لماذا لا يستطيع لبنان التفاوض
للخروج من الحرب؟

05.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

نسيم أبي غانم

باحث لبناني*

يجب أن يتكون فريق التفاوض من مفاوضين ذوي كفاءة وخبرة عالية يمثّلون المصالح اللبنانية، وليس الانتماءات الطائفية. فقط من خلال تقديم استراتيجية موثوقة تُظهر التزاماً واضحاً بلبنان جديد يمكن وضع الأسس لأمن دائم. إن هندسة مثل هذا الحلّ ليست مجرّد مسألة براعة دبلوماسية، بل يجب أن تكون ذات مصداقيّة.

مع استمرار الحرب في لبنان، تظلّ الانقسامات الداخلية والتشابك مع الوكلاء عائقين أمام أيّ تقدّم نحو إنهائها، وعلى الرغم من أن الحكومة اللبنانية أشارت إلى استعدادها للسعي إلى وقف إطلاق النار، وإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، الخلافات العميقة داخل لبنان تمنع أيّ تقدّم حقيقي. 

ففي الحروب بالوكالة، لا تقاتل الجماعات فقط نيابةً عن الدول الراعية لها، بل تصبح متشابكة مع مصالح تلك الدول. وهذا يعني أن الأهداف اللازمة لإنهاء الصراع بالنسبة إلى الجماعة الوكيلة تتداخل الآن مع الشروط، التي تفرضها الدولة الراعية للموافقة على إنهاء الحرب، وهو ما يشكّل حالة واضحة من الصراع المتداخل.

يشير وسطاء وقف إطلاق النار وبناء السلام إلى أن المفاوضات المحتملة لا يمكن أن تتمّ إلا عند الوصول إلى “اللحظة الناضجة”، التي تتميّز بثلاثة شروط: حالة جمود مؤلمة متبادلة، وجود مخرج، ومتحدّث يملك شرعية التمثيل والتفاوض.

لا تتحقّق أيّ من هذه الشروط في لبنان، ومن غير المرجّح أن تتحقّق قريباً، كما تكشف صفقات المساومة السياسية الداخلية. وتبقى آمال لبنان في إنهاء الحرب مرهونة فقط بالضغط الدولي؛ سواء من فرنسا أو الشركاء الأوروبيين، أو من خلال تحوّل في سياسة الولايات المتّحدة.

ندخل حالة الجمود المؤلمة المتبادلة عندما يدرك جميع الأطراف أن استمرار القتال يفرض تكاليف غير مقبولة، ولم يعد يوفّر أيّ ميزة ملموسة. في عام 2024، وبينما بدا أن “حزب الله” قد تراجع بعد اغتيال قادته في الصفّ الأوّل وهجوم “البيجر”، فإن نقطة التحوّل لم تتحقّق بالنسبة إلى إسرائيل عبر الوسائل العسكرية، بل من خلال ضغط خارجي أميركي.

 واليوم، ومع كون الولايات المتّحدة طرفاً نشطاً في الحرب، حتى الدعوات المباشرة من الحكومة اللبنانية ستُقابل بالتجاهل إلى أن يتمّ الضغط على إسرائيل للدخول في مفاوضات. كما أن دعوة الحكومة اللبنانية جاءت متأخرة جدّاً، إذ لم تمارس سيادتها الكاملة منذ شباط/ فبراير 2025، ممّا يجعل هذه المحاولة رمزية إلى حدّ كبير.

لم يكن نزع سلاح “حزب الله” مجرّد ضرورة أمنية، بل كان دائماً تعبيراً عن شرعية الدولة. ولا تمتلك إسرائيل حالياً دافعاً قوياً للدخول في مفاوضات، إذ إنها لا تواجه “جموداً مؤلماً”، ومن دون هذا الضغط تحتفظ بنفوذ كبير يسمح لها بفرض الشروط، وتأجيل الانسحاب حتى تصبح الظروف أكثر ملاءمة من تلك التي نصّ عليها اتّفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.

الشرط الثاني، وهو وجود متحدّث موحّد للتفاوض نيابةً عن لبنان، فهو غير متحقّق أيضاً. فالمساومات الداخلية في لبنان تعمل ضدّ تحقيق ذلك، والإصرار على أن يمثّل فريق التفاوض جميع الطوائف الرئيسية يبعث برسالة إلى العالم بأن الأمور تسير كالمعتاد. وهناك عجز إدراكي عن الثقة بفريق قد لا يضمّ قيادة شيعية، ممّا يجعل جنوب لبنان يشعر بأنه غير ممثّل.

يصبح الأمر أكثر خطورة عندما تُبنى معايير التمثيل على الانقسامات الطائفية، إذ سيتمّ اختبار تماسك فريق التفاوض بالتوازي مع هياكل القوّة داخله. ومن المرجّح أن يمتلك ممثّل شيعي حقّ النقض والقدرة على الانسحاب من الفريق، إذا اعتُبر أن الاحتياجات الشيعية لم تُلبَّ. وأيّ موقف يتّخذه هذا الفرد سيعكس مطالب “حزب الله” إذا تمّ ترشيحه من قِبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، أو من قِبل “حزب الله” نفسه، ممّا يقلّل من دور بقيّة الفريق ليصبحوا وسطاء فعليين بين إسرائيل والممثّل الشيعي، بدلاً من أن يكونوا وحدة متماسكة تتفاوض باسم لبنان.

الهجوم الذي وقع الأسبوع الماضي على قرار الحكومة بطرد السفير الإيراني، والهجوم على الوزير الشيعي فادي مكي بسبب حضوره اجتماعاً حكومياً، يوضحان ذلك بدقّة. فأيّ ضمانات يقدّمها فريق التفاوض اللبناني تبقى محدودة بطبيعتها بموافقة “حزب الله”، وبقدرته على عدم الالتزام بها ضمن ديناميكية الصراع المتداخل الواضحة بين الراعي والوكيل.

وما أصبح أكثر وضوحاً وخطورة في الأيّام الأخيرة هو أن بقاء “حزب الله” لم يعد يعتمد فقط على الوسائل العسكرية، بل يجب أن يُترجم إلى مكاسب سياسية. وبما أن الحكومة فشلت في احتكار استخدام السلاح خلال العام ونصف الماضيين، فإن تدخّلها الآن يأتي متأخّراً بعض الشيء. وأصبحت علاقة “حزب الله” بالحكومة تتّسم بالتوتّر وانعدام الثقة، وهو ما يتجلّى في رفضه مواءمة مصالحه مع مصالح الدولة وتهديداته باستهداف الحكومة بعد انتهاء الحرب.

وقد ظهر ذلك جلياً في تصريحات القيادي البارز في “حزب الله” محمود قماطي، الذي وجّه تحذيراً مباشراً، واصفاً القضايا العالقة بأنها “حسابات لم تُسوَّ” بعد انتهاء الحرب، وهو ما ردّده أيضاً وفيق صفا في ظهوره الإعلامي الأخير. وتؤكّد هذه التصريحات أن “حزب الله” لا يستطيع تبرير الحرب أمام قاعدته الشعبية إلا من خلال مكاسب سياسية داخلية ومكاسب لإيران، وليس من خلال حماية الأراضي أو القرى اللبنانية.

أيّ مفاوضات تحافظ على “ماء الوجه” لـ”حزب الله”، ستتعارض مع أهداف المجتمع الدولي، بما في ذلك أوروبا، وستكون على حساب الحكومة اللبنانية، التي ستواجه تحدّيات من أصوات سيادية داخل لبنان.

وبالتالي، فإن فعّالية المفاوضات التي تقودها الحكومة تُقوَّض باستمرار بسبب أجندة “حزب الله” المدعومة من إيران، وتحدّيه لشرعية الدولة واستقلالها. وباعتباره وكيلاً لإيران، فإن ذلك يرسم صورة قاتمة: فالأهداف الحربية لـ”حزب الله” لم تعد تقتصر على أهدافه الضيّقة داخل السياسة اللبنانية، بل تمتدّ إلى تحقيق أقصى مكاسب لإيران.

أما بالنسبة إلى لبنان، فأيّ مفاوضات للوصول إلى اتّفاق مثمر يجب أن تتجاوز الأجندة التقليدية المتمثّلة في مطالب الانسحاب وإعادة ترسيم الحدود، على غرار القرار 1701، بل يجب أن تتبنّى الحكومة نهجاً تفاوضياً قائماً على خطّة شاملة ومفصّلة لنزع سلاح “حزب الله” واحتكار القوّة العسكرية داخل حدودها، تتجاوز مسوّدات الأشهر الخمسة عشر الماضية، مع خطوات واضحة وجدول زمني محدّد للتنفيذ. 

كما يجب أن يتكون فريق التفاوض من مفاوضين ذوي كفاءة وخبرة عالية يمثّلون المصالح اللبنانية، وليس الانتماءات الطائفية. فقط من خلال تقديم استراتيجية موثوقة تُظهر التزاماً واضحاً بلبنان جديد يمكن وضع الأسس لأمن دائم. إن هندسة مثل هذا الحلّ ليست مجرّد مسألة براعة دبلوماسية، بل يجب أن تكون ذات مصداقيّة.

*نشر في موقع درج