من ميثاق 1945 إلى اختبار 2026:
الجامعة العربية بين شرعية التاريخ
وانكشاف العجز

02.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. خالد عيتاني

حين تأسست جامعة الدول العربية في الثاني والعشرين من آذار/مارس عام 1945 في القاهرة، لم تكن مجرد إطار دبلوماسي، بل كانت تعبيراً عن لحظة تاريخية عربية حاولت أن تحوّل الروابط الثقافية والسياسية إلى منظومة عمل مشترك، وأن تنقل الهوية من مستوى الشعور إلى مستوى القرار. في عالمٍ كان يتشكل بعد الحرب العالمية الثانية على قاعدة التكتلات الإقليمية، بدا أن العرب يسعون—ولو مبكراً—إلى بناء كيان يوازي هذا التحول.

نصّ الميثاق على أهداف واضحة: تنسيق السياسات، صيانة الاستقلال، تسوية النزاعات، وتعزيز التعاون وصولاً إلى الدفاع المشترك. غير أن ما بدا في النص طموحاً، ظلّ في الواقع معلقاً بين الإرادة السياسية المحدودة، والبنية المؤسسية المقيدة. ومنذ اللحظة الأولى، حملت الجامعة مفارقة بنيوية عميقة: فهي مؤسسة إقليمية بلا سلطة فوق الدول، وإطار للتنسيق لا يمتلك أدوات إلزام، ومنصة توافق لا تنتج قراراً نافذاً.

لم يظهر أثر هذه المفارقة دفعة واحدة، بل تراكم عبر الزمن. ففي حرب الخليج 1991، لم يُصغ القرار داخلها، وفي غزو العراق 2003 تكرّس الانقسام، ومع الربيع العربي 2011 تحوّلت إلى مرآة لتفكك النظام العربي ذاته. وهكذا، لم تفشل فقط في إدارة الأزمات، بل أصبحت تعكسها.

وجاءت حرب 2026 لتكشف هذا المسار دفعة واحدة. ففي لحظة تتقاطع فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد العالمي، حيث يتحول مضيق هرمز إلى عقدة جيوسياسية تمر عبرها نسبة تقارب 20 في المئة من تجارة النفط العالمية وفق وكالة معلومات الطاقة الأميركية، وحيث ينعكس كل ارتفاع في الأسعار على التضخم العالمي بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، لم تعد الحرب حدثاً عسكرياً فحسب، بل اختباراً لقدرة الأنظمة الإقليمية على الفعل.

وفي هذا الاختبار، لم تكن المشكلة أن الجامعة أخفقت… بل أنها لم تدخل أصلاً في معادلة الفعل.

اجتمعت متأخرة، أصدرت بيانات، عبّرت عن المواقف، لكنها لم تُسهم في صياغة ميزان ردع، ولم تفتح مساراً سياسياً، ولم تؤثر في سلوك الفاعلين. وكما يرد في أحد النصوص التحليلية: “الجامعة لم تفشل في إدارة الانقسام… بل أصبحت تديره” ، وهي عبارة تختصر انتقالها من إطار للحل إلى إطار لإعادة إنتاج الأزمة.

في المقابل، كانت قوى أخرى تعيد تعريف مفهوم القوة في المنطقة. فمنذ الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، طوّرت إيران نموذجاً يقوم على تعدد الأدوات وتوزيع النفوذ عبر فاعلين غير دولتيين، من حزب الله إلى الحوثيين، ما منحها قدرة على إدارة صراع متعدد المستويات. الفارق هنا لم يكن في الإمكانات فقط، بل في الفهم: حيث تتحرك هذه القوى بمنطق الشبكات، بقيت الجامعة أسيرة منطقها البيروقراطي.

الخطاب الخليجي: من التحفظ إلى التحول الاستراتيجي

هذا التباين في الفعل لم يبقَ تحليلياً، بل انعكس بوضوح في الخطاب الخليجي، الذي شهد تحولاً لافتاً من التحفظ إلى النقد الصريح، ثم إلى ما هو أعمق: إعادة تقييم جدوى الإطار العربي نفسه.

فإقرار جراح جابر الأحمد الصباح بمحدودية فاعلية العمل العربي المشترك والدعوة إلى إعادة هيكلة شاملة، لم يكن تصريحاً تقنياً، بل تشخيصاً سياسياً بأن الخلل لم يعد في الأداء، بل في البنية. وكذلك، فإن طرح أنور قرقاش لمسألة الأمن خارج الإطار العربي التقليدي، يعكس تحوّلاً أعمق: انتقال مركز القرار من الجامعة إلى ترتيبات بديلة أكثر قدرة على التنفيذ.

أما الإعلام الخليجي، فقد عبّر عن هذا التحول بوضوح أكبر، حيث لم يعد النقد موجهاً إلى الأداء، بل إلى الوظيفة. لم تعد الجامعة تُوصَف كمؤسسة ضعيفة، بل كمؤسسة لم تعد تعكس واقع القوة في المنطقة.

وهنا تتجلى الحقيقة الأكثر حسماً: لم تعد الجامعة تُنتقد لأنها فشلت، بل لأنها لم تعد تُرى كأداة يمكن أن تنجح أصلاً.

وهذا التحول في الإدراك أخطر من الفشل نفسه، لأن فقدان الثقة يسبق دائماً فقدان الدور.

أين يكمن الخلل الحقيقي؟

في عمق هذا النقد، يتضح أن الجامعة فقدت ثلاث وظائف أساسية: قدرتها على تعريف التهديد، وتحويل التضامن إلى قوة، ومواكبة الزمن السياسي.

فلا يوجد تعريف عربي موحد للخطر، ولا آلية يتحول فيها الاتفاق إلى فعل، ولا قدرة على الاستجابة بالسرعة التي تتطلبها الحروب الحديثة. وهكذا، لم تعد فاعلاً سياسياً، بل انعكاساً لعجز جماعي.

ما كان يجب أن تكون عليه… وما يمكن أن تصبحه

غير أن النقد، لكي يكون سياسياً حقيقياً، لا يكتفي بوصف العجز، بل يطرح مسار الخروج منه.

فالجامعة لم تُطالب بالمستحيل، بل بما يوازي طبيعة دورها. كان يفترض أن تتحرر من قيد الإجماع حين يتحول إلى تعطيل، وأن تبتكر آليات قرار أكثر مرونة تسمح بالفعل لا الانتظار. وكان يفترض أن تنتقل من دبلوماسية القمم إلى إدارة يومية للأزمات، بحيث تعمل في الزمن الحقيقي لا بعد تشكل الوقائع.

وكان يفترض أيضاً أن تدرك أن السياسة، في عالم اليوم، لا تقوم من دون أدوات قوة—ولو تدريجية—سواء في بعدها الدفاعي أو الاقتصادي. لأن البيانات، مهما بلغت قوتها، لا تصنع توازناً إذا لم تسندها أدوات.

لكن التجربة أثبتت أيضاً أن محاولة جمع الجميع في مستوى واحد من الالتزام تقود إلى الشلل. ولذلك، فإن أحد المسارات الواقعية لا يكمن في فرض وحدة مصطنعة، بل في السماح بتشكل دوائر فاعلة داخل الإطار العربي، تتقدم فيها الدول القادرة، من دون أن تُعطَّل بإجماع مستحيل.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأعمق أن الجامعة ليست سوى انعكاس. فإذا لم تُعاد صياغة فكرة المصلحة العربية المشتركة نفسها، فلن تنجح أي آلية، مهما كانت متقدمة.

 السؤال الأخطر: ماذا بعد الجامعة العربية؟

وهنا، لا يعود السؤال محصورًا في إصلاح جامعة الدول العربية، بقدر ما يتجاوزها إلى سؤال أكثر جذرية: ماذا لو لم تعد هذه المؤسسة قائمة فعليًا في معادلة القرار العربي؟

الحقيقة أن تراجع دورها—أو حتى انتهاؤه فعليًا—لن يخلق فراغًا، بل سيقود إلى إعادة تشكيل للنظام الإقليمي خارج إطارها: تحالفات خليجية ودون عربية، ترتيبات أمنية مباشرة مع القوى الكبرى، ومحاور مرنة تُدار بمنطق المصالح لا الهوية. عندها، ينتقل القرار من آلية الإجماع إلى مراكز قوة محدودة تقود، فيما تلتحق بها بقية الدول وفق ميزان القدرة لا الانتماء.

غير أن الكلفة ستكون عميقة وواضحة: تآكل مفهوم الأمن العربي المشترك، تراجع القدرة التفاوضية الجماعية، وازدياد الاعتماد على الخارج.

وبذلك، لا ينتهي “النظام العربي” فعليًا… بل يتحول من إطار مؤسسي ضعيف إلى توازنات غير معلنة تحكمها القوة وحدها.

لحظة الحقيقة

الحرب لم تُسقط جامعة الدول العربية، بل كشفت حدودها.

والنقد الخليجي لم يكن هجوماً، بل إعلاناً بأن زمن الرمزية قد انتهى.

فالجامعة اليوم تقف عند مفترق تاريخي: إما أن تتحول إلى مؤسسة قادرة على إنتاج القرار،
أو أن تبقى إطاراً يحفظ ذاكرة نظام عربي لم يعد موجوداً.

وفي عالم يُعاد تشكيله بالقوة والاقتصاد والسرعة، لا مكان لمؤسسات تعيش خارج الزمن.

وهنا لا يكون السؤال: هل انتهت؟ بل: هل هناك إرادة لإعادتها إلى الحياة؟

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية