اقتصاد تحت النار:
يعمّق الازمة ويعطـّل الإصلاح

01.04.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. غازي وزني*

نظّم قسم الاقتصاد في كلية إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة سيدة اللويزة ندوة بعنوان:" تعافي الاقتصاد اللبناني: الإصلاح وإعادة الهيكلة المالية"، ألقاها د. غازي وزني، وزير المالية اللبناني السابق، حيث قدّم عرضاً تحليلياً شاملاً تناول فيه تداعيات الحرب على الاقتصادين العالمي والإقليمي، إضافة إلى التحديات الراهنة التي تواجه الاقتصاد اللبناني في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، ولا سيما انعكاسات هذه الحرب على مختلف المؤشرات الاقتصادية ومسار الإصلاحات.

وفي هذا السياق، تُحدث الحرب في المنطقة، لا سيما في لبنان، اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، وتعطيل امدادات الأسمدة الزراعية، وتولد ضغوطاً تضخمية في معظم الدول، كما تخلق مناخاً من التوتر وعدم الاستقرار يحدّ من تدفقات السياحة والاستثمار ومن المداخيل العامة، ويهدد الركائز الاقتصادية في المنطقة.

أما في لبنان فتفاقم الحرب الازمة الاقتصادية والمالية العميقة التي يعيشها منذ اكثر من ست سنوات، وتعطل مسار الإصلاحات الضرورية للتعافي، وتزيد من حجم الخسائر المادية والاقتصادية، كما تفاقم الازمة الإنسانية.

وترتبط شدّة هذه التداعيات بمدة الحرب وحدتها، ويمكن عرضها على النحو التالي:

أولا: تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي والإقليمي

تتمثل أبرز التداعيات العالمية في صدمة أسواق الطاقة، حيث تشهد أسعار النفط ارتفاعات حادة قد تصل من 70 الى 120 دولار للبرميل، الى جانب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال، خاصة في حال الاغلاق الجزئي او الكامل لمضيق هرمز، الذي يمرّ عبره خمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز. كما تؤدي الحرب الى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتعطيل سلاسل الامدادات، لا سيما في الأسمدة الزراعية التي تشكل 30  في المئة من الأسمدة العالمية (الكبريت، اليوريا...) ما يهدد الامن الغذائي، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي نحو 0.1 الى 0.2 في المئة في عام 2026 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي في حال استمر الصراع طوال السنة نتيجة المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف الإنتاج وأجواء عدم اليقين وتقلص الاستثمار والاستهلاك، وارتفاع معدلات التضخم العالمية، بحيث يؤدي كل ارتفاع نسبة 10 في المئة في أسعار النفط الى زيادة التضخم بنحو 40 نقطة أساس خلال عام، وتوجه المستثمرين نحو الدولار كملاذ آمن، مقابل تراجع الأسواق المالية.

إقليمياً تتجلى التداعيات في: خسائر اقتصادية تقدّر بنحو 150 مليار دولار (حوالي 3.7 في المئة من الناتج المحلي العربي) في حال استمرار النزاع لمدة شهر، وفق تقديرات الاسكوا، في تباطؤ النمو الاقتصادي بشكل ملحوظ، في تراجع المداخيل العامة، في تعطل حركة الطيران واغلاق المجالات الجوية، في تضرّر قطاعات حيوية كالسياحة، التجارة، الصناعة الكيميائية، النقل، في انخفاض التحويلات المالية والضغط على المالية العامة.

ثانياً: تداعيات الحرب على الاقتصاد اللبناني

تؤدي الحرب الى تعميق الازمة الاقتصادية والمالية في لبنان، وتعطيل الإجراءات الإصلاحية للتعافي، مع تفاقم الاضرار المالية والخسائر الاقتصادية، وارتفاع الكلفة الإنسانية. وتبرز هذه التداعيات في المحاور التالية:

1- تدهور المؤشرات الاقتصادية والمالية:

- انكماش الاقتصاد: من المتوقع ان ينكمش الناتج المحلي الاجمالي بأكثر من 5 في المئة بدلاً من تحقيق نمو بنسبة 4 في المئة في عام 2026، نتيجة أجواء عدم اليقين وتراجع الاستهلاك والصادرات والاستثمار وتضرر قطاعات حيوية كالسياحة والنقل والصناعة والتجارة. وقد تتجاوز الخسائر 3 مليار دولار (9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي) اذا استمرت الحرب لأكثر من شهر. وقد إنكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.1 في المئة في عام 2024.

- تدهور المالية العامة: من مسار متوقع نحو التوازن، الى عجز قد يفوق 5 في المئة من الناتج المحلي نتيجة ارتفاع الانفاق العام لتغطية نفقات الرعاية الصحية والايواء والإغاثة والخدمات الاساسية والاضرار في البنية التحتية وتراجع الإيرادات العامة، خاصة الضريبة على القيمة المضافة.

- اتساع العجز التجاري: نتيجة ارتفاع كلفة الاستيراد، خصوصاً المشتقات النفطية، التي بلغت نحو 4.5 مليار دولار في عام 2025 (14 في المئة من الناتج المحلي) وتبلغ الكلفة الإضافية لواردات النفط نحو مليار دولار.

يفاقم اتساع العجز الضغوط على الاستقرار النقدي، في ظل اعتماد لبنان على الاستيراد بنسبة تفوق 75 في المئة من احتياجاته.

- ارتفاع التضخم: من المتوقع ان يتجاوز 20 في المئة مقارنة بـ 8.7 في المئة نتيجة اعتماده على واردات السلع والطاقة وزيادة تكاليف الخدمات والنقل والإنتاج في الداخل.

- تهديد الاستقرار النقدي: من المتوقع ان تشهد الليرة اللبنانية ضغوطاً تهدد استقرارها في حال طال أمد الحرب، نتيجة زيادة الكتلة النقدية المتداولة بالليرة وتراجع التحويلات المالية وارتفاع فاتورة الاستيراد، وتراجع الصادرات.

- تراجع التحويلات المالية: خصوصاً من دول الخليج التي تشكل أكثر من 45 في المئة من اجمالي التحويلات نتيجة تباطؤ اقتصادات المنطقة ومداخيلها.

2- تعطيل الإجراءات الإصلاحية:

تؤدي الحرب الى تعطيل مسار الإصلاحات الأساسية، من خلال:

          - تأجيل إقرار تعديلات قانون اصلاح القطاع المصرفي

          - تعطيل قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع

          - تأخر اصلاح المالية العامة والقطاع العام

          - شلل المفاوضات مع الدائنين

          - تعطيل الانفاق مع صندوق النقد الدولي على مستوى الموظفين

3- تفاقم الاضرار المادية والاقتصادية:

تؤدي الحرب الى تدمير واسع وممنهج للبنية التحتية والمرافق العامة والقطاعات الانتاجية، بما يشمل الطرق والجسور والمساكن والمنازل والمؤسسات الاقتصادية والأراضي الزراعية.

وقد بلغت كلفة حرب عام 2024 (66 يوماً) المباشرة وغير المباشرة حوالي 14 مليار دولار منها 6.8 مليار دولار أضرار مادية، غالبيتها في قطاع السكن، و 7.2 مليار دولار خسائر اقتصادية خصوصاً في قطاعات التجارة والسياحة والصناعة. وقدرت كلفة التعافي وإعادة الاعمار بنحو 11 مليار دولار وفق البنك الدولي.

أما في الوضع الحالي فمن المرجح ان تتفاقم الخسائر الاقتصادية في حال طالت مدة التصعيد نتيجة قطع الاوصال بين المناطق و تعطّل العلاقات التجارية والخدماتية.

4- تفاقم الازمة الإنسانية:

من المتوقع ان تتفاقم أزمة النزوح لتتجاوز 1.2 مليون شخص، ما ينذر بكارثة إنسانية ذات تداعيات أمنية واجتماعية خطيرة. ويعود ذلك الى محدودية قدرات الدولة على الاستجابة في تأمين الايواء والخدمات الأساسية، وضمان عودة النازحين الى منازلهم التي دمرت بشكل جزئي أو كامل، وتأمين التحويل لاعادة الاعمار، التي تبقى مرهونة بالدعم الدولي كما حصل بعد حرب 2006.

*وزير المالية اللبناني السابق