ضمن سلسلة التقارير التي ترصد أثر النزاعات العسكرية على الاقتصاد العالمي، أصدرت Deloitte تقريرها الجديد تحت عنوان "الوضع الجيوسياسي الإقليمي في الشرق الأوسط"، والذي يقدم تحليلًا معمقًا لانعكاساته الاقتصادية على المنطقة والعالم. ويركز التقرير بشكل خاص على تداعيات التصعيد المستمر منذ 28 فبراير/شباط 2026، حيث شهدت المنطقة تصاعدًا ملحوظًا في التوترات الجيوسياسية، ما أسفر عن وضع أمني متقلب وديناميكي انعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي الإقليمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية، ما أبرز هشاشة الاقتصادات أمام أي اضطرابات مفاجئة. وبحسب التقرير، إن هذه الاضطرابات الفورية لم تعد محصورة في صدمات قصيرة الأمد، بل تتطور بسرعة لتشكل تحديات اقتصادية أكثر تعقيدًا، في وقت يظل فيه مسار الاقتصاد طويل الأجل غامضًا وغير واضح.

ويهدف التقرير إلى تقديم رؤية شاملة للمشهد الجيوسياسي والاقتصادي المتغير، مع تركيز خاص على تأثيره على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، ومتابعة انعكاساته على الاقتصاد العالمي، خصوصًا في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ويستند التحليل إلى ثلاثة سيناريوهات زمنية متباينة تختلف في طول فترة التصعيد وشدة تأثيرها الاقتصادي، ما يتيح فهمًا أعمق لكيفية تأثر معنويات المستثمرين وثقة المستهلكين والمؤشرات الاقتصادية الرئيسية في ظل حالة عدم اليقين الراهنة.
السيناريوهات الزمنية للتوترات وتأثيرها على الاقتصاد
يعتمد هذا التقرير على تحليل السيناريوهات الزمنية للتوترات وتأثيرها على الاقتصاد، حيث يحدد ثلاثة مستويات:
- التصعيد المحدود (4–6 أسابيع)
يفترض هذا السيناريو استمرار مستوى التوتر الحالي دون امتداده بشكل كبير خارج المناطق المتأثرة، ويتميز بصدمة فورية في نشاط الأعمال وثقة المستثمرين، مع اضطراب مؤقت في استهلاك الأسر ونشاط السياحة والسفر. يتركز هذا السيناريو على الصدمات الأولية، واختناقات سلاسل الإمداد، والتحولات اللحظية في معنويات السوق.
في هذا السياق، يشهد المستثمرون هروبًا سريعًا نحو الأصول الآمنة مثل الذهب والدولار الأميركي، مع زيادة تقلبات الأسواق وتوقف مؤقت في القرارات الاستثمارية الجديدة. أما قطاع السفر والسياحة، فقد سجل انخفاضًا حادًا في الحجوزات والنشاط السياحي نتيجة إغلاق المجال الجوي والتحذيرات الأمنية، ما تسبب بخسائر مالية قصيرة الأجل. وتبني الشركات إجراءات احترازية مثل تعليق المبادرات الجديدة والتركيز على استمرارية العمليات، مع توقع إعادة البناء سريعًا بعد انحسار التوتر.
- التصعيد المستمر (3–4 أشهر)
يمثل هذا السيناريو استمرار الأزمة لمدة ربع عام على الأقل، مع الحفاظ على مستوى الشدة الحالي أو زيادته قليلًا، وانتشار العدوى الجيوسياسية لتشمل فاعلين إضافيين ومسارات تجارة أكثر، لكنه يبقى محدودًا نسبيًا.
في هذا الإطار، يستمر تقلب السوق وارتفاع علاوات المخاطر، ما يؤدي إلى انسحاب رؤوس الأموال من المنطقة وتراجع الاستثمار الجديد. كما يشهد قطاع السفر والسياحة استمرار اضطراب السفر العالمي وانخفاض ثقة الزوار، مع تأثير طويل الأجل على إيرادات القطاع. من جانب الشركات، تضطر المؤسسات إلى إعادة التفكير الجذرية في استراتيجيات النمو وتأجيل خطط التوسع، مع محاولة التكيف مع حالة عدم اليقين الممتدة، بما يضع تحديًا مستمرًا أمام صناع القرار الاقتصادي.
- التصعيد المطوّل (+10 أشهر)
يبحث هذا السيناريو في التحولات الهيكلية والآثار الاقتصادية الدائمة في حال استمرار النزاع أو تصعيده لفترة طويلة، بما في ذلك دخول أطراف جديدة أو حدوث اضطرابات كبيرة في شرايين التجارة العالمية.
تتعرض معنويات المستثمرين لإعادة تقييم شاملة لمخاطر المنطقة، مما قد يؤدي إلى انسحاب مستدام للاستثمارات الأجنبية وتفضيل الأصول الآمنة على الفرص الإقليمية. أما قطاع السفر والسياحة، فقد يشهد تراجعًا دائمًا في سمعة المنطقة كوجهة آمنة، مع الحاجة لإعادة هيكلة طويلة الأمد للقطاع. وتواجه الشركات ضغوطًا اقتصادية حادة، قد تدفعها للانسحاب الدائم من بعض الأسواق، وإعادة تشكيل استراتيجيات الأعمال وسلاسل الإمداد بشكل جذري ضمن "الوضع الطبيعي الجديد". كما يتأثر السكان بارتفاع الشراء للسلع الأساسية، تقليص الإنفاق الاختياري، وزيادة الادخار والسيولة النقدية، مع احتمال تحول هذه السلوكيات إلى استراتيجيات استهلاك مستدامة.

التداعيات الاقتصادية على القطاعات والمؤشرات الرئيسية
تعدد التداعيات الاقتصادية للتصعيد المستمر على مختلف القطاعات، حيث لا تقتصر الأضرار على قطاع واحد أو مؤشرات محددة، بل تمتد لتشمل التجارة والتضخم الاستثمار والتوظيف وغيرها.
- التجارة
يشهد قطاع التجارة اضطرابات مباشرة ومتفاوتة حسب طول فترة الأزمة. ففي التصعيد المحدود، يحدث اضطراب فوري وإعادة توجيه التجارة البحرية، بما يشمل السلع الغذائية والمصنعة، عبر نقاط الاختناق مثل مضيق هرمز، ما يزيد رسوم التأخير ويؤثر على تكلفة الوصول للسلع. كما يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة وأجور النقل إلى زيادة التكاليف مباشرة، مع تأثير على القدرة التنافسية للصادرات.
أما في التصعيد المستمر، قد تلجأ الشركات لإعادة توجيه سلاسل الإمداد عبر مسارات بديلة أو خطوط أنابيب، ما قد يزيد من اختناقات جديدة ويؤثر على هوامش الربح. وفي التصعيد الطويل الأمد، قد يتحول الوضع إلى تحول هيكلي لمسارات التجارة بعيدًا عن الموانئ الخليجية، مع مخاطر تآكل العلاقات التجارية التقليدية وارتفاع دائم في التضخم بسبب تكلفة النقل والطاقة.
- التضخم
ارتفع التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي والسلع المستوردة، مما يزيد تكاليف الاستيراد والإنتاج، سواء بشكل مؤقت أو مستمر، بحسب طول فترة الأزمة. في حال التصعيد الطويل الأمد، قد ينشأ ما يعرف بحلقة أجور–أسعار هيكلية، حيث تتغذى الزيادات في الأجور على ارتفاع الأسعار بشكل دائم، خصوصًا في الاقتصادات الخليجية المعتمدة على الواردات مثل السعودية، الإمارات، وقطر.
- الناتج المحلي الإجمالي
على صعيد الناتج المحلي الإجمالي، تشهد القطاعات النفطية زيادة في العائدات نتيجة ارتفاع الأسعار، خاصة في السعودية وقطر، فيما قد تقل المكاسب في حال حدوث أي تعطيل في التصدير. أما القطاعات غير النفطية، مثل السياحة، الطيران، التجزئة، والخدمات اللوجستية، فتتأثر سلبًا بسبب ارتفاع المخاطر وانخفاض ثقة الأعمال، مع تأثير أكبر في الإمارات وقطر مقارنة بالسعودية.
- الاستثمار الأجنبي المباشر
يشهد الاستثمار الأجنبي المباشر تقلبات متفاوتة، حيث يؤدي التصعيد المحدود إلى تأجيل المشاريع الجديدة وانخفاض حاد في التدفقات المالية الأجنبية. أما في التصعيد المستمر، فيتسم الاستثمار بالاختيارية مع تراجع في القطاعات غير الأساسية واعتماد أكبر على الحكومات وصناديق الثروة السيادية. في التصعيد الطويل الأمد، قد يشهد المشهد الاستثماري إعادة تشكيل كاملة مع انخفاض مستدام في الاستثمارات الخاصة وزيادة الاعتماد على القطاع العام.
- التوظيف
يواجه سوق العمل ضغوطًا متفاوتة بحسب طول الأزمة. التصعيد المحدود يسبب تباطؤًا مؤقتًا وزيادة في التسريحات بالقطاع الخاص مع استقرار القطاع العام. في التصعيد المستمر، تستمر الضغوط على التوظيف نتيجة انخفاض ثقة الأعمال، بينما في التصعيد الطويل الأمد قد تظهر فجوات هيكلية في سوق العمل، خاصة مع تراجع تدفق العمالة الوافدة وارتفاع البطالة في القطاعات غير النفطية.
- التوازن المالي
قد يعوض ارتفاع أسعار النفط والغاز خسائر التجارة غير النفطية ويزيد الإيرادات الحكومية على المدى القصير. أما في التصعيد المستمر، فتزداد الضغوط على الإيرادات غير النفطية، مما يستدعي توسيع الإنفاق الأمني والدعم الاجتماعي. وفي التصعيد الطويل الأمد، يشهد الإنفاق العسكري والبنية التحتية زيادة مستمرة، بينما ينمو الإيرادات غير النفطية بشكل بطيء مع اعتماد أكبر على النفط.

أحداث اقتصادية تحت المراقبة
تتسم الأشهر المقبلة بأهمية بالغة بالنسبة للأسواق الخليجية والعالمية على حد سواء، حيث يشهد الاقتصاد الإقليمي سلسلة من الأحداث الاقتصادية الرئيسية التي سيكون لها تأثير مباشر على العملات وأسعار النفط واتجاهات الاستثمار. وتعد قرارات البنوك المركزية العالمية في مقدمة هذه الأحداث، إذ قام الفيدرالي الأميركي في 18 آذار/مارس بتثبيت سعر الفائدة عند 3.5–3.75 في المئة، بينما أبقى البنك المركزي الأوروبي على سعر الفائدة عند 2 في المئة، وسجل بنك إنجلترا سعراً ثابتاً عند 3.75 في المئة.
بالإضافة إلى ذلك، من المقرر صدور أولى قراءات مؤشرات مديري المشتريات (PMIs) للقطاعات غير النفطية في دول الخليج بين 3 و5 نيسان/أبريل، وهي مؤشرات تعكس صحة الأنشطة الاقتصادية ومستوى النشاط الصناعي والخدمي. وبحسب بيانات شباط/فبراير، سجلت الإمارات 55.0 والسعودية 56.1، وتشير تحليلات "جيه بي مورغان" لصندوق النقد الدولي إلى أن كل زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار الطاقة قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم بمقدار 40 نقطة أساس، وانكماش الناتج المحلي بمقدار 0.1–0.2 نقطة مئوية، ما يعكس هشاشة الاقتصاد تجاه صدمات أسعار الطاقة.
وفي سياق مرتبط، تعقد منظمة "أوبك+" اجتماعها في 5 نيسان/أبريل لمراجعة سياسة الإنتاج وسط الإغلاق المستمر لمضيق هرمز، وهو ما يضيف مزيداً من الضغوط على أسواق النفط العالمية ويؤثر مباشرة على إيرادات دول الخليج المالية. وتؤكد هذه الأحداث مجتمعة على أهمية المتابعة الدقيقة للأسواق، حيث يمكن لأي تغير بسيط في أسعار الفائدة أو سياسات الإنتاج أن يترجم بسرعة إلى تقلبات كبيرة في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

نفط وهـرمز: خمس قنوات
يمر تأثير ارتفاع أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي عبر خمس قنوات رئيسية، كل منها يضيف أبعادًا مختلفة للصدمات الاقتصادية المحتملة.
1- أسعار الغذاء وعدم الاستقرار في العالم النامي
يشكل الخليج بين 33–45 في المئة من تجارة الأسمدة العالمية، وقد أغلقت قطر جميع إنتاج الأسمدة. هذا التوقيت يتزامن مع موسم زراعة المحاصيل الربيعية في نصف الكرة الشمالي، وإذا لم يحصل المزارعون على أسمدة بأسعار معقولة بحلول نيسان/أبريل–أيار/مايو، فإن انخفاض المحاصيل سيكون محتمًا حتى عام 2027، مع تكرار تأثيرات مماثلة لتلك التي ساهمت في إشعال ثورات الربيع العربي في 2010–2011.
2- رقائق الكمبيوتر وكوريا الجنوبية
تعتمد كوريا الجنوبية على استيراد 92 في المئة من طاقتها، مع 70–72 في المئة من نفطها من الشرق الأوسط. تنتج شركتا سامسونج وSKHynix نحو 70 في المئة من شرائح الذاكرة العالمية، وتشكلان نصف سوق الأسهم الكورية، الذي انخفض بنسبة 8.1 في المئة في يوم واحد. كما أن تطوير الذكاء الاصطناعي عالميًا يعتمد على توفر الرقائق والطاقة بأسعار معقولة، مع خطط إنفاق تتجاوز 200 مليار دولار.
3-الخطوط الجوية والشحن
يمثل الوقود نحو 25–32 في المئة من تكاليف شركات الطيران، بينما يشكل الوقود البحري 50–60 في المئة من تكاليف النقل. شركات الطيران الأمريكية مثل American, United, Southwest لا تمتلك حماية مالية ضد تقلبات أسعار الوقود، في حين أن شركات أوروبية، مثل Ryanair، محمية بنسبة 84 في المئة من هذه التقلبات. خلال صعود أسعار النفط في عام 2008، أعلنت 25 شركة طيران إفلاسها نتيجة الضغوط المالية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الوقود.
4-أزمة ديون الدول النامية
ارتفاع أسعار النفط يقوّي الدولار، ما يزيد من صعوبة سداد القروض المقومة بالدولار بالنسبة للدول منخفضة الدخل، حيث يصل إجمالي ديون العالم النامي إلى 105 تريليونات دولار، أي ما يعادل 245 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتشمل الدول الأكثر عرضة لهذه الضغوط الأرجنتين وتركيا ومصر وباكستان ونيجيريا. أما الهند، فقد تواجه عجزًا في ميزان التجارة يتجاوز 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إذا بلغ سعر النفط 120 دولارًا للبرميل، مع التزامها بسداد ديون سنوية تصل إلى 400 مليار دولار.
5-البنوك المركزية وأسعار الطاقة
يواجه الفيدرالي الأميركي مأزقًا صعبًا بين التضخم المرتفع والضعف الاقتصادي المتزامن. في الوقت نفسه، شهدت أوروبا قفزة حادة في أسعار الغاز بنسبة 52 في المئة بعد إيقاف قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال.وتُعد اليابان من بين الاقتصادات الكبرى الأكثر تأثرًا، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، التي تشكل بين 90 و95 في المئة من احتياجاتها، مما يجعلها عرضة بشكل كبير لتقلبات أسواق الطاقة العالمية.
إعادة تشكيل الاقتصاد
مع استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، لم يعد أثره مجرد صدمة عابرة، بل أصبح قوة حقيقية تعيد تشكيل هيكل الاقتصاد العالمي والخليجي، مع تداعيات طويلة الأمد على الاستثمار، سلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، مما يفرض على الحكومات والشركات إعادة رسم استراتيجياتها لمواجهة الواقع الجديد.




