فيصل أبوزكي
حين تنظر إلى لبنان اليوم، ترى صورة اقتصادين متداخلين. هناك اقتصاد يتلقى الضربة في الداخل، وآخر يتأثر بما يجري حوله في المنطقة. النيران مشتعلة داخل البيت وخارجه. ومن هنا، ينطلق تقرير معهد التمويل الدولي الأخير عن لبنان من الحرب في الجنوب كنقطة بداية، ومن هذه النقطة تتشكل الصورة. يعكس المشهد اختباراً لاقتصاد لم يستعد توازنه بعد.
دخل لبنان هذه المرحلة وهو يحمل إرث أزمة عميقة. فمنذ عام 2019، فقد لبنان ما بين 35 و40 في المئة من اقتصاده، وتراجع الناتج من أكثر من 50 مليار دولار إلى نحو 20–22 ملياراً، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويعكس ما تبقى من النشاط الاقتصادي قدرة على الاستمرار عند الحد الأدنى أكثر مما يعكس مساراً صاعداً.
اقتصاد التكيّف… لا التعافي
في هذه المساحة الضيقة، تَشكّل ما يمكن وصفه باقتصاد التكيّف. اقتصاد نقدي، دولاري، يعتمد على تدفقات من الخارج أكثر من اعتماده على إلانتاج الداخلي. وتمثل تحويلات المغتربين، التي تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، أحد الأعمدة الأساسية لهذا التوازن. ويشير تقرير معهد التمويل الدولي إلى أن هذه التدفقات، إلى جانب السياحة، تشكل المصدر الأهم للعملة الصعبة. ويظهر هذا النموذج اقتصاداً يُركّز على الاستمرارية أكثر منه على التوسع. استمرارية تقوم على على شرط أساسي هو توافر الاستقرار.
المؤشرات الاقتصادية الرئيسية

لحظة الانكشاف
مع اندلاع الحرب الاخيرة، تراجع عامل الاستقرار الذي استند إليه هذا التوازن. وتحولت التوقعات التي أشارت إلى نمو محدود إلى تقديرات بانكماش قد يصل إلى 12–16 في المئة في 2026، وفق تقرير معهد التمويل الدولي. يعكس هذا التحول انقلاباً حاداً في اتجاه الاقتصاد، ويضع النشاط الاقتصادي تحت ضغط مباشر.
الاقتصاد الحقيقي يفقد قاعدته
يمتد الأثر إلى بنية الاقتصاد نفسه. في الجنوب، يتعطل جزء من الإنتاج الزراعي، ومع النزوح يتراجع النشاط في مناطق أخرى. الاستهلاك يضعف، وسوق العمل يتشظى، والقدرة الإنتاجية تتآكل تدريجياً. ويعكس هذا التطور انتقال الأزمة إلى مستوى أعمق يرتبط بأسس الإنتاج. ايرادات الحكومة تنحسر وترتفع نفقاتها وترزح تحت ضغوطات هائلة على راسها ضغط النزوح وهشاشة الاستقرار.
شريان الدولار تحت الضغط
في الوقت نفسه، تتعرض مصادر الدولار لضغوط متزايدة. يشير تقرير معهد التمويل الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بشكل أساسي على التدفقات الخارجية، خاصة التحويلات والسياحة. ومع تصاعد المخاطر، تصبح هذه التدفقات أكثر حساسية، بينما تواجه الصادرات تحديات إضافية. هذا الواقع يضع الاستقرار النقدي أمام اختبار متجدد.
استقرار هش لا يعكس التعافي
تُظهر بعض المؤشرات درجة من الاستقرار النسبي. فقد التضخم إلى حدود 10–15 في المئة، وسعر الصرف أكثر اسقرار مقارنة بالسنوات السابقة. لكن هذا الاستقرار يبقى هشاً كونه يرتبط بانكماش النشاط الاقتصادي ويعتمد بشكل واسع على التدفقات النقدية.
قطاع مصرفي خارج المعادلة
في الخلفية، يستمر القطاع المصرفي كعامل ضغط. لم تعالج مسألة الخسائر بشكل نهائي، ولا يزال دور المصارف التمويلي محدود ويتحرك النشاط الاقتصادي بشكل متزايد خارج النظام المصرفي، الأمر الذي يقلّص قدرة الاقتصاد على تمويل نفسه داخلياً.
الصدمة الإقليمية
تتجاوز التحديات الداخل. فلبنان يرتبط اقتصادياً ببيئة إقليمية تشكل مصدراً للتحويلات وسوقاً للصادرات. مع استرار الحرب واضطراب أسواق الطاقة، تتغير هذه البيئة. فارتفاع أسعار النفط يرفع كلفة الاستيراد، بينما تصبح التحويلات أكثر تقلباً، وتواجه الصادرات صعوبات إضافية في الوصول إلى الأسواق.
اقتصاد بين صدمتين
في نهاية المطاف، تتضح الصورة. لبنان يواجه صدمتين متزامنتين: صدمة داخلية تضغط على النشاط الاقتصادي، وصدمة إقليمية تؤثر على التدفقات والعلاقات الاقتصادية. في هذا السياق، يتحول التركيز نحو الحفاظ على تماسك الاقتصاد وقدرته على الاستمرار في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر وتراجع هوامش الأمان.




