كيرت شتاينهورست
تحت عنوان "ضائعون في التمرير: التأثير الخفي لاقتصاد الانتباه"، نشر كيرت شتاينهورست، المتحدث والمستشار والاستراتيجي والمؤلف، مقالًا في "فوربس"، تناول فيه كيف أصبح انتباهنا العملة الأكثر قيمة في العصر الرقمي، وكيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل وعينا وعلاقاتنا بشكل جذري.
وأشار شتاينهورست إلى أنه في عالمٍ يزداد فيه حضور مصطلح "اقتصاد الانتباه" بقدر انتشار الأجهزة الرقمية التي تُبقي أعيننا معلّقة بشاشاتها، لم يعد كل تمرير أو نقرة أو إعجاب أو مشاركة مجرد فعل عابر، بل أصبح معاملة في أكثر عملات العالم قيمة: انتباهنا. هذا الاقتصاد، الذي ينظر إلى تركيزنا بوصفه موردًا محدودًا يجب الاستحواذ عليه وتحقيق الربح منه، أعاد تشكيل طرق تواصلنا جذريًا، وبات يتطلب فحصًا أعمق يتجاوز كونه مجرد مصطلح شائع.
خلفية اقتصاد الانتباه
وتابع شتاينهورست بالحديث عن خلفية المفهوم، موضحًا أن عالم النفس والاقتصاد هربرت أ. سايمون مفهوم اقتصاد الانتباه منذ عام 1971، حيث أشار إلى العلاقة بين وفرة المعلومات وندرة الانتباه، قائلًا: "إن وفرة المعلومات تخلق فقرًا في الانتباه".
وأضاف أن تسعينيات القرن الماضي، ومع انتشار الإنترنت، وسّع كتّاب مثل مايكل غولدهبر هذا المفهوم، مؤكدين أن "الحصول على الانتباه هو شكل من أشكال الثروة الدائمة، وهو ما يمنح صاحبه موقعًا مميزًا للحصول على كل ما يقدمه هذا الاقتصاد الجديد".
ما قيمة الانتباه؟
وقال شتاينهورست: تأمل هذا: كل لحظة في يومك، منذ استيقاظك حتى خلودك إلى النوم، هي سلسلة من القرارات حول كيفية توجيه انتباهك. هل تشاهد مسلسلًا جديدًا بدلًا من الاتصال بصديق؟ هل تتصفح الأخبار بدلًا من ممارسة هواية؟ هل تراجع بريد العمل خلال وقت العائلة؟
وأضاف: "حين نوجّه انتباهنا إلى نشاط معيّن، فإننا نستبعد ضمنيًا أنشطة أخرى لا تُحصى. هذه الاختيارات ترسم ملامح حياتنا، وتُشكّل علاقاتنا ومعرفتنا وصحتنا وسعادتنا".
وتابع موضحًا لم تكن قيمة الانتباه يومًا أوضح مما هي عليه الآن، في ظل تحقيق عائدات إعلانية عالمية صافية بلغت 853 مليار دولار في عام 2023 وحده. المعادلة بسيطة: إذا امتلكوا انتباهك، امتلكوا محفظتك.
ليس بالضرورة أمرًا سيئًا
وأردف شتاينهورست لا ينبغي النظر إلى هذا الواقع بوصفه سلبيًا بالكامل. فهناك قيمة أساسية في هذا النموذج الاقتصادي: إذ تسعى الشركات إلى تلبية اهتماماتنا وتفضيلاتنا، وتعمل على تقديم محتوى ومنتجات وخدمات تتماشى معنا، بهدف تحسين حياتنا وإشباع رغباتنا. وهذا التوافق قد يخلق بيئة غنية بالتجارب المصممة خصيصًا وفرص الاكتشاف.
وغالبًا ما يتركّز النقاش على أضراره الاجتماعية، خاصة ما يتعلق بتضارب المصالح ونشر المعلومات المضللة عبر خوارزميات وسائل التواصل. ورغم أهمية هذه القضايا، فإنها تطغى على تحديات أخرى لا تقل أهمية، لكنها أقل تناولًا.
وتابع موضحًا تجربته الشخصية: "عالمي الرقمي مليء بأخبار التكنولوجيا العميقة واتجاهات التسويق والنقاشات الفلسفية والرياضة. في المقابل، تعيش زوجتي تجربة رقمية مختلفة تمامًا لا أعرف عنها الكثير. هذا لا يعكس فقط اختلاف الاهتمامات، بل يوضح كيف يمكن لتجاربنا الرقمية، حتى ونحن نجلس جنبًا إلى جنب، أن تعزّز العزلة والانفصال".
وأضاف: "ورغم أننا قد نكون من بين الأفضل في التواصل مقارنة بغيرنا اليوم، إلا أننا ربما نمتلك تجارب مشتركة أقل بكثير مما كان عليه الحال في أي وقت مضى — وهي الركيزة الأساسية للعلاقات العميقة"
تسخير قوة الانتباه
وقال شتاينهورست أن اقتصاد الانتباه سلاح ذو حدّين؛ فمن جهة، يمنحنا عالمًا مخصصًا تُوجّه فيه اهتماماتنا نوعية المحتوى والفرص التي نراها. ومن جهة أخرى، يفرض تحديات حقيقية تهدد جودة انتباهنا وعلاقاتنا وفهمنا للعالم.
أضاف التحدي اليوم لا يكمن فقط في التكيّف مع هذا الاقتصاد، بل في إعادة تشكيله بطريقة تحترم وتثري أثمن مواردنا: انتباهنا.
وللتغلب على هذه التحديات، يمكننا البدء بخطوات بسيطة، كأن نسأل من نحب عمّا لفت انتباههم اليوم، لنفتح بذلك بابًا لحوار يردم الفجوة الرقمية بيننا. كما يمكننا تذكير أنفسنا بأهمية السياق، وأن ما يحدث في أماكن بعيدة، رغم أهميته، لا ينبغي أن يطغى على حضورنا في اللحظة التي نعيشها.
وختم الكاتب بالقول :فعندما ننتبه لما نمنحه انتباهنا، لا نحسّن حياتنا فحسب، بل نعزّز أيضًا الروابط التي تجمعنا بالآخرين.




