أزمة الغاز العالمية:
الجزائر في قلب التحول

09.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

مارسيلي فارس

في نهاية شهر آذار/مارس، رست آخر ناقلات الغاز الطبيعي العملاقة التي تمكنت من عبور مضيق هرمز في مرافئ الوصول. دخل العالم في صدمة طاقة يصفها الخبراء بأعمق أزمة طاقة منذ سنة 1973. وصول هذه الناقلات العملاقة، وإن شكّل متنفسًا كبيرًا للمستهلكين، خاصة في أوروبا، فإنه في ذات الوقت يعلن أن العديد من منتجي الغاز الطبيعي أصبحوا خارج الخدمة، خاصة دولة قطر التي تُعد أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. وكل هذه الكميات، والتي تصل إلى 110 مليارات متر مكعب في السنة، منها 10 بالمائة تذهب إلى أوروبا.

وأمام النقص في الإمدادات واحتمال استمراره من جراء الحرب، وبالنظر إلى حجم الأضرار التي تعرضت لها وحدات الإنتاج في حقول قطر لتمييع الغاز الطبيعي، يتساءل الكل سؤالًا واحدًا:
من أين نأتي بالغاز لتعويض النقص، خاصة في الدول الأوروبية، أكثر الأسواق العالمية نضجًا في مسألة الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال؟

طبيعة الغاز تحدد قواعد اللعبة

الإجابة تقتضي معالجة المسألة من عدة زوايا مرتبطة بطبيعة مادة الغاز الطبيعي، والذي يمثل 25 في المئة من استهلاك الطاقة في العالم. مشكلة صناعة الغاز ليست إنتاجه بقدر ما ترتبط بمسألة طريقة نقله من المنتج إلى المستهلك. ومن الناحية العملية، فإن تصدير الغاز الطبيعي يتم بطريقتين فقط: النقل عن طريق الأنابيب من حقل الاستخراج إلى ميناء الاستهلاك، وهذه الطريقة تفترض قربًا جغرافيًا معينًا؛ أما الطريقة الثانية فتتم عن طريق إقامة مصانع لتبريد الغاز الطبيعي في درجات حرارة منخفضة جدًا تصل إلى 161 درجة مئوية تحت الصفر، مما يجعل الغاز سائلًا، وينخفض حجم الغاز المعالج بـ600 مرة، وهذا يسهل نقله عن طريق البواخر العملاقة لنقل الغاز المسال (LNG).

هذه المسائل ذات الطابع التقني تجعل صناعة الغاز الطبيعي ذات طبيعة خاصة، حيث إن سوق الغاز ليس سوقًا موحدًا على غرار سوق النفط، بل هو عبارة عن مجموعة من الأسواق ذات طابع جهوي تتأثر ببعضها البعض، لكنها ليست واحدة، وأهم محدد فيها هو النقل، أي كيفية وبأي طريقة يصل الغاز الطبيعي من حقل الإنتاج إلى المستهلك النهائي.

في ظل الأزمة الحالية، قلنا إن الكل يبحث عن ضمان الإمدادات من الغاز، وفي الوقت اللازم وبكميات محددة وفي الوقت المناسب؛ أي الإجابة على السؤال: أين الغاز بشكليه، السائل والطبيعي؟

الإجابة، رغم التعقيدات المرتبطة بها، بسيطة، على اعتبار أن المحددات التقنية المرتبطة بالغاز الطبيعي تجعل الأنظار تتجه صوب كل من الولايات المتحدة والجزائر. الأولى تمتلك فوائض هائلة من الغاز الطبيعي المسال، لكن المشكلة هي تكلفة نقله من الولايات المتحدة إلى موانئ الاستهلاك. أما الدولة الثانية، فرغم عدم مطاطية إنتاج الغاز الطبيعي لديها، فإنها تملك وسيلتي نقل الغاز الطبيعي عبر الأنابيب، من خلال أنبوبين: الأنبوب الأول ينطلق من الجزائر ويصل إلى إيطاليا عبر تونس، والأنبوب الثاني من الجزائر إلى إسبانيا مباشرة.

وعن طريق مصانع تمييع الغاز المتواجدة في غرب الجزائر، في أرزيو قرب وهران، وفي سكيكدة شرق الجزائر قرب عنابة. وهذه المصانع متواجدة قبالة الشواطئ الأوروبية، أكبر أسواق الغاز الطبيعي في العالم وأكثرها نضجًا.

 

الجزائر في قلب المعادلة

هذه الوضعية الجيوسياسية تجعل من الجزائر طرفًا أساسيًا في معادلة الغاز الطبيعي، على ضوء ما يحدث في مضيق هرمز، وإخراج من السوق كميات معتبرة من الغاز الطبيعي المسال الموجه للتصدير.

منذ بداية الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، توجهت الأنظار الأوروبية صوب الجزائر في شكل تساؤل: هل تستطيع الجزائر المساهمة في إعادة بعض من التوازن إلى سوق الطاقة؟ وهل تملك قدرات إضافية للمساهمة في هذا التوازن الهش؟

الجزائر، ومنذ بداية الأزمة، أرسلت إشارات واضحة في شكل رسائل تؤكد استعدادها كطرف موثوق فيه لتزويد كل الدول الأوروبية بالغاز الطبيعي. ومن أجل ذلك، قامت بتجنيد الفوائض المتوفرة لتصديرها إلى أوروبا عبر الأنابيب أو عن طريق الغاز الطبيعي المسال، مع الإشارة إلى أن الجزائر تملك أسطولها الخاص من ناقلات الغاز الطبيعي المسال، والذي يمكن أن يصل إلى أوروبا مثلًا في يوم أو يومين على الأكثر، في حين يلزم 15 يومًا لوصولها إلى أوروبا انطلاقًا من الولايات المتحدة (أما بالنسبة للبواخر القطرية، فيستلزم الأمر 12 يومًا عبر قناة السويس و30–35 يومًا عبر رأس الرجاء الصالح).

منذ بداية الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، بدأت سوناطراك في رفع قدرات التصدير، وذلك لتحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية. الهدف الأول هو التأكيد على محورية الدور الجزائري في جميع حلقات صناعة الغاز الطبيعي في جنوب وشمال البحر الأبيض المتوسط. الهدف الثاني هو القول إن الجزائر شريك يمكن الوثوق فيه ويتمتع بالمصداقية، ولا يستعمل مطلقًا الغاز الطبيعي كسلاح سياسي؛ أي إن مصداقية الجزائر في مجال تصدير الغاز الطبيعي مطلقة ولا تتأثر بالأحداث الجارية.

إيطاليا، التي ترتبط بالجزائر بأنبوب بحري، كانت أول طرف التقط أهمية ومحورية الدور الجزائري، من خلال تنقل رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني إلى الجزائر ولقائها مع الرئيس عبد المجيد تبون، بهدف الحصول على كميات إضافية من الغاز الجزائري لاستهلاكها في إيطاليا أو إعادة تصديرها إلى دول أوروبية، خاصة ألمانيا وكرواتيا. ففي شهر آذار/مارس المنصرم، استقبلت إيطاليا 2 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الجزائري بشكليه الغازي أو المسال، علمًا أن الجزائر تصدر سنويًا حوالي 25 مليار متر مكعب إلى إيطاليا عبر الأنابيب. كل الاستراتيجية الإيطالية هي ضمان تدفق الغاز الطبيعي الجزائري والبحث عن كميات إضافية، حتى تصبح إيطاليا بمثابة نقطة وصول للغاز الطبيعي وإعادة توزيعه نحو مناطق أوروبية، خاصة كرواتيا وسلوفينيا وحتى ألمانيا.

فرنسا، وعلى الرغم من الأزمة السياسية بين الجزائر وفرنسا، فإن باريس تمكنت من شراء 479 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي الجزائري المسال؛ أي أن فرنسا قامت باقتناء 37 في المئة من إجمالي الصادرات الجزائرية من الغاز المسال، مما يجعلها أول زبون للجزائر في سوق الغاز الطبيعي المسال، قبل تركيا التي اشترت 465 مليون متر مكعب. إسبانيا هي الأخرى سارعت إلى طي خلافاتها مع الجزائر، وكان ذلك واضحًا من خلال عودة زخم الزيارات الإسبانية إلى العاصمة الجزائرية، مع التأكيد على رغبة مدريد في استعمال قدرات الأنبوب الجزائري–الإسباني بسعته القصوى. وظهر هذا من خلال تصدير أكثر من مليار متر مكعب من الغاز الجزائري إلى إسبانيا في شهر آذار/ مارس لوحده، علمًا أن جزءًا من الغاز المستهلك في جارة إسبانيا، البرتغال، مصدره الجزائر، ويصل إلى لشبونة عبر شبكة الأنابيب الرابطة بين الجارتين.

باختصار، فإن شهرًا واحدًا من أزمة الطاقة في العالم نجم عنه ارتفاع صادرات الجزائر من الغاز المسال بـ41 بالمائة، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ارتفاع بهذا المستوى، وهو ما يمثل ارتفاعًا سنويًا يُقدَّر بـ56 بالمائة. أما بالنسبة للتصدير عبر الأنابيب، فإن الصادرات الجزائرية نحو شمال المتوسط، فقد ارتفع منسوب التدفق عبر أنبوب "ميدغاز" الرابط بين الجزائر وإسبانيا بـ32 مليون متر مكعب يوميًا، أي حوالي مليار متر مكعب شهريًا. وتسعى إسبانيا إلى حث السلطات الجزائرية على دفع قدرات الأنبوب الذي يربطها بها إلى أقصى طاقاته، التي تصل إلى 10.5 مليارات متر مكعب سنويًا. وعلى مستوى عائدات الجزائر جراء الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي، فإن التقديرات الأولية تصل إلى حوالي 4 مليارات دولار، مما يجعل العائدات السنوية في الجزائر تصل إلى ما بين 55 و60 مليار دولار، علمًا أن عائدات الجزائر وصلت إلى 45 مليار دولار في العام المنصرم.

ما بعد الأزمة

التصريحات الصادرة عن أكثر من مسؤول في الجزائر، ومن مختلف المستويات، تؤكد أن ما يهم الجزائر ليس تحقيق عائدات إضافية ظرفية مرتبطة بأزمة الطاقة الحالية، بل التأكيد على محورية الدور الجزائري واعتبارها طرفًا سياسيًا يمكن الاعتماد عليه في سوق الطاقة العالمي والمتوسطي خصوصًا. وذلك يمر، حسب الرؤية الجزائرية، بإشراك الطرف الأوروبي والأميركي في المساهمة في برنامج تطوير القدرات الجزائرية من المحروقات، من خلال تجسيد مشروع سوناطراك القاضي باستثمار 60 مليار دولار في أفق 2030، وفتح كل المساحات الجزائرية للاستثمار في كل أشكال المحروقات التقليدية وغير التقليدية، والبدء في استغلال الإمكانيات التي توفرها الجغرافيا الجزائرية في الجنوب وحتى في عرض البحر