الاقتصاد اللبناني:
في ميزان الحرب والتعافي

01.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. سوليكا علاء الدين

يدخل الاقتصاد اللبناني الربع الأول من عام 2026 عند تقاطع حساس بين مسارين متناقضين: مسار تعافٍ مالي بطيء بدأ يتشكل خلال العامين الماضيين بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي، ومسار تصعيد أمني أعاد البلاد سريعاً إلى مناخ "اقتصاد الحرب". وبين هذين المسارين، يجد لبنان نفسه في منطقة رمادية دقيقة، حيث تتهدّد قدرة الدولة على تثبيت الاستقرار الاقتصادي في وقت تتزايد فيه الضغوط الجيوسياسية التي تعرقل ما تحقق من مكاسب محدودة على صعيد الإصلاح.

فمع اندلاع الحرب، اهتزت معادلة الاستقرار النسبي التي ظهرت تدريجياً بعد سنوات من الانهيار المالي، لتحل مكانها كلفة يومية ثقيلة تُقدّر ما بين 60 و80 مليون دولار. وهذه الكلفة لا تعكس فقط حجم الخسائر المباشرة الناتجة عن الأضرار المادية وتعطل النشاط الاقتصادي، بل تشير أيضاً إلى استنزاف مستمر في قدرة القطاعات الإنتاجية والخدمية على العمل.

وعليه، لم تعد الأزمة الاقتصادية محصورة بإدارة تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، بل باتت مرتبطة أيضًا بقدرة البلاد على التعامل مع صدمة جيوسياسية جديدة في ظل وضع مالي هش ومؤسساتي متجذّر. وبينما كان الاقتصاد يستعد لتحقيق نمو متواضع يقارب 4 في المئة خلال عام 2026، تشير التقديرات الحالية إلى احتمال انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة قد تصل إلى 9 في المئة في حال استمرار النزاع، ما يعكس انتقال الاقتصاد عمليًا من مرحلة التعافي البطيء إلى مرحلة اقتصاد الحرب.

 

كيف انعكست الحرب على الاقتصاد اللبناني خلال الشهر الأول؟ فيما يلي أبرز الأحداث والمؤشرات التي توضح تأثيرها.

 إصلاحات مالية بطيئة… واتفاق بعيد

لفهم قدرة الاقتصاد اللبناني على الصمود في وجه هذه الصدمات، لا بد من العودة إلى مسار الإصلاحات المالية الذي بدأ يتبلور تدريجياً قبل تصاعد التوترات الأمنية. فقد كانت المؤشرات الاقتصادية تشير إلى تقدم نسبي في مسار الاستقرار المالي، إذ نجحت المالية العامة في تحقيق فائض أولي مدعوم بتحسن الإيرادات الضريبية واستمرار سياسات ضبط الإنفاق، وهو تطور اعتبره اقتصاديون خطوة ضرورية لإعادة التوازن إلى المالية العامة بعد سنوات من العجز المزمن.

ومع ذلك، لا يزال التوصل إلى برنامج إصلاحي شامل مع صندوق النقد الدولي يمثل التحدي الأكبر أمام الاقتصاد اللبناني. فالاتفاق مع الصندوق لا يقتصر على تأمين تمويل خارجي، بل يشكل أيضاً إطاراً إصلاحياً لإعادة بناء الثقة في النظام المالي وإعادة إطلاق النمو الاقتصادي.

العقبة الأساسية أمام هذا المسار تبقى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، التي تُعد شرطاً أساسياً لأي اتفاق مع صندوق النقد. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن فجوة الودائع في النظام المصرفي اللبناني تقلصت إلى نحو 25 مليار دولار، وهو رقم أقل بكثير من التقديرات السابقة التي تجاوزت 70 مليار دولار في السنوات الأولى للأزمة. ويعكس هذا التطور انتقال الأزمة تدريجياً من مرحلة الانهيار الحاد إلى مرحلة إدارة الخسائر وإعادة تنظيم النظام المالي.

وفي هذا السياق، يُتوقع أن تتضمن إعادة هيكلة السندات السيادية اللبنانية (اليوروبوندز) اقتطاعاً يقارب 50 في المئة من قيمتها الاسمية، أي ما يعادل نحو 25 مليار دولار. ويعد هذا الإجراء جزءاً من عملية إعادة هيكلة أوسع للدين العام تهدف إلى تخفيف عبء الدين وإعادة بناء القدرة المالية للدولة.

كما تشير التجارب الدولية إلى أن الأنظمة المصرفية الخارجة من أزمات عميقة تميل عادة إلى الانكماش والاندماج. وفي الحالة اللبنانية، قد يؤدي ذلك إلى تقليص عدد المصارف من أكثر من أربعين مصرفاً حالياً إلى ما يقارب النصف، لتشكيل قطاع مصرفي أصغر حجماً لكنه أكثر قدرة على استعادة الثقة وجذب الودائع مستقبلاً.

الذهب يدعم ميزانية مصرف لبنان

وبموازاة النقاش حول إعادة هيكلة النظام المالي، برز عامل آخر ساهم جزئياً في تخفيف الضغوط على الوضع النقدي، يتمثل في التحسن النسبي في ميزانية مصرف لبنان نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الذهب عالمياً خلال العامين الماضيين.

فقد ارتفعت قيمة احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان إلى نحو 46 مليار دولار، إضافة إلى ما يقارب 12 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية، ما يرفع إجمالي الاحتياطيات الخارجية إلى نحو 58 مليار دولار. ويعد هذا التطور تحولاً مهماً مقارنة بالسنوات الأولى للأزمة عندما كانت الاحتياطيات في مسار تراجعي متواصل.

وقد ساهم هذا التحسن في تعزيز قدرة المصرف المركزي على تغطية التزاماته بالعملات الأجنبية، إذ ارتفعت نسبة التغطية إلى نحو 70 في المئة بعد أن كانت أقل من 40 في المئة قبل عامين. إلا أن هذه الصورة الإيجابية نسبياً لا تلغي حقيقة أن التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف التجارية لا تزال مرتفعة وتبلغ نحو 82 مليار دولار، ما يعكس استمرار الفجوة المالية المتراكمة داخل النظام المصرفي.

وبالتالي، فإن تحسن الميزانية لا يعني انتهاء الأزمة بقدر ما يشير إلى امتلاك لبنان هامشاً مالياً محدوداً قد يساعده على إدارة المرحلة الانتقالية إذا ما ترافق ذلك مع إصلاحات هيكلية جدية.

استقرار سعر الصرف رغم الضغوط

هذا التحسن النسبي في الاحتياطيات انعكس بدوره على المشهد النقدي، حيث ساهم في دعم الاستقرار النسبي لسعر صرف الليرة اللبنانية رغم التوترات الأمنية والاقتصادية المتزايدة.

فقد حافظ سعر صرف الليرة في السوق الموازية خلال الأسابيع الماضية على مستويات تراوحت بين 89,600 و89,700 ليرة للدولار. ويعود هذا الاستقرار إلى السياسات النقدية المشددة التي اعتمدها مصرف لبنان منذ عام 2023، والتي ركزت على الحد من الكتلة النقدية بالليرة وتشديد الرقابة على السيولة في السوق.

لكن هذا الاستقرار يبقى هشاً في ظل الضغوط المتزايدة على الاحتياطيات الأجنبية. فقد تراجعت الأصول السائلة بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان بنحو 213 مليون دولار خلال النصف الأول من آذار/مارس 2026 لتصل إلى نحو 11.7 مليار دولار.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضغط على ميزان المدفوعات والمالية العامة، خصوصاً في ظل تراجع السياحة والاستثمارات الخارجية، ما قد يهدد الاستقرار النقدي الذي تحقق خلال السنوات الثلاث الماضية.

 

قطاعات تحت نير الحرب

غير أن الاستقرار النقدي لا يعكس بالضرورة سلامة النشاط الاقتصادي الحقيقي، إذ بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح في القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تشكل المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي.

فبحسب تقديرات الهيئات الاقتصادية، تراجع النشاط التجاري بنحو 50 في المئة نتيجة انخفاض الطلب على السلع غير الأساسية بنسبة تراوحت بين 60 و80 في المئة، فيما بقي الطلب على السلع الأساسية عند مستويات شبه طبيعية.

أما القطاع الصناعي فقد شهد تراجعاً يقارب 50 في المئة نتيجة توقف عدد من المصانع وتعطل خطوط التصدير إلى دول الخليج، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين على الشحنات.

وفي القطاع الزراعي، انخفض النشاط بنحو 40 في المئة نتيجة تعطل الإنتاج في مناطق واسعة وتراجع الصادرات الزراعية.

القطاع السياحي كان الأكثر تأثراً، إذ تراجعت نسب إشغال الفنادق إلى ما بين 10 و15 في المئة فقط مع توقف حركة السياحة الوافدة وإلغاء عدد كبير من الحجوزات. كما تراجع نشاط المطاعم والمقاهي بنحو 90 في المئة، فيما أصبح النشاط في أماكن السهر شبه معدوم.

وامتد التراجع إلى قطاعات الخدمات المرتبطة بالسياحة، حيث انخفض نشاط مكاتب السفر والسياحة بنحو 80 في المئة واقتصر عملها في كثير من الأحيان على إلغاء الحجوزات أو تعديلها. كما سجل قطاع تأجير السيارات انهياراً شبه كامل مع انخفاض الطلب بأكثر من 95 في المئة، بينما يشهد القطاع العقاري حالة جمود شبه تام في المبيعات نتيجة انعدام الطلب وارتفاع مستويات عدم اليقين.

  

كلفة اقتصادية وإنسانية متصاعدة

ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود النشاط الاقتصادي، بل تمتد أيضاً إلى الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط على اقتصاد يعاني أساساً من هشاشة بنيوية عميقة.

فبحسب تقديرات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"، تجاوز عدد النازحين في لبنان 816 ألف شخص، مع توقعات بارتفاع العدد إلى نحو مليون نازح في حال استمرار العمليات العسكرية.

ويضم هؤلاء النازحون نحو 280 ألف امرأة في سن الإنجاب، من بينهن أكثر من 11,600 امرأة حامل يواجهن مخاطر صحية متزايدة نتيجة تعطل خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

كما تأثر قطاع النقل الجوي بشكل كبير، إذ تراجعت حركة الطيران عبر مطار بيروت بنحو 65 في المئة. فقد انخفض عدد الرحلات اليومية من نحو 68 رحلة إلى 22 رحلة فقط بحلول منتصف آذار/مارس، مع إلغاء 464 رحلة خلال 13 يوماً.

وتزداد خطورة الوضع الحالي في ظل محدودية قدرة الاقتصاد اللبناني على امتصاص الصدمات، بعدما فقد نحو 40 في المئة من حجمه الاقتصادي منذ بداية الأزمة المالية في عام 2019.

بين هرمز وارتفاع الأسعار

إلى جانب الضغوط الاجتماعية، يواجه الاقتصاد اللبناني تحدياً إضافياً يتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل نتيجة التوترات الإقليمية، وهو ما ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار والتضخم.

فلبنان يعتمد على استيراد أكثر من 80 في المئة من حاجاته السلعية، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية. وتشكّل الممرات البحرية الرئيسية - البحر الأبيض المتوسط ومضيق هرمز وباب المندب - الشرايين الأساسية لوصول السلع إلى البلاد، إذ تمر عبرها نحو 48.6 في المئة من الكميات المستوردة وتمثل نحو 65 في المئة من قيمتها الإجمالية.

وفي ظل التوترات الإقليمية، ارتفعت تكاليف الشحن البحري والتأمين على البضائع، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة والمواد الأولية للصناعة المحلية.

كما أدى ارتفاع أسعار النفط عالمياً إلى زيادة أسعار المحروقات في لبنان، الذي يعتمد بشكل كبير على البنزين والمازوت لتوليد الكهرباء وتشغيل النقل والصناعة. وتشكل كلفة النقل نحو 13.1 في المئة من سلة إنفاق الأسر اللبنانية، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار الوقود ينعكس سريعاً على معدلات التضخم.

وقد سجل مؤشر أسعار الاستهلاك في شباط/فبراير 2026 ارتفاعاً شهرياً بنسبة 1.90 في المئة مقارنة بشهر كانون الثاني/يناير، بينما بلغ معدل التضخم السنوي 12.27 في المئة.

تحسّن مشروط

في ضوء هذه التحديات المتشابكة، تبدو قراءة التوقعات الاقتصادية للبنان أكثر تعقيداً، إذ تتداخل العوامل الداخلية مع المخاطر الجيوسياسية الإقليمية في تحديد مسار النمو خلال السنوات المقبلة.

ورغم الصورة القاتمة التي فرضتها الحرب، تشير بعض التوقعات الاقتصادية إلى إمكانية تحقيق نمو يقارب 4.6 في المئة خلال عام 2026، على أن يتسارع إلى نحو 6 في المئة في عامي 2027 و2028 في حال تحسنت الظروف السياسية والمالية واستعاد الإقليم قدراً من الاستقرار.

كما يُتوقع أن يبلغ معدل التضخم نحو 10.5 في المئة خلال عام 2026 قبل أن يتراجع تدريجياً إلى ما بين 6 و7 في المئة في السنوات اللاحقة.

غير أن هذه السيناريوهات تظل مرهونة بعامل أساسي، وهو عدم امتداد الحرب إلى مناطق أوسع في المنطقة. فلبنان اليوم لا يواجه مجرد صدمة اقتصادية عادية، بل يقف أمام اختبار مزدوج يجمع بين هشاشة التعافي الاقتصادي وتداعيات نزاع إقليمي مفتوح.

وبناءً على ذلك، يصبح مستقبل الاقتصاد اللبناني مرتبطًا ليس فقط بمدى نجاح الإصلاحات المالية والنقدية، بل أيضًا بقدرته على تجنب الانزلاق نحو صراعات إقليمية أوسع قد تقوض ما تبقى من مقومات الاستقرار الاقتصادي. وإذا ما تعثّر هذان المساران معًا، فقد يتحول الوضع الاقتصادي إلى أزمة طويلة الأمد، تعيد تشكيل بنية الاقتصاد والمجتمع على مدار سنوات قادمة.