إعلان الحوثيين دخولهم الحرب إلى جانب إيران وإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل قبل أمس يفتح احتمالاً جديداً يتعلق بسلامة الملاحة في باب المندب. هذا التطور لا يعني أن الممر قد تعطل فعلياً، لكنه يضعه ضمن قائمة الممرات المهددة في لحظة أصبحت فيها الملاحة عبر مضيق هرمز متعثرة بالفعل، ما يرفع من حساسية النظام التجاري العالمي لأي تطور إضافي.
تغيير المسارات والكلفة
تُقدم الخبرة القريبة خلال 2023 و2024 نموذجاً لما يمكن أن يحدث إذا تحوّل هذا الاحتمال إلى واقع. في تلك الفترة، لم يُغلق باب المندب، لكن مجرد تصاعد المخاطر دفع شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مساراتها. تم تحويل السفن نحو رأس الرجاء الصالح، وارتفع زمن الرحلات بما يقارب عشرة أيام أو أكثر، كما زادت كلفة الوقود والتأمين بشكل حاد. أسعار الشحن قفزت بأكثر من الضعف في بعض المسارات، ما انعكس مباشرة على سلاسل الإمداد والأسعار.
هذا النموذج يوضح أن تأثير باب المندب لا يتطلب إغلاقاً كاملاً. يكفي أن يصبح عبوره مكلفاً أو محفوفاً بالمخاطر حتى تتغير قرارات السوق. وإذا تكرر هذا السيناريو اليوم، فإن الأثر سيكون مضاعفاً بسبب الوضع القائم في مضيق هرمز. فمع ارتفاع المخاطر، تبدأ شركات التأمين بإعادة تسعير الأقساط، وقد تُفرض رسوم حرب إضافية على السفن، ما يرفع كلفة النقل حتى قبل تغيير المسارات فعلياً.
تداخل الممرات والاختناق الشبكي
في الظروف الطبيعية، يسمح تعدد المسارات بإعادة توجيه التدفقات. إذا تعثر أحد الممرات، يمكن تعويضه جزئياً عبر مسار آخر. لكن مع تعثر هرمز، فإن أي اضطراب في باب المندب يحدّ من قدرة النظام على إعادة التوازن. جزء من الصادرات الخليجية يواجه صعوبة في الخروج عبر هرمز، والجزء الذي يتمكن من الوصول إلى البحر الأحمر قد يواجه ممرّاً مرتفع المخاطر أو مرتفع الكلفة.
في هذه الحالة، لا تكون المشكلة في توفر النفط بقدر ما تكون في نقله. فالسوق تدخل في ما يشبه اختناقاً لوجستياً، حيث تبقى الإمدادات موجودة، لكن إيصالها إلى الأسواق يصبح أبطأ وأكثر كلفة. وينعكس هذا النوع من الصدمات مباشرة على الأسعار، لأن تكلفة النقل والتأمين تدخل في عملية التسعير بشكل واضح، وتُضاف إلى سعر البرميل كعلاوة مخاطر جيوسياسية.
تضخم مزدوج: الطاقة والغذاء تحت الضغط
الأثر لا يقتصر على النفط. فباب المندب ممر أساسي للحبوب والأسمدة، وأي اضطراب فيه يرفع كلفة الغذاء، خصوصاً في الدول المستوردة. ويزيد تزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة من حدة الضغوط التضخمية عبر الاقتصاد العالمي، التي تؤثر بدورها على قرارات السياسة النقدية وتوقعات النمو.
لا يعني دخول الحوثيين الحرب أن هذا السيناريو تحقق، لكنه يرفع احتمالاته. ومع وجود سابقة حديثة تُظهر كيف تتصرف شركات الشحن تحت الضغط، يصبح من الواضح أن أي تصعيد إضافي قد يدفع السوق إلى إعادة رسم مساراتها مرة أخرى، مع ما يحمله ذلك من كلفة وتأخير وضغوط تضخمية.
وفي حال تاثر الملاحة في البحر الاحمر، يتحول باب المندب من ممر بحري إلى عنصر في معادلة أوسع تتعلق بمرونة النظام التجاري العالمي. ومع تعثر هرمز، يصبح أي اضطراب محتمل في هذا الممر كفيلاً بإضافة مصدر جديد من الضغط على تدفقات الطاقة والتجارة، وهو ما يضع الأسعار أمام مرحلة تتحدد فيها بقدرة الإمدادات على الوصول الى الاسواق، لا فقط بم هو متوافر منها.




