الاقتصاد العالمي على حافة الصدمة
ولبنان في عين العاصفة

02.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

العميد وليد شيّا*

لم يعد التصعيد العسكري في المنطقة حدثًا أمنيًا عابرًا، بل تحوّل إلى عامل ضغط اقتصادي عالمي متصاعد. فمع كل تطور ميداني، ترتفع مؤشرات القلق في الأسواق، وتتسع دائرة التأثير لتشمل الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. وبينما تحاول دول العالم احتواء التداعيات، يقف لبنان في موقع هشّ، مكشوفًا أمام أزمة قد تكون الأشدّ في تاريخه الحديث.

المشهد الاقتصادي العالمي

في المدى القريب، لا تبدو الصورة الاقتصادية أقل قتامة من المشهد الميداني. فالتصعيد العسكري المتسارع في المنطقة لا يهدد فقط الأمن والاستقرار، بل يفتح الباب أمام هزّة اقتصادية واسعة قد تمتد آثارها سريعًا إلى مختلف دول العالم، مع مؤشرات أولية بدأت تظهر في أسواق الطاقة والشحن والتأمين. وفي قلب هذه العاصفة، يقف لبنان، المثقل أصلاً بأزماته، كأحد أكثر المتضررين المحتملين.

التطورات الأخيرة، وما رافقها من ضربات متبادلة بين قوى إقليمية ودولية، أدّت إلى حالة من القلق الحاد في الأسواق العالمية، حيث بدأت تكاليف الشحن والتأمين بالارتفاع، بالتوازي مع اضطرابات في حركة النقل البحري والجوي. هذه العوامل لا تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تنعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، ما يهدد بتباطؤ في تدفّق السلع وارتفاع في أسعارها، خصوصًا النفط والغاز والمواد الأساسية.

وفي حال استمر التصعيد أو توسّع، فإن أسعار الطاقة مرشّحة للارتفاع بشكل ملحوظ، ما سيؤدي إلى موجة تضخمية جديدة تضرب الاقتصادات المستوردة للطاقة. ورغم أن بعض الدول المنتجة قد تستفيد نظريًا من ارتفاع الأسعار، إلا أن حالة عدم الاستقرار وتقلب الأسواق قد تُضعف هذه المكاسب، وتخلق بيئة اقتصادية غير قابلة للتنبؤ.

إقليميًا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فدول الخليج قد تضطر إلى زيادة الإنفاق العسكري والأمني، ما قد يؤخّر مشاريع استثمارية كبرى، بينما قد تستفيد قوى أخرى من إعادة توزيع الطلب على الطاقة. كما أن أي تعطيل مستمر للممرات البحرية الحيوية سيؤدي إلى إرباك في التجارة العالمية، ويؤثر على السيولة والاستثمارات في المنطقة.

لبنان في عين العاصفة

أما في لبنان، فتبدو التداعيات مرشّحة لأن تكون الأكثر حدّة وخطورة، إذ يدخل البلد هذه المرحلة وهو مثقل أساساً بانهيار اقتصادي غير مسبوق، تجلّى في تدهور العملة، شلل المؤسسات، وتآكل القدرة الشرائية والإنتاجية. ومع اتساع رقعة التصعيد الإقليمي، تتفاقم الأزمة على أكثر من مستوى، في مشهد ينذر بمزيد من الانكشاف.

فمن جهة أولى، سيؤدي الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة إلى تضخّم كلفة الاستيراد في اقتصاد يعتمد شبه كلي على الخارج، ما سينعكس ارتفاعاً إضافياً في أسعار السلع الأساسية ويعمّق أزمة المعيشة. ومن جهة ثانية، يهدد اضطراب سلاسل الإمداد وتراجع حركة الشحن بحدوث نقص في بعض المواد، مقروناً بارتفاع كلفتها، في ظل ضعف بنيوي في الإنتاج المحلي وعجزه عن التعويض.

أما على المستوى الاستثماري، فإن تصاعد المخاطر الأمنية يوجّه ضربة قاسية لمناخ الأعمال، مع انكفاء الرساميل وتجميد المشاريع، ما يفاقم حالة الجمود الاقتصادي ويرفع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات مقلقة. ولا تقل خطورة عن ذلك أزمة النزوح، حيث يستضيف لبنان باغلب مناطقه أكثر من مليون نازح، ما يشكّل ضغطاً هائلاً على البنى التحتية والخدمات العامة، في وقت تعاني فيه الدولة أصلاً من عجز مزمن عن تلبية احتياجات مواطنيها.

ومع أي تصعيد إضافي، تتجه هذه الضغوط نحو مزيد من التعقيد، سواء من حيث الأعباء المالية أو التوترات الاجتماعية، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على دعم خارجي قريب أو خطط إنقاذ داخلية فعّالة. بذلك، يجد لبنان نفسه في قلب العاصفة، مكشوفاً اقتصادياً واجتماعياً، وأكثر هشاشة في مواجهة صدمات قد تكون غير مسبوقة في تاريخ أزماته.

الأخطر من ذلك، أن كل هذه التحديات تأتي في ظل غياب شبه كامل لأي مؤشرات دعم خارجي جدي. فالمجتمع الدولي، المنشغل بأزمات أكبر، لا يبدو مستعدًا لتقديم مساعدات واسعة، ما يترك لبنان في مواجهة مفتوحة مع تداعيات أزمة تفوق قدرته على التحمل.

في المحصلة، لا يقتصر خطر التصعيد الحالي على كونه مواجهة عسكرية، بل يتعداه ليصبح أزمة اقتصادية مركّبة قد تعيد رسم خريطة الاستقرار في المنطقة. أما لبنان، فيقف اليوم عند نقطة حرجة، حيث يتقاطع الانهيار الداخلي مع الضغوط الخارجية، ما يجعله أكثر عرضة للانزلاق نحو مرحلة أشدّ قسوة.

الخلاصة:
في ظل غياب أي مؤشرات جدية على دعم خارجي قريب، يبدو لبنان في مواجهة مفتوحة مع تداعيات أزمة تفوق قدرته على التحمل. فالتصعيد الحالي لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّل إلى أزمة اقتصادية مركّبة تهدد بإعادة رسم ملامح الاستقرار في المنطقة.

وإذا استمر هذا المسار، فإن التداعيات لن تكون عابرة، بل ستظهر سريعًا في ارتفاع الأسعار، تراجع النمو، وتفاقم الأزمات الاجتماعية. عندها، سيكون لبنان من بين الأكثر تأثرًا، في لحظة تاريخية دقيقة تتطلب استجابة استثنائية… لا تبدو متوافرة حتى الآن.

* كاتب في الشؤون العسكرية والاقتصادية