سجّلت أسعار النفط ارتفاعًا لافتًا في مستهل تداولات الأسواق الآسيوية اليوم، في ظل تسارع التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، عقب انخراط أطراف يمنية في الصراع وتنفيذ هجمات على إسرائيل، بالتزامن مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي، ما يعكس تصعيدًا متزايدًا واتساعًا في نطاق المواجهة.
وسجلت عقود خام برنت الآجلة ارتفاعًا بنسبة 2.2 في المئة لتفتتح عند مستوى 115 دولارًا للبرميل، وسط حالة من الترقب والقلق في الأسواق العالمية. وزاد من حدة التوتر تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أبدى فيه موقفًا متشددًا بإشارته إلى رغبته في السيطرة على النفط الإيراني، في تلميح لاحتمال استهداف منشآت حيوية مثل جزيرة خرج.
ومنذ اندلاع الأزمة أواخر شباط/فبراير، تواجه الأسواق العالمية واحدة من أعنف الاضطرابات في تاريخها، إذ يتجه خام برنت لتحقيق مكاسب شهرية قياسية تُقدَّر بنحو 59 في المئة، في ظل شبه توقف كامل لحركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة الطاقة عالميًا.
وتشير التقديرات إلى تراجع تجارة النفط البحرية من المنطقة بنحو 40 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، لتصل إلى نحو 12 مليون برميل يوميًا، تشمل النفط الخام والمنتجات المكررة. كما خرج ما لا يقل عن 8 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج النفطي عن الخدمة، نتيجة اختناقات التصدير وقيود التخزين، ما أجبر العديد من المنتجين على تقليص الإنتاج أو وقفه.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أعلنت وكالة الطاقة الدولية تنفيذ أكبر عملية سحب منسق من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخها. ومع ذلك، لا يزال تأثير هذه الخطوة محدودًا نسبيًا، نظرًا للفجوة الزمنية لوصول الإمدادات إلى الأسواق، فضلًا عن أن الكميات المتوقعة- والتي تتراوح بين 1.5 و2 مليون برميل يوميًا- لن تعوض سوى جزء من النقص الحاد في المعروض.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى أسواق المنتجات المكررة، حيث يبرز وقود الطائرات كأكثر القطاعات تأثرًا، لا سيما في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على واردات الخليج لتأمين احتياجاتها، ما أدى إلى اضطرابات سعرية حادة ونقص ملموس في الإمدادات.
ولم تتوقف التداعيات عند سوق النفط؛ إذ أعلنت قطر للطاقة حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز الطبيعي المسال، التي تمثل نحو 7 في المئة من الإمدادات العالمية، ما فاقم من حدة أزمة الطاقة العالمية. كما تسبب إغلاق مضيق هرمز في اضطراب واسع في أسواق الأسمدة، مع تأثر نحو ثلث التجارة البحرية، إلى جانب تشدد ملحوظ في سوق الألمنيوم، في ظل مساهمة المنطقة بنحو 8 في المئة من الإمدادات العالمية.
في المجمل، تعكس هذه التطورات حجم الصدمة الهيكلية التي تضرب أسواق الطاقة والسلع، حيث تتداخل خسائر الإمدادات الفعلية مع القيود اللوجستية، لتبقي الضغوط التصاعدية على الأسعار قائمة، رغم الجهود الدولية الرامية إلى احتواء الأزمة.




