لا ترتبط بالعقوبات بقدر ما ترتبط بضعف الثقة في العملات المحلية. وفي نيجيريا والأرجنتين، على سبيل المثال، أصبحت العملات المستقرة أداة يومية لحفظ القيمة وإجراء المدفوعات، في بيئة تتسم بتقلبات نقدية عالية.
أما تجربة السلفادور، التي سعت إلى إدخال عملة بيتكوين في صلب النظام النقدي، فقد أبرزت حدود هذا التوجه، حيث اصطدمت بتحديات تتعلق بالاستقرار المالي وثقة المستخدمين، وهذا ما دفع الحكومة إلى إعادة تقييم السياسات وتقليص نطاق الاستخدام الإلزامي.
تكشف هذه النماذج المختلفة أن العملات المشفرة بدأت تتحول اىل أدوات متعددة الاستخدامات، تتشكل وفق الظروف الاقتصادية والسياسية لكل بلد. ففي بعض الحالات، هي وسيلة للبقاء، وفي حالات أخرى، أداة لتعزيز المرونة أو لتحقيق طموحات سيادية.
مسار مختلف في الخليج قائم على التنظيم
في مقابل هذه النماذج، تسلك بلدان الخليج مساراً مختلفاً يقوم على التنظيم التدريجي والدمج المدروس. ففي الإمارات العربية المتحدة، تم بناء منظومة متكاملة للأصول الرقمية تجمع بين الابتكار والرقابة. فقد أنشئت سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضية كأول جهة تنظيمية مستقلة مخصصة لهذا القطاع، في حين وضع سوق أبوظبي العالمي إطاراً تنظيمياً مبكراً وشاملاً داخل مركز مالي دولي.
هذا التراكم المؤسسي أتاح انتقال السوق من مرحلة التجربة إلى مرحلة الترخيص الفعلي، بل وإلى مرحلة إصدار أدوات مالية رقمية. فقد بدأ المصرف المركزي الإماراتي بترخيص جهات لإصدار عملات مستقرة مرتبطة بالدرهم، مثل AED Stablecoin LLC وZand Trust ، و DDSC . ويعكس هذا التطور توجهاً واضحاً نحو إدخال هذه الأدوات ضمن النظام المالي الرسمي، خصوصاً في مجالات المدفوعات والتسويات.
أما المملكة العربية السعودية، فتتبنى مقاربة تقوم على التوازن بين الحذر والانفتاح، حيث تستمر التحذيرات من العملات المشفرة غير المنظمة، في حين يجري العمل على دراسة العملات الرقمية السيادية وتطوير البنية التحتية للمدفوعات وفتح الباب واسعا امام تبني وتطبيق التقنيات المالي الحديثة (Fintech).
في البحرين، يظهر نموذج متقدم يقوم على التنظيم المُبكر، حيث وضع المصرف المركزي إطاراً واضحاً لترخيص المنصات وتنظيم إصدار العملات المستقرة، ما جعل المملكة من أكثر البيئات وضوحاً من الناحية التنظيمية في المنطقة.
أما سلطنة عُمان، فتسير بخطوات تدريجية، مع التركيز على تطوير البنية التحتية وترخيص مزودي الخدمات، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالتعدين ومراكز البيانات، في محاولة للاستفادة الاقتصادية من هذا القطاع ضمن ضوابط محددة.
في المقابل، تتبنى الكويت نهجاً حذراً يقوم على الحد من استخدام العملات المشفرة، مع غياب إطار ترخيص واضح حتى الآن، بينما تتجه قطر نحو التركيز على العملة الرقمية للبنك المركزي، مع تقدم في مراحل الاختبار، دون انفتاح واسع على العملات المشفرة الخاصة.
ملامح مشهد العملات الرقمية في دول الخليج

نحو مساحة مالية جديدة
تشير بيانات تشاينليسيس(Chainalysis) ، الشركة العالمية المتخصصة بتحليل بيانات البلوكشين، إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استقبلت نحو 338.7مليار دولار من القيمة المشفرة على السلسلة خلال الفترة الممتدة من يوليو 2023 إلى يونيو 2024، أي ما يعادل نحو 7.5في المئة من النشاط العالمي في تلك الفترة.
ويقصد بهذه القيمة إجمالي الأصول الرقمية التي تم تحويلها إلى عناوين مرتبطة بالمنطقة، بما يشمل المدفوعات والتحويلات والنشاط المؤسسي، وليس فقط التداول في المنصات.
ضمن هذه الكتلة، تبرز الإمارات كأحد أبرز المراكز، إذ استقبلت نحو 34 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بينما تجاوزت السعودية 47 مليار دولار، وهذا ما يعكس ثقلاً متزايداً لدول الخليج داخل هذا النشاط العالمي.
من الواضح أن بلدان الخليج لا تسعى من خلال تبنيها للاصول الرقمية وتنظيم التعامل بها إلى استبدال العملات الوطنية أو الخروج من النظام المالي العالمي أو ايجاد بديل عن هذا النظام، إنما تعمل على تطوير أدوات مالية مُكملة تكون أكثر كفاءة، وأسرع في التسوية، وأكثر قدرة على خدمة التجارة والاستثمار.
بين مسارين
يتضح أن العالم يسير في مسارين متوازيين في التعامل مع المال الرقمي. في دول مثل إيران وفنزويلا، تُستخدم العملات المشفرة كأداة للتعامل مع القيود وإعادة فتح قنوات مغلقة. وفي الخليج، تُستخدم هذه العملات وتقنياتها لبناء منظومة مالية رقمية حديثة ضمن إطار من التنظيم والاستقرار.
الفارق بين المسارين يكمن في السياق والنموذج، وحيث تضيق الخيارات ويضطرب الاقتصاد والسياسة، تتحول العملات المشفرة إلى ضرورة، وحيث تتوفر الإمكانات والرؤية، تتحول إلى فرصة. وبين الضرورة والفرصة، يُرسم مستقبل جديد للمال.




