جميـل كـامل مروة
دولةٌ مسؤولة بلا أدوات حرب، وجيشٌ تُزايد عليه ألسنةٌ لم تبنه، وإعلامٌ يسكب الضجيج على وطنٍ يتهدّم
في الساعات العظيمة من تاريخ الأوطان، تسقط الأقنعة أولاً. يسقط المتاجرون بالألفاظ. يسقط أصحاب الوطنية الصوتية. يسقط الذين اعتادوا أن يتخذوا من المصائب منابر، ومن دم الناس مادةً للتهويل أو للمزايدة أو للتنابز. وفي لبنان اليوم، لا نعيش أزمةً عابرة، ولا سجالاً سياسياً من النوع الذي يعلو نهاراً ويخفت مساءً. نحن في قلب كارثة وطنية كاملة الأركان: إسرائيل تجتاح، والنار تتمدّد، والمهجّرون فاقوا المليون مواطن، والبيوت تُقفل على الذكريات أو تُهجر إلى المجهول، والدولة محاصرة، والدبلوماسية مقفلة، والأمم المتحدة مهمّشة، والعرب غارقون في لهيب الحرب الكبرى الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل وأميركا من جهة أخرى.
في مثل هذه الساعة، لا يعود الكلام الذي لا يستند إلى الوقائع حريةَ رأي. يصبح عبئاً على الوطن. بل يصبح، حين يتفشّى ويُستثمر ويُضخّ على الشاشات والمنابر، نوعاً من الشراكة في الهدم. ذلك أن الرأي، إذا انفصل عن الحقيقة، لم يعد رأياً، بل صار خوفاً أو جهلاً. والخوف مفهوم في بلد يُقتلع ناسه من أرضهم. أما الجهل، ولا سيما حين يخرج متبختراً بعباءة البطولة، فهو عارٌ فكري وأخلاقي، أشدّ ما يكون عاراً حين تمارسه نخبٌ يفترض بها أن تعرف، أو وسائل إعلام يفترض بها أن تُبصر لا أن تُعمي.
والحقيقة الأولى التي يجب أن تُقال من غير زخرف ولا مواربة، هي أن الدولة الجديدة، ممثّلة برئيس الجمهورية جوزاف عون، وبالحكومة الكفوءة برئاسة نواف سلام، تملك من عناصر المسؤولية والجدية ما افتقده اللبنانيون طويلاً في كثير من حكوماتهم. هذا حقٌّ يُقال. لكن الحقّ الآخر، وهو الأشدّ مرارة، أن هذه الدولة، منذ أن تسلّمت زمام الحكم، لم يسمح لها واقع الحرب أن تمارس فعلاً طبيعياً من أفعال الحكم. وجدت نفسها في عين العاصفة، لا على هامشها. وورثت وطناً مثقلاً بما فيه من ضعف، ومكبّلاً بما فيه من اختلال، ومحشوراً بين اجتياح خارجي، وتعقيد داخلي، وانسداد إقليمي ودولي.
ومن الظلم، بل من الخداع، أن يُطلب من هذه الدولة في الحرب ما لا تملكه من أدواته، ثم تُدان لأنها لم تصنع المعجزة.
فالمسؤولية شيء، والفعالية في الحرب شيء آخر. قد تكون لديك نيةُ الإنقاذ، ولا تكون لديك أدواتُه. قد تكون لديك شرعية الدولة، ولا تكون لديك قدرة الدولة. وهذا هو بيت القصيد الذي يهرب منه أصحاب الصراخ، لأن الصراخ يعادي الأرقام، ولا يعترف بالموازين، ولا يقبل بأن للوقائع سلطاناً أعلى من سلطان الحنجرة.
هنا ينبغي أن يقال ما يكرهه المزايدون: الجيش اللبناني ليس كلمة تُقال، بل مؤسسة تُقاس بقدرتها وتمويلها وتسليحها وتدريبها وغطائها السياسي. والجيش، وفق التقديرات، يعمل ضمن موازنة تقارب 1.5 مليار دولار سنوياً نصفها من مدخول الدولة وتشمل كل القوى الأمنية، في وقت تتجاوز فيه ميزانية الجيش الإسرائيلي 30 مليار دولار سنوياً عدا الهبات الأميركية والإلكترونيات الاستخبارية، فيما تُقدَّر موارد «حزب الله» بحوالي مليار سنوياً من ميزانية إيران وموارده الأخرى، مع ما يملكه من مرونة تنظيمية وعسكرية مختلفة تماماً عن طبيعة الدولة ومؤسساتها.
فأيّ عقلٍ هذا الذي يطالب الجيش بأن يواجه إسرائيل كما لو كان جيش دولة عظمى؟ وأيّ صدقٍ هذا الذي يطالبه بمواجهة «حزب الله» وكأن الأمر مجرد تمرين إداري بين جهازين متكافئين؟ إن الذين يطالبون السيادة بالمواجهة بين الجيش والحزب، أو يطالبون الجيش بالتصدي لإسرائيل، يختلقون في مخيلتهم قوةً مستلهمة من كلمة «جيش» لا من واقع الجيش. يحبّون الاسم، ويتهرّبون من موجباته. يستعيرون هيبة المؤسسة ساعة الخطابة، وينسون أن المؤسسات لا تُبنى بالهتاف، بل بالاستثمار الطويل، وبالقرار الوطني الصارم، وبالضرائب التي تُرصد، وبالأولويات التي تُحترم.
وأين كانوا هؤلاء، حين كان بناء الجيش ممكناً؟ أين كانت دولتهم العميقة، وأحزابهم العريضة، ونخبهم السيادية، ونخبهم الممانعة، من مشروع وطني حقيقي يجعل من الجيش قوةً يُعتدّ بها؟ الحقيقة المفضوحة أن الفريقين معاً، على تناقض خطابهما اليوم، تآلفا بالأمس مع ترك الجيش يعيش على المعونات الخارجية، وعلى الهبات، وعلى ما يتكرم به الخارج. لم يتقدموا يوماً إلى الشعب قائلين: تعالوا نبني جيشاً من أموالنا، من ضرائبنا، من قرارنا الوطني، من مفهومنا الحقيقي للدولة. لم يفعلوا. تركوا المؤسسة تتدبّر أمرها، ثم عادوا اليوم يطالبونها بما فوق الطاقة، ويزايدون باسمها، ويتخذون منها منبرًا للتسلّق الخطابي.
هذا ليس دفاعاً عن الجيش. هذا استغلالٌ لاسمه.
ومع ذلك، ففي قلب هذا الخراب، لا يصحّ أن يُبخس حق الذين يحملون، بالفعل لا بالقول، أثقال الدولة المنهكة. فوزيرة الشؤون الاجتماعية، ووزير الصحة، ينهضان بأعباءٍ لم نرَ لها نظيراً في كثير من الحكومات السابقة، متابعةً للناس، ومواكبةً للمهجّرين، ومحاولةً لترميم ما يمكن ترميمه في مجتمعٍ تتهاوى أطرافه تحت وقع الحرب والاقتلاع. وكل ذلك يجري في زمنٍ انعدمت فيه تقريباً المساعدة الخارجية الفاعلة، لا لأن الحاجة إليها غير قائمة، بل لأن الحرب الواسعة التي تشمل إيران نفسها ضيّقت موارد العالم، وشتّتت اهتمامه، وجعلت لبنان في آخر سلّم الانتظار، كأن مأساته تفصيلٌ في حريقٍ أكبر.
أما الإعلام، فهنا الطعنة الأشدّ إيلاماً.
لأن قسماً واسعاً من الإعلام اللبناني لم يقف عند حدّ العجز عن الفهم، بل تعدّاه إلى صناعة الوهم. لم يقل للناس ما هي حدود الدولة، وما هي حدود الجيش، وما هو ميزان النار، وما هو انسداد الساحة الدبلوماسية. بل نفخ في الصور الذهنية الكاذبة، وأوهم الناس بقدرات غير موجودة، وفتح الشاشات لكل من يبيع الحماسة بديلاً من العقل، ولكل من يوزّع الوطنية والخيانة كأنه قاضٍ في محكمة التاريخ. بعض الإعلام لم يكن مرآةً للكارثة، بل صار أداةً في تعميقها. لم يجرح فقط، بل عمّم الجرح. لم يشخّص، بل حرّض. لم يبحث عن منفذ، بل وسّع المتاهة.
وهنا يجب أن تُقال الكلمة بحدّها القاطع: الفوضى الخطابية لم تقترح حلاً، ولن تقترح. لم تفتح أفقاً، ولن تفتح. هي زادت الضياع فوق الخوف، والمرارة فوق التهجير، والإنهاك فوق الإنهاك. وحين يُقتلع مليون لبناني من بيوتهم، لا تكون المسؤولية الوطنية في رفع الصوت، بل في خفض الوهم. لا تكون في المزايدة على الخراب، بل في حماية ما بقي من تماسك الناس. فالبلد الذي تنكسر عليه هذه الموجات من النار والعجز والحصار، لم يعد يحتمل أن يُضاف إلى مأساته ترفُ الانقسام المبتذل. وإذا استمر اللبنانيون في تحويل الكارثة إلى ساحة ملاكمة داخلية، فلن يبقى لهم في النهاية إلا الكدر، ولمّ جراح الكارثة ، بعد أن يكون الوطن قد دفع الثمن كاملاًهذه لحظة الحقيقة. والحقيقة لا تُدار بالعنتريات. لا الدولة الجديدة تُلام لأنها لم تصنع ما لا تملك أدواته، ولا الجيش يُحمَّل ما لم يُبنَ له أساسه، ولا الوزراء العاملون يُساوَون بأصحاب الفراغ الصاخب، ولا الإعلام يُعفى من جريمته لأنه يرتدي ثوب الحرية.
لبنان اليوم لا ينقصه المتكلمون. ينقصه الرجال الجادون. ينقصه من يقول للناس إن الوطن لا يحيا بالأوهام، وإن السيادة لا تُستولد من البلاغة، وإن الجيش الذي لم يُبنَ بمال الأمة وقرارها لا يجوز تحويله فجأة إلى حصان أسطوري في معارك الخيال. ينقصه من يقول إن الدولة، مهما حسنت نياتها، لا تُنتج الفعالية في الحرب بقرار أخلاقي. وينقصه، قبل كل شيء، إعلامٌ يعرف أن الكلمة، في ساعة الاجتياح، إمّا أن تكون جزءاً من النجاة، وإمّا أن تكون شريكاً في الهلاك.
ولذلك، فإن أخطر ما على لبنان اليوم ليس فقط الاجتياح الإسرائيلي، ولا فقط التهجير، ولا فقط انغلاق الأبواب الدولية والعربية في وجهه. أخطر ما عليه أيضاً ذلك الجيش من الأوهام الذي يسير في الداخل: أوهام القوة، وأوهام السيادة السهلة، وأوهام الإعلام الذي يخلط بين الصراخ والبصيرة. فإسرائيل تجتاح الأرض. أما هذا الضجيج، فيجتاح العقول. وإذا كان للأرض جراحها، فللعقل اللبناني الجريح اليوم من يتولّى تمزيقه على الهواء مباشرة.
وحين يُكتب غداً من الذي خذل هذا الوطن في ساعة محنته، فلن يكون الجواب محصوراً بمن قصف وشرّد واحتلّ. سيكون فيه أيضاً نصيب كبير لأولئك الذين عرفوا الحقيقة وكتموها، أو جهلوها وتصدروا، أو باعوا الناس أوهاماً وطنية رخيصة في سوق الكارثة.
لأن الأوطان لا تسقط فقط تحت جنازير الدبابات. الأوطان تسقط أيضاً تحت أكوام الأكاذيب.




