الطيران والسياحة تحت صدمة الحرب:
رحلات معلّقة واضطراب واسع

30.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

د. سوليكا علاء الدين

يشهد قطاع السياحة والسفر في الشرق الأوسط اضطرابًا غير مسبوق منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وسط صدمة كبيرة لقطاع الطيران الذي وجد نفسه أمام توقف شبه كامل للرحلات وتعطّل العمليات التشغيلية. وقد أدى ذلك إلى إعادة رسم خريطة الحركة الجوية في المنطقة خلال أيام قليلة، مع إغلاق المجال الجوي في عدد من الدول وإلغاء أكثر من خمسة آلاف رحلة خلال يومين فقط، ما تسبب في شلل شبه كامل للطيران الإقليمي والدولي، وانعكس مباشرة على قطاعي النقل والسياحة المرتبطين به.

وتزامن ذلك مع تعثر استئناف الرحلات المنتظمة، إذ أعطيت الأولوية لإجلاء المسافرين العالقين في مختلف الوجهات، داخل الشرق الأوسط وخارجه، ولا سيما على المسارات الحيوية بين أوروبا وآسيا التي تعتمد بشكل كبير على مراكز العبور الجوية في الخليج. وقد أثارت هذه التطورات حالة من القلق لدى المسافرين وشركات الطيران، مع توقع استمرار آثارها حتى بعد توقف المواجهات المباشرة نتيجة تراجع الثقة وارتفاع المخاطر المرتبطة بالسفر.

ركيزة استراتيجية للنقل العالمي

يمثل الشرق الأوسط نحو 5 في المئة من إجمالي وصول السياح الدوليين و14 في المئة من حركة العبور العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على شبكة النقل الجوي العالمية. ووفق بيانات "فلايت رادار24"، أُلغيت أكثر من 18,441 رحلة بين 28 شباط/فبراير و12 آذار/مارس 2026 في تسعة مطارات رئيسية، بينها دبي وأبوظبي والدوحة والكويت والبحرين والرياض وجدة ومسقط وبيروت.

وقدّر المجلس العالمي للسفر والسياحة الخسائر المباشرة لشركات الطيران خلال الأيام الاثني عشر الأولى بنحو 1.89 مليار دولار، مع توقع ارتفاعها إلى 3.6 مليار دولار خلال الشهر الأول إذا استمرت الاضطرابات.

 

الخسائر المحتملة

تشير تقديرات "أوكسفورد إيكونومكس" إلى سيناريوهين رئيسيين لتأثير النزاع على قطاع السفر. ففي حال احتواء الأزمة خلال فترة تتراوح بين أسبوع وثلاثة أسابيع، قد ينخفض عدد الوافدين إلى المنطقة بنسبة 11 في المئة مقارنة بالتوقعات، ما يعادل فقدان نحو 23 مليون زائر دولي وخسائر في الإنفاق السياحي تصل إلى 34 مليار دولار.

أما إذا استمر الصراع لمدة شهر أو شهرين، فقد يتراجع عدد الزوار الدوليين بنحو 38 مليون سائح، مع خسائر في الإنفاق السياحي قد تبلغ 56 مليار دولار، على أن تتحمل دول مجلس التعاون الخليجي الجزء الأكبر من هذه الخسائر، نظراً لاعتمادها على الاستقرار والأمن كعامل رئيسي لجذب السياح.

 

ارتفاع الوقود يهدد الأرباح

دخل قطاع الطيران العالمي مرحلة حساسة مع الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، ما دفع شركات الطيران إلى رفع أسعار التذاكر وتقليص السعة التشغيلية في محاولة للحد من التكاليف. غير أن هذه الإجراءات تضع الشركات أمام معادلة صعبة، إذ قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تراجع الطلب، خصوصًا في ظل الضغوط المتزايدة على ميزانيات المستهلكين.

وقبل اندلاع الصراع، كانت التوقعات تشير إلى تحقيق أرباح قياسية لقطاع الطيران في عام 2026، إلا أن القفزة الكبيرة في أسعار الوقود قلبت هذه التوقعات وأجبرت الشركات على إعادة تقييم استراتيجياتها التشغيلية وشبكات رحلاتها.

ورغم تسجيل حركة السفر العالمية مستويات قياسية خلال العام الماضي متجاوزة ما قبل جائحة كورونا، فإن استمرار اختناقات سلاسل الإمداد وتأخر تسليم الطائرات حدّا من قدرة الشركات على التوسع. وقد منح ذلك شركات الطيران قوة تسعيرية مؤقتة، إلا أن هذه الميزة تواجه اختبارًا صعبًا في ظل القفزة الكبيرة في أسعار الوقود.

وتشير التقديرات إلى أن أسعار التذاكر قد تحتاج إلى زيادات ملحوظة لتغطية كلفة الوقود، فيما تبدو شركات الطيران منخفضة التكلفة الأكثر هشاشة لاعتمادها على المسافرين الحساسين للأسعار، مقارنة بالشركات التقليدية التي تستهدف شرائح أعلى دخلاً. كما يواجه القطاع تحديات إضافية تتعلق بتأخر تسليم الطائرات وصعوبة تحديث الأساطيل، في وقت تشهد فيه الأسواق صدمة نفطية رابعة منذ مطلع القرن، مع مخاطر إضافية مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وإغلاق ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز.

تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط

لا تقتصر آثار الصراع على المنطقة، بل تمتد إلى السوق السياحية العالمية. إذ تشير التقديرات إلى احتمال تأثر نحو 116 مليون زيارة و858 مليون ليلة إقامة خارج الشرق الأوسط خلال عام 2026، نتيجة تعطل الربط الجوي وارتفاع تكاليف الرحلات الطويلة بفعل زيادة أسعار وقود الطائرات.

كما أدى انكماش الممرات الجوية منذ الحرب الروسية–الأوكرانية إلى تحويل بعض الرحلات إلى مسارات أطول عبر أوروبا وآسيا الوسطى، ما زاد زمن السفر وتكاليف التشغيل وأبطأ قدرة شركات الطيران على استعادة التوازن.

مرونة القطاع وسيناريوهات التعافي

على الرغم من الصدمة الحالية، يظل قطاع السفر والسياحة من أكثر القطاعات الاقتصادية قدرة على التعافي. فوفق المجلس العالمي للسفر والسياحة، يمكن أن يعود الطلب للنمو خلال شهرين إذا تحركت الحكومات والقطاع الخاص بسرعة لاستعادة ثقة المسافرين وإعادة فتح الممرات الجوية الحيوية.

وتتمتع بعض دول مجلس التعاون الخليجي بمرونة نسبية بفضل الطلب على السفر الداخلي والديني، مثل الحج والعمرة، حيث يُتوقع أن يتراجع هذا النوع من السفر بنسبة محدودة تتراوح بين 5 و10 في المئة، مقارنة بالتراجع الأكبر في السفر الترفيهي الدولي.

في المقابل، تواجه إيران تراجعًا حادًا في أعداد السياح قد يصل إلى ما بين 70 و90 في المئة، مع احتمال استغراق التعافي عدة سنوات. وعلى الجانب الآخر، قد تستفيد بعض الدول من إعادة توجيه حركة السياحة الإقليمية، مثل سلطنة عمان التي يُتوقع أن تحقق نمواً في الطلب السياحي يتراوح بين 5 و15 في المئة، وفق تقديرات "فيتش سوليوشنز".

تحت ضغط مزدوج

في المحصلة، يواجه قطاع الطيران والسياحة العالمي ضغطًا مزدوجًا يتمثل في ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الطلب، ما يفرض على الشركات موازنة دقيقة بين رفع الأسعار والحفاظ على القدرة التنافسية. وفي ظل هذه البيئة المتقلبة، تصبح المرونة المالية والقدرة على التكيف عاملين حاسمين في بقاء الشركات واستمرارها.

ويبقى التعافي مرهونًا بسرعة احتواء الأزمة الجيوسياسية وإعادة فتح الممرات الجوية الحيوية، بما يسمح بعودة حركة السفر تدريجيًا إلى مسارها الطبيعي واستعادة الثقة في أحد أكثر القطاعات حيوية للاقتصاد العالمي.