بقلم د. خالد عيتاني*
لم يعد العالم يقف على حافة أزمة… بل داخلها.
ففي لحظة زمنية قصيرة، لا تتجاوز أسابيع، انتقل مضيق هرمز من كونه نقطة عبور استراتيجية إلى كونه أداة تعطيل مباشر للنظام العالمي. الممر الذي كان يعبره يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط—أي نحو 20 في المئة من التجارة النفطية العالمية—لم يعد يعمل وفق قواعد السوق، بل وفق قواعد الصراع. حركة العبور التي كانت تقارب 130 سفينة يومياً تراجعت إلى أقل من عشر سفن، في انهيار يقارب 95 في المئة من النشاط الملاحي.
هذه ليست أزمة إمداد… بل أزمة نظام.
فالصدمة التي أحدثها تعطيل ما بين 10 إلى 12 مليون برميل يومياً من التدفقات الفعلية، والتي وصفتها تقارير دولية بأنها قد تكون الأكبر في تاريخ سوق الطاقة، لم تعد تُقاس بارتفاع الأسعار فقط، بل ببدء تشكل واقع جديد:
واقع لم يعد فيه النفط مجرد سلعة، بل أصبح رهينة المسار الذي يمر فيه.
حين تعجز القوة العسكرية… تتقدم الجغرافيا
ما جرى في مضيق هرمز لا يمكن فهمه ضمن إطار المواجهة التقليدية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالمعادلة التي حكمت الصراع لعقود—تفوق عسكري مقابل ردع محدود—تم كسرها من نقطة لم تكن في الحسبان: الجغرافيا.
إيران لم تحاول موازنة القوة بالنار… بل بالاختناق.
فبدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية متفوقة، نقلت مركز الصراع إلى نقطة لا يمكن تعويضها بسهولة: شريان الطاقة العالمي. وهنا يكمن التحول السياسي الأعمق: لم تعد طهران تسعى إلى تحقيق نصر عسكري، بل إلى فرض تكلفة عالمية على استمرار الحرب، بحيث تصبح كلفة استمرارها على خصومها—وعلى العالم—أعلى من كلفة التراجع عنها.
بهذا المعنى، لم يعد مضيق هرمز ساحة صراع… بل أصبح أداة تفاوض قسرية.
الاقتصاد يدخل الحرب… ويتحول إلى حَكَمها النهائي
إذا كانت الحروب في القرن العشرين تُحسم في الميدان، فإن حروب القرن الحادي والعشرين تُحسم في الأسواق.
فمع إغلاق فعلي للمضيق، قفزت أسعار النفط إلى ما بين 107 و120 دولاراً للبرميل خلال أيام، بعد ارتفاعات حادة تعد الأكبر منذ سنوات. لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تعكس عمق التحول الجاري.
التحول الحقيقي يكمن في أن السوق لم تعد تتعامل مع الأزمة كحدث عابر، بل كـ خلل بنيوي في أمن الطاقة العالمي.
تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن النمو في التجارة العالمية قد يتراجع من نحو 4.7 في المئة إلى ما بين 1.5 و2.5 في المئة في عام واحد نتيجة هذا الاضطراب، بينما بدأت الاقتصادات الآسيوية—الأكثر اعتماداً على نفط الخليج—تدخل فعلياً في مرحلة تقنين وإعادة توزيع للوقود، مع مخاوف من توقف قطاعات صناعية كاملة.
وفي الخلفية، يتشكل تحول أخطر: إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، حيث تتجه أوروبا وآسيا إلى مصادر بديلة، ولو بكلفة أعلى، فيما ترتفع الفروقات السعرية (Premiums) إلى مستويات غير مسبوقة، في مؤشر على أن العالم بدأ يدفع ثمن المخاطر الجيوسياسية مباشرة.
من الطاقة إلى الغذاء: كيف تبدأ الأزمات الكبرى بصمت
لكن الأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً من حيث ننظر.
فالممر نفسه الذي يعبر النفط، يعبر أيضاً الأسمدة والأمونيا—وهي المواد التي تقوم عليها الزراعة العالمية. ومع تعطل هذه التدفقات، بدأت سلسلة غير مرئية من التأثيرات:
ارتفاع الطاقة → ارتفاع تكلفة الأسمدة → تراجع الإنتاج الزراعي → تضخم غذائي
وهذا ما يفسر التحذيرات المتزايدة من أن الأزمة قد لا تبقى أزمة طاقة، بل تتحول إلى أزمة غذاء عالمية تدريجية، خصوصاً في الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد في آسيا وإفريقيا.
هنا، لا تعود الحرب شأناً جيوسياسياً فقط، بل تتحول إلى عامل ضغط اجتماعي عالمي.
السياسة في موقع رد الفعل… لا الفعل
في مقابل هذا التحول العميق، تبدو السياسة الدولية متأخرة.
فالمبادرات الدبلوماسية، رغم كثافتها، لم تنجح حتى الآن في إعادة فتح المضيق أو فرض مسار تفاوضي واضح. بل إن المؤشرات الحالية تفيد بأن الصراع دخل مرحلة إدارة الأزمة لا حلها.
إيران ترفض إعادة فتح المضيق دون شروط، والولايات المتحدة تلوّح بالتصعيد دون حسم، بينما تحاول القوى الأخرى التكيف مع الواقع الجديد بدل تغييره. وفي هذا الفراغ، تصبح الأسواق—لا العواصم—هي من تعيد رسم التوازنات.
بين القوة والوجود: حين تتحول السياسة إلى عقيدة صراع
في عمق هذا التصعيد، لا يمكن فهم مساره دون إدراك اختلاف العقائد السياسية التي تحكم أطرافه. فالولايات المتحدة تنظر إلى القوة لا كخيار أخير، بل كمدخل إلزامي إلى الحل السياسي، حيث يُستخدم الضغط العسكري والاقتصادي لفرض توازن جديد يُجبر الخصم على التفاوض من موقع أضعف. في المقابل، تتحرك إيران ضمن منطق وجودي، ترى فيه أن التنازل في هذه اللحظة لا يُعد تسوية بل بداية انهيار، وأن الصمود—even بكلفة مرتفعة)—يبقى أقل خطراً من القبول بإملاءات خارجية تمسّ بنية النظام نفسه. أما إسرائيل، فتتعامل مع الأزمة كفرصة استراتيجية لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر استنزاف خصمها الرئيسي وتقليص قدرته على التمدد، مع الحرص على إبقاء التصعيد تحت سقف محسوب يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة متعددة الجبهات. وبين هذه المقاربات الثلاث—قوة لفرض التفاوض، وصمود لمنع الانكسار، واستنزاف لإعادة تشكيل التوازن—يتعقّد المسار السياسي، لأن الصراع لم يعد على المصالح وحدها، بل على تعريف الهزيمة وحدود القبول بها.
إلى أين يتجه العالم؟
إذا استمر هذا النمط من الصراع، فإننا لا نتجه نحو حرب شاملة بالمعنى التقليدي، بل نحو نموذج أكثر تعقيداً يمكن وصفه بـ حروب الاختناق الاقتصادي—حروب لا تُدار عبر الجبهات، بل عبر الشرايين التي تربط العالم ببعضه.
في هذا النموذج، لا يُقاس ميزان القوة بعدد الجيوش، بل بقدرة الدول على التحكم في تدفقات الطاقة والتجارة. وهنا، تتبدل مواقع القوى الكبرى بوضوح. فدول الخليج تجد نفسها في قلب المعادلة، بين كونها المصدر الأساسي للطاقة العالمية وبين تعرضها المباشر لارتدادات الصراع، ما يجعل استقرارها جزءاً من استقرار النظام العالمي نفسه. أما أوروبا، فتتحول إلى الحلقة الأضعف نسبياً، تحت ضغط الاعتماد على واردات الطاقة وارتفاع كلفتها، ما يضعها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف السريع مع واقع طاقوي جديد.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة الأزمة بما يحافظ على موقعها القيادي في النظام الدولي، مستفيدة جزئياً من إعادة توجيه الطلب العالمي نحو مصادرها، لكنها في الوقت نفسه تتحمل كلفة اضطراب النظام الذي تقوده. أما الصين، فتقف في موقع أكثر حساسية، بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، حيث تعتمد بشكل كبير على تدفقات الخليج عبر مضيق هرمز. بالنسبة لبكين، لا يشكل هذا الصراع مجرد أزمة خارجية، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي، ما يدفعها إلى تسريع استراتيجياتها البديلة—من تنويع مصادر الطاقة، إلى توسيع ممرات “الحزام والطريق”، إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية—في محاولة لتقليل تعرضها لنقاط الاختناق التي لم تعد مضمونة.
وفي الخلفية، تتحرك روسيا كفاعل يستثمر في هذا الاضطراب، مستفيدة من ارتفاع الأسعار ومن حاجة الأسواق إلى بدائل، في محاولة لإعادة تثبيت موقعها كمورد طاقة لا يمكن تجاوزه.
وهكذا، لا تُحسم هذه الحروب بضربة واحدة، بل تُدار عبر استنزاف طويل، حيث تصبح السيطرة على الممرات أهم من السيطرة على الأراضي، وتغدو القدرة على تعطيل التدفق—ولو جزئياً—أكثر تأثيراً من القدرة على تدمير الخصم عسكرياً. وفي هذا السياق، لا ينتصر من يملك القوة فقط، بل من يستطيع تحمّل الكلفة، وإعادة تموضعه داخل نظام عالمي بدأ يعاد تشكيله تحت ضغط الاختناق.
ما بعد مضيق هرمز… وما بعد هذه الحرب
ما يجري في مضيق هرمز لم يعد أزمة طاقة، بل اختبار شامل للنظام الدولي بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية. فالعالم الذي بُني على استقرار التدفقات وحرية الملاحة، يواجه اليوم واقعاً جديداً حيث يمكن لنقطة اختناق واحدة أن تعيد تشكيل توازنات القوى العالمية خلال أيام.
سياسياً، يتآكل مفهوم القيادة الدولية، مع انتقال القرار من العواصم إلى نقاط الضغط الجيوسياسي. اقتصادياً، يتحول النظام من منطق الكفاءة إلى منطق الصمود، حيث تصبح سلاسل الإمداد أقل عولمة وأكثر تسييساً، وتُعاد صياغة خريطة الطاقة وفق اعتبارات أمنية لا سوقية. أما عسكرياً، فنحن أمام تحول نوعي من حروب السيطرة إلى حروب التعطيل، حيث لا يكون الهدف احتلال الأرض، بل شلّ قدرة الخصم—والعالم—على الاستمرار.
في هذا السياق، لا تُقاس القوة بعدد الجيوش أو حجم الترسانة، بل بالقدرة على التحكم في الشرايين الحيوية للنظام العالمي: الممرات البحرية، الطاقة، والغذاء. وهنا يكمن التحول الأخطر—أن ميزان الردع لم يعد قائماً على التدمير، بل على القدرة على الاختناق.
قد لا تنتهي هذه الحرب بانتصار عسكري واضح، بل بترسيخ نموذج جديد من القوة، حيث تصبح الدولة الأقوى ليست من تسيطر، بل من تستطيع أن توقف التدفق وتعيد تشغيله بشروطها.
ومضيق هرمز، في هذا المعنى، ليس مجرد ساحة صراع، بل نقطة إعادة تعريف للنظام العالمي—من نظام يقوم على الاستقرار، إلى نظام يعيش على حافة الانقطاع.
ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة: ليس من سيربح هذه الحرب…
بل من يستطيع أن يضمن استمرار العالم في ظل حرب لم يعد هدفها الحسم، بل التحكم في نبضه.
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية*




