المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات:
حرب إيران تهدد الطاقة وتدفع لبنان نحو العتمة

02.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

حذّر "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" من أن تصاعد الحرب على إيران يُفاقم هشاشة قطاع الطاقة في لبنان بشكل غير مسبوق، ويهدد استقرار الكهرباء وقطاع النقل والاقتصاد الوطني مباشرة. وأوضح تقييم المركز أن النزاع العسكري المستمر يزيد من خطر انقطاع الإمدادات النفطية العالمية، ويعزز تقلبات أسعار النفط التي تجاوزت مؤخرًا 100 دولار للبرميل، ما ينعكس فورًا على ارتفاع كلفة الوقود والكهرباء وأسعار السلع الأساسية.

وأشار التقييم، الذي حمل عنوان: "لبنان على حافة العتمة: الحرب على إيران تُفاقم أزمة الطاقة"، إلى أن لبنان يعتمد اعتمادًا شبه كامل على استيراد المشتقات النفطية لتشغيل محطات توليد الكهرباء والمولّدات الخاصة وقطاع النقل والصناعة والتدفئة المنزلية، ما يجعل الاقتصاد اللبناني شديد الانكشاف أمام أي تقلبات في أسعار النفط. وتقدّر الدراسة أن فاتورة الطاقة الإجمالية في لبنان بلغت نحو 4.3 مليارات دولار أميركي في 2025، ومن شأن أي ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط أن يرفعها إلى أكثر من 5 مليارات دولار أميركي خلال 2026.

 

مخاطر الحرب على مضيق هرمز والأسواق العالمية

التقييم سلّط الضوء على الموقع الاستراتيجي لإيران المجاورة لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالميًا. وأوضح أن أي مواجهة عسكرية في المنطقة قد تهدد خطوط الملاحة ورفع تكاليف التأمين على ناقلات النفط، ما يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية. وأظهرت التجارب التاريخية، مثل الحرب العراقية-الإيرانية 1980–1988، أن أي اضطراب في الإمدادات النفطية يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وهو ما يحدث حاليًا على نحو غير مسبوق.

وأضاف التقييم أن الحرب الحالية أدت إلى اضطرابات في إنتاج النفط الإيراني وأضرار في البنية التحتية للنفط في الخليج العربي، مع تهديد محتمل لإغلاق مضيق هرمز. ووفقًا للبيانات، تجاوز متوسط سعر برميل النفط 100دولار أميركي، في حين تراوح خلال العقد الماضي بين 49 و94 دولارًا. وللحد من هذه الارتفاعات، تتخذ دول عدة تدابير قصيرة ومتوسطة الأجل تشمل رفع الإمدادات وخفض الأسعار المحلية، وسحب الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، حيث وافقت الولايات المتحدة وعدد من أعضاء وكالة الطاقة الدولية على ضخ مئات الملايين من البراميل لتعزيز استقرار الأسواق.

وتظهر تداعيات ارتفاع الأسعار بوضوح على الاقتصادات العالمية، لكنها تبدو أكثر حدة على الدول غير المنتجة للنفط، بما فيها لبنان، الذي يواجه انعكاسات مباشرة على قطاع الطاقة واقتصاده الوطني نتيجة المشهد العالمي المتقلب.

 

هشاشة قطاع الطاقة في لبنان: تأثير النفط على الكهرباء والنقل والصناعة

استعرض التقييم واقع وبنية قطاع الكهرباء في لبنان، مؤكدًا أن قطاع الطاقة يشكل أحد أبرز مواطن الضعف في الاقتصاد الوطني، إذ يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المنتجات النفطية، رغم وجود إمكانات كبيرة غير مستغلة من النفط والغاز في المياه البحرية اللبنانية. تتوزع واردات النفط على قطاعات الكهرباء، النقل، الصناعة، والتدفئة المنزلية، مع استخدام وقود الديزل (المازوت) بنسب متقاربة، سواء عبر مؤسسة كهرباء لبنان أو المولّدات الخاصة، ما يجعل أي تقلب في أسعار النفط ينعكس مباشرة على كلفة الطاقة المحلية.

ويشهد قطاع الكهرباء قصورًا بنيويًا وعجزًا مزمنًا، ويعتمد بشكل رئيسي على الفيول أويل والديزل المستورد. المحطتان الرئيسيتان دير عمار والزهراني تعملان بالديزل، بينما المحطات القديمة مثل الزوق والجية تعمل بالفيول أويل. خلال أزمة 2019، تقلّصت ساعات التغذية الكهربائية إلى ساعة أو ساعتين يوميًا، أما حاليًا فتتراوح بين 4 و8 ساعات. نتيجة ذلك، تعتمد الوحدات السكنية والشركات على المولّدات الخاصة التي تغطي نحو 51 في المئة من الإنتاج مقابل 28 في المئة فقط لمؤسسة كهرباء لبنان.

كما يمتلك لبنان أيضًا محطات كهرومائية بقدرة تفوق 315 ميغاواط، لكنها انخفضت إلى نحو 30 ميغاواط بسبب تراجع مستويات المياه. في 2026، بلغ مخزون بحيرة القرعون نحو 90 مليون متر مكعب من أصل 220 مليون متر مكعب، ما مكّن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني من توليد نحو 40 ميغاواط لتغطية الأحمال الحرجة مثل مطار بيروت الدولي ومحطات ضخ المياه والمؤسسات الحكومية الحيوية.

وعلى صعيد الطاقة المتجددة، شهدت الطاقة الشمسية نموًا ملحوظًا، إذ ارتفعت القدرة المركّبة من 0 ميغاواط في 2010 إلى 98 ميغاواط في 2020، ثم قفزت إلى 980 ميغاواط بين 2020 و2022، وتجاوزت 1,200 ميغاواطنهاية 2024، مع تغطية نحو 15–20 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء. ويعتمد جزء كبير منها على أنظمة تخزين بالبطاريات كبديل احتياطي للتغذية الكهربائية المركزية.

وتظل تقلبات أسعار النفط مؤثرة بشكل مباشر على القطاع، سواء عبر كلفة الفيول أويل أو الديزل لمحطات الدولة والمولّدات الخاص. ومنذ شباط/ فبراير 2024، حددت الحكومة متوسط تعرفة الكهرباء بـ 27 سنتا أميركيا لكل كيلوواط/ساعة، محسوبة على أساس سعر برميل النفط68.11 دولارا أميركيا، وتمثل نقطة التعادل المالي لمؤسسة كهرباء لبنان.

ولم يقتصر أثر أسعار النفط على الكهرباء فقط، بل امتد ليطال قطاع النقل والقطاعات الأخرى، إذ يعتمد النقل شبه بالكامل على البنزين للمركبات الخاصة، سيارات الأجرة، ومركبات التوصيل، بينما تستهلك الشاحنات والحافلات الديزل بكميات أقلّ. وأي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس سريعًا على أسعار البنزين، ما يزيد تكاليف النقل ورفع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، مع تأثير مباشر على التضخّم والقدرة الشرائية للأسر.

كما يتأثر قطاع التدفئة المنزلية بارتفاع أسعار النفط، نظرًا لاعتماد شريحة واسعة من الأسر على وقود الديزل، بينما يقل الطلب مع اقتراب فصل الربيع. أما القطاع الصناعي، فتعتمد منشآته على الوقود التقليدي لتوليد الكهرباء وتشغيل العمليات، وتشكل تكاليف الطاقة ما بين 15 و50 في المئة من إجمالي تكاليف الإنتاج، ما يحدّ من القدرة التنافسية على التصدير ويزيد من هشاشة القطاع أمام صدمات أسعار النفط العالمية.

 

تقلبات النفط: ثلاثة سيناريوات محتملة

وعن السيناريوات المتوقعة، حدّد التقييم ثلاثة مسارات محتملة لتقلبات أسعار النفط العالمية وتأثيرها على لبنان، بحيث يواجه كل سيناريو تحديات مختلفة للقطاع الطاقي والاقتصاد الوطني:

السيناريو الأول: بقاء أسعار النفط مستقرة نسبيًا

يفترض هذا السيناريو- وهو الأقل احتمالًا في المرحلة الراهنة-تصاعد التوترات الجيوسياسية دون أن يؤدي إلى اضطراب جوهري في الإمدادات النفطية العالمية. وبالنسبة للبنان، يعني ذلك استقرار التكاليف التشغيلية لتوليد الكهرباء، مع استمرار التحديات البنيوية التي يعانيها القطاع، وأبرزها الإعسار المالي والقصور في البنية التحتية. كما ستظل واردات الوقود عند مستوياتها الحالية، ما يمكّن مؤسسة كهرباء لبنان من الحفاظ على الإنتاج وضمان توازنها المالي.

في الوقت نفسه، يشهد مشغّلو المولّدات الخاصة استقرارًا نسبيًا في أسعار الديزل، مما يحد من أي زيادات مفاجئة في رسوم الاشتراك. ويُسهم استقرار أسعار النفط أيضًا في الحفاظ على أسعار البنزين المحلية، ويقلل من الضغوط التضخمية المرتبطة بالوقود.

السيناريو الثاني: ارتفاع أسعار النفط بشكل معتدل

السيناريو الثاني يستند إلى حدوث اضطراب جزئي في الإمدادات النفطية أو ارتفاع علاوات المخاطر الجيوسياسية، مما يرفع الأسعار العالمية إلى نحو 100 دولار للبرميل، بزيادة تقارب 25 في المئة مقارنة بما قبل الأزمة. هذا الارتفاع يزيد كلفة واردات الوقود لتوليد الكهرباء، ويفاقم الضغوط المالية على مؤسسة كهرباء لبنان التي تعاني عجزًا ماليًا، في ظل غياب أي نية حكومية لرفع التعرفة أو تقديم دعم للأسعار، ما يؤدي إلى توسيع العجز وزيادة الضغط التشغيلي.

كما يواجه مشغّلو المولّدات الخاصة ارتفاعًا في أسعار الديزل، ومن المتوقع تمريره إلى المستهلكين، حيث قد ترتفع فواتير الكهرباء بنحو 140 في المئة مقارنة بما قبل الحرب. ويرتفع أيضًا سعر البنزين، مما يزيد تكاليف النقل مباشرة، ويرفع أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات، ويغذي التضخم في الاقتصاد اللبناني.

السيناريو الثالث: ارتفاع حاد في أسعار النفط

السيناريو الثالث يُعدّ الأكثر خطورة، إذ يمكن لأي تصعيد إضافي أن يؤدي إلى تعطيل مسارات الإمداد الرئيسة أو التسبب بأضرار جسيمة في البنى التحتية ، مع احتمال وصول الأسعار إلى 150–200 دولار للبرميل. ستزداد كلفة الوقود لمحطات الكهرباء بشكل حاد، وقد تتقلص قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على التزويد إلى ساعة أو ساعتين يوميًا. في المقابل، سيزداد الاعتماد على المولّدات الخاصة، مع ارتفاع سعر الكيلوواط/ساعة من 33 سنتًا إلى أكثر من 60، ما يرفع كلفة الكهرباء بشكل كبير ويجبر الأسر على تقليل استهلاكها، مع انعكاسات سلبية على الأوضاع المعيشية والصحية.

على الجانب الإيجابي، قد يشهد قطاع الطاقة الشمسية "ثورة خضراء" ثانية، مع تركيب أنظمة إضافية تتراوح بين 100 و200 ميغاواط خلال أقل من عام لتعويض الاعتماد على الوقود التقليدي. كما يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة أسعار البنزين وارتفاع تكاليف النقل مباشرة وغير مباشرة، ما يؤثر على أسعار المواد الغذائية والخدمات ويزيد معدلات التضخم، بينما قد يشكل النقل الكهربائي بالاعتماد على الطاقة الشمسية بديلًا عمليًا.

تفاقم الاختلال في منظومة هشة

بناءً على ما تقدّم، ختم المركز تقييمه مؤكدًا أن الحرب على إيران تمثل تهديدًا جيوسياسيًا بالغ الخطورة يؤثر مباشرة على أسعار النفط العالمية، ويزيد من هشاشة لبنان الذي يعتمد شبه كامل على المشتقات النفطية المستوردة. وأشار المركز إلى أن استقرار الأسعار عند 75 دولارًا للبرميل يتيح استمرار منظومة الطاقة ضمن قيودها البنيوية الحالية، في حين أن أي ارتفاع معتدل يرفع كلفة الكهرباء والنقل ويضاعف الضغوط التضخمية. أما الطفرة الحادة، فقد تؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الكهرباء والنقل وتفاقم العجز المالي لمؤسسة كهرباء لبنان، بينما توفر الأزمة في الوقت ذاته فرصة لتعزيز الطاقة الشمسية، وتنويع مصادر الطاقة، وتقوية مرونة القطاع، والحد من الاعتماد على الوقود المستورد، بما يعزز أمن الطاقة ويخفف أثر الصدمات الاقتصادية على الأسر والقطاعات الإنتاجية