بقلم د. خالد عيتاني
في الأزمنة الهادئة، كانت الجامعة تُقاس بما تُنتجه من معرفة، وبعدد خريجيها، وبقدرتها على نقل العلوم من جيل إلى آخر. أمّا اليوم، وفي ظل تسارع غير مسبوق في التحولات التكنولوجية والاقتصادية، فقد تغيّرت هذه المعايير جذريًا. لم يعد العالم يعاني من نقص في المعرفة، بل من فائض هائل فيها؛ ولم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على فهمها، وتحليلها، واستخدامها لاتخاذ قرارات فعّالة في بيئة تتسم بعدم اليقين والتعقيد.
من هنا، لا يمكن النظر إلى دخول الذكاء الاصطناعي إلى التعليم الجامعي بوصفه مجرد تطوير تقني، بل باعتباره تحولًا بنيويًا يعيد صياغة وظيفة الجامعة نفسها. نحن لا نعيش لحظة “رقمنة التعليم”، بل لحظة إعادة تعريفه. لقد انتهى عصر الجامعة التي تُدرّس ما تعرفه، وبدأ عصر الجامعة التي تُدرّس كيف نفكر، وكيف نحلل، وكيف نقرر.
من اقتصاد المعرفة إلى ذكاء القرار
لأكثر من عقود، قام التعليم الجامعي على نموذج “اقتصاد المعرفة”، حيث تُقاس القيمة بكمية المعلومات التي يمتلكها الفرد. غير أن هذا النموذج لم يعد كافيًا في عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر. ما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي نحو نموذج أكثر تقدمًا يمكن تسميته بـ“ذكاء القرار”، حيث تصبح القيمة الحقيقية في القدرة على استخدام المعرفة ضمن سياقها، وتحويلها إلى قرارات عملية.
وفي هذا السياق، لم يعد الطالب يُكافأ على حفظ الإجابات، بل على قدرته على طرح الأسئلة الصحيحة، وتحليل البيانات، وربطها بسياقها، واتخاذ قرار فعّال بناءً عليها. لم يعد الامتحان يقيس ما يعرفه الطالب، بل ما يستطيع أن يفعله بما يعرفه.
وهذا التحول يتقاطع مع توجهات OECD (ديسمبر 2025)، التي تؤكد أن المهارات الأساسية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد معرفية فقط، بل تحليلية وسلوكية، قائمة على القدرة على اتخاذ القرار ضمن بيئات معقدة ومتغيرة.
الجامعة كمنصة ديناميكية قائمة على البيانات
مع انتشار الذكاء الاصطناعي، تتحول الجامعة من مؤسسة تقليدية إلى منصة معرفية ديناميكية قائمة على البيانات، والتحليل، والتفاعل المستمر. لم تعد القاعة الدراسية مركز العملية التعليمية، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تشمل التعلم التفاعلي، والمساعدات الذكية، والتحليل الفوري للأداء.
وقد أظهرت دراسة EDUCAUSE المنشورة في 12 يناير 2026 أن 94% من العاملين في التعليم العالي استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة السابقة، بينما أفاد 92% بأن مؤسساتهم تمتلك استراتيجية أو إطار عمل للذكاء الاصطناعي. وهذه الأرقام لا تعكس انتشار الاستخدام فقط، بل تشير إلى تحول في بنية الإنتاجية التعليمية نفسها.
وفي هذا الإطار، لم يعد الأستاذ ناقلًا للمعرفة، بل مصممًا لتجربة تعليمية، ولم يعد الطالب متلقيًا، بل شريكًا في إنتاج المعرفة.
لبنان: من ضغط الأزمة إلى فرصة استراتيجية
في السياق اللبناني، يكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة. فالتعليم الجامعي لا يواجه فقط تحديات التكنولوجيا، بل يرزح تحت ضغوط اقتصادية حادة، وتراجع في القدرة الشرائية، وهجرة للكفاءات، وفجوات رقمية متزايدة.
غير أن هذه التحديات، من منظور اقتصادي استراتيجي، قد تتحول إلى فرصة لإعادة تموضع التعليم الجامعي اللبناني، خصوصًا في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد.
وهنا، يتقاطع هذا التحليل مع ما أكدته UNESCO في 29 مايو 2024، بضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليص الفجوات التعليمية لا توسيعها، ومع تقريرها في 26 سبتمبر 2025 الذي يحذّر من أن مستقبل التعليم بالذكاء الاصطناعي قد يكون عامل توسيع للفرص أو تعميق للفوارق، بحسب طريقة استخدامه.
إعادة تعريف التقييم: من الإجابة إلى مسار التفكير
أحد أهم التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي يتمثل في إعادة صياغة مفهوم التقييم الأكاديمي. ففي زمن يستطيع فيه الطالب الوصول إلى أي إجابة خلال ثوانٍ، يصبح الامتحان التقليدي أداة محدودة القيمة.
وقد أظهرت بيانات Anthropic بتاريخ 8 أبريل 2025 أن الطلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي بكثافة في إنتاج المحتوى والتحليل، ما دفع الجامعات إلى اعتماد نماذج تقييم بديلة مثل:
- المشاريع التطبيقية
- التقييمات الشفوية
- ملفات الإنجاز
- تحليل مسار التفكير
وهذا التحول يعكس انتقالًا جذريًا من تقييم “الإجابة الصحيحة” إلى تقييم “القدرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار”.
الذكاء الاصطناعي والتعلم الشخصي
يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات غير مسبوقة في تخصيص التعلم، وقد تطورت هذه الفكرة لتصل إلى بناء مساعدين ذكيين مرتبطين بالمقررات.
وقد أظهرت نتائج University of Michigan (2025):
- أكثر من 500 مساعد ذكاء اصطناعي للمقررات
- استفادة أكثر من 5500 طالب
كما توسعت المبادرات المؤسسية، حيث بلغ عدد المستخدمين أكثر من 43,800 مستخدم، مع أكثر من 5,800 مشروع ذكاء اصطناعي داخل الجامعة، في حين أطلقت Arizona State University أكثر من 700 مشروع.
وفي السياق العالمي، أطلقت OpenAI في مارس 2025 مبادرة NextGenAI بقيمة 50 مليون دولار، ما يعكس انتقال الجامعات من دور تعليمي إلى دور استثماري في الذكاء الاصطناعي.
التعليم كرافعة اقتصادية
لم يعد التعليم قطاعًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيله. وتشير تقديرات International Monetary Fund (2025) إلى أن:
“Artificial intelligence is expected to affect nearly 40% of global employment and significantly reshape productivity dynamics across sectors.”
وهذا يعني أن التعليم لم يعد مسؤولًا فقط عن نقل المعرفة، بل عن إعداد الأفراد لاقتصاد متغير قائم على الذكاء والبيانات.
وفي هذا السياق، تتجه الجامعات نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في:
- التنبؤ بالتعثر الأكاديمي
- تحليل الأداء
- تحسين تخصيص الموارد
لكن اللافت أن فقط 13% من المؤسسات تقيس العائد الحقيقي (ROI) من استثمارات الذكاء الاصطناعي (2026)، ما يشير إلى فجوة بين التبني التقني والإدارة الاقتصادية الفعلية.
التعلم المستمر: ضرورة اقتصادية لا خيار معرفي
لم يعد التعلم مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة، بل أصبح مسارًا مستمرًا مدى الحياة. وتشير تقارير OECD (ديسمبر 2025) إلى أن التعلم المستمر لم يعد خيارًا، بل ضرورة اقتصادية تفرضها التحولات في سوق العمل.
وفي هذا السياق، لم يعد التعليم عن بُعد مجرد حل تقني، بل أصبح جزءًا من إعادة تعريف التعلم، حيث يُقاس بقدرته على خلق قيمة تعليمية حقيقية، وتوفير دعم فوري، وتعزيز التفاعل المستمر.
التحديات: ما بين الفرصة والمخاطر
رغم الإمكانات الكبيرة، يرافق الذكاء الاصطناعي في التعليم مجموعة من التحديات العميقة، تشمل:
- الخصوصية والأمان
- التحيز والعدالة
- التكلفة وإمكانية الوصول
- ضعف الحوكمة
- الاعتماد الزائد
- تآكل المهارات الأساسية
- صعوبة قياس الأثر
كما تبرز تعقيدات قانونية وأخلاقية جديدة، خصوصًا مع ظهور أطر تنظيمية مثل AI Act، ما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مجال تجريبي إلى مجال منظم يتطلب مساءلة واضحة.
الحوكمة: الشرط الحاسم للتحول
يتضح أن نجاح الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يعتمد فقط على توفر التكنولوجيا، بل على قدرة المؤسسات على إدارتها ضمن إطار واضح من الحوكمة، يوازن بين الابتكار والمسؤولية، وبين الكفاءة والعدالة.
خاتمة: الجامعة التي تُنتج القرار
الجامعة في العقد القادم لن تُقاس بعدد طلابها، ولا بتصنيفاتها، بل بنوعية خريجيها. لن تُقاس بما تُدرّسه، بل بقدرتها على تمكين طلابها من التفكير، والتحليل، واتخاذ القرار.
الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الإنسان، بل شريك في تطوير قدراته. لكنه يفرض على الجامعات أن تمتلك الجرأة لإعادة تعريف ذاتها.
في المستقبل القريب، لن يكون السؤال: من يملك جامعة أفضل؟
بل: من يملك نظامًا تعليميًا قادرًا على إنتاج قرارات أفضل.
لأن المستقبل لا يُصنع بالمعرفة وحدها… بل بالقدرة على استخدامها.
*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية




