د. سوليكا علاء الدين
تشكل الأحداث الجيوسياسية المندلعة منذ 28 شباط/فبراير 2026 اختبارًا حاسمًا لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل ضغوط غير مسبوقة ناجمة عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية، التي تهدد القدرة على الصمود أمام الأزمات المتزامنة والمتشابكة. وتتقاطع في هذه المرحلة تقلبات أسواق الطاقة مع المخاطر الأمنية، ما يعيد التأكيد على أهمية تعزيز التعاون الخليجي، واستكمال خطط التنويع الاقتصادي، وضمان الثقة الداخلية والخارجية للحفاظ على استقرار الأسواق.
وبالرغم من خفض بعض التوقعات الاقتصادية، تشير القراءات الأولية للمؤشرات الكلية إلى قدرة عالية على إدارة الأزمات، مستندة إلى أسس اقتصادية متينة تشمل احتياطيات مالية ضخمة وبنية تحتية مرنة، تمنح اقتصادات الخليج ميزة تنافسية واضحة، تتمثل في سرعة التعافي واستعادة التوازن المالي والاقتصادي بعد الصدمات.
تراجع النمو وتفاوت التأثير
في ظل ظروف الحرب، خفضت مؤسسة "أوكسفورد إيكنوميكس" توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي لعام 2026 إلى 2.6 في المئة، بانخفاض قدره 1.8 نقطة مئوية مقارنة بالتقديرات السابقة، نتيجة التراجع في صادرات النفط، وضعف الطلب المحلي، وتضرر قطاع السياحة. وأوضح التقرير أن الإمارات وقطر ستكونان الأكثر تأثرًا، نظراً لصعوبة إعادة توجيه صادرات الهيدروكربونات، ما سيحد من تدفقات التصدير ويضغط على مستويات الإنتاج.
وفي سياق متصل، حذّرت جولي كوزاك، مديرة الاتصالات بصندوق النقد الدولي، من أن اتساع نطاق الحرب سيضعف النمو الاقتصادي لدول الخليج ويزيد الضغوط على ميزانها المالي والخارجي. وأكدت أن شدة التأثير مرتبطة بقدرة الدول على استئناف صادراتها النفطية، مع الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع أسعار الخام الذي قد يعوّض جزئيًا انخفاض الإنتاج في بعض الدول.
من جهتها، أشارت تقديرات "غولدمان ساكس" إلى أن اقتصاد الإمارات قد يشهد انكماشًا يصل إلى 5 في المئة إذا استمر الصراع حتى نيسان/أبريل، فيما قد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية بنسبة 3 في المئة، في حين قد تصل الخسائر إلى 14 في المئة في قطر والكويت في أسوأ السيناريوهات، ما يعكس تفاوت التأثيرات بين دول الخليج بناءً على هيكل صادراتها ومرونتها الاقتصادية.

ضغوط على الأسواق المالية
لم تقتصر التأثيرات على الناتج المحلي، بل امتدت إلى أسواق الصكوك والسندات الخليجية. وفق Fitch Ratings، شهدت الصكوك الخليجية المصنفة انخفاضًا في السيولة منذ اندلاع الحرب، حيث تراجع متوسط درجة السيولة LQA لصكوك الدولار الأميركي من 56 في نهاية 2025 إلى 45 في 23 آذار/مارس 2026، بينما انخفض متوسط درجة السندات إلى 48 من 53 في نفس الفترة. وأوضحت الوكالة أن الصكوك الاستثمارية حافظت على مرونتها نسبياً، فيما تعرضت الصكوك المضاربية لضغوط أكبر، ما يعكس ثقة المستثمرين في الأسس الاقتصادية لدول الخليج رغم الأزمة. كما أشارت إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية يزيد من تكلفة التمويل ويبطئ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على المدى القصير.
150 مليار دولار خسائر
من جهتها، تشير تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا"إلى أن الخسائر الاقتصادية في المنطقة العربية بلغت نحو 63 مليار دولار خلال أسبوعين فقط، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 146 مليار دولار خلال شهر واحد في حال استمرار التصعيد الحالي.
وعلى صعيد التجارة، أدّى تعطّل الشحن إلى خسائر تُقدّر بنحو 2.4 مليار دولار يومياً، ما يرفع حجم الخسائر التجارية إلى نحو 60 مليار دولار خلال شهر. وفي قطاع الطيران، تُقدّر الخسائر بنحو 3.6 مليارات دولار، فيما تكبّدت الأسواق المالية الخليجية خسائر إضافية تُقدّر بنحو 157.5 مليار دولار بحلول مطلع شهر آذار/مارس.

صدمة هرمز وسلاسل الإمداد
تبرز صدمة سلاسل الإمداد بوضوح من خلال الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 20 في المئة من النفط والغاز الطبيعي في العالم، ما شكّل تهديدًا كبيرًا لسلاسل الإمداد الخليجية والعالمية. فقد أدى توقف الملاحة التجارية إلى تعطيل تدفقات النفط والسلع الأساسية، مما اضطر الشركات والمستوردين إلى البحث عن مسارات بديلة عبر موانئ مثل الفجيرة وخورفكان في الإمارات، وميناء صحار في عمان، مع رفع تكاليف النقل والتأمين بشكل كبير. كما تأثرت الصادرات الحيوية مثل اليوريا والأمونيا والفوسفات والألومنيوم والهيليوم، ما انعكس فورًا على الأسواق العالمية من خلال أسعار الأسمدة.
وأدى توقف شحن الغاز الطبيعي المسال من قطر وأبوظبي إلى فقدان نحو 20 في المئة من الإمدادات، مع تداعيات مباشرة على المشترين عالميًا، وكذلك على استهلاك الطاقة المحلي في الكويت ومصر، حيث استمرت الاضطرابات لمدة أسابيع. وأوضح تقرير لـ"بلومبرغ" أن استمرار هذه التعطيلات قد يلحق أكبر الضرر باقتصادات النفط في قطر والكويت والبحرين، بينما تمتلك السعودية والإمارات مسارات بديلة لتصدير النفط، ما يخفف من حدّة التأثيرات الاقتصادية.
صمود الاقتصاد السعودي
ووسط المشهد الإقليمي المتوتر، يرى خبراء أن الاقتصاد السعودي يبرز كأحد أكثر الاقتصادات قدرة على التكيّف، مع توقعات بتحقيق مؤشرات نمو إيجابية قد تتجاوز تقديرات ما قبل عام 2026. وتستند هذه الرؤية إلى قدرة المملكة على الاستفادة من ارتفاع عوائد الطاقة لتعزيز ملاءتها المالية، بالتوازي مع الاستفادة من بنيتها التحتية اللوجستية واستخدام البدائل الاستراتيجية في تصدير النفط. وقد تمثّل ذلك في الارتفاع القياسي لصادرات النفط عبر ميناء ينبع، التي بلغت نحو 4 ملايين برميل يوميًا، ما يعكس نجاح خطة إعادة توجيه الإمدادات عبر خط الأنابيب "شرق–غرب".
ولا يوفّر هذا المنفذ بديلاً آمنًا لمضيق هرمز فحسب، بل يؤكد أيضًا مرونة شبكة الإمدادات السعودية وقدرتها على الحفاظ على دور محوري في أسواق الطاقة العالمية رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية.
ركائز مرونة الاقتصاد الخليجي
على الرغم من هذه الصدمات، تظهر اقتصادات دول الخليج قدرة ملحوظة على التكيف، مدعومة بأربع ركائز أساسية:
1-الاحتياطيات المالية الضخمة: تشكّل صناديق الثروة السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي في دول الخليج دعامة رئيسية لمواجهة الأزمات والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ويمتلك الخليج نحو 35.3 في المئة من أصول الصناديق السيادية العالمية، بإجمالي يزيد على 5 تريليونات دولار، وفق بيانات مؤسسة Global SWF للفترة من يناير حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025. كما حافظت البنوك الخليجية على ميزانيات قوية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ما مكّن الدول من مواجهة انخفاض أسعار النفط بين 2014 و2016، وهو أحد أكبر الانخفاضات في التاريخ الحديث بنسبة 70 في المئة، والأطول منذ انهيار المعروض النفطي عام 1986.
وبفضل هذه الخبرات، حققت دول مجلس التعاون الخليجي فائضًا في الحساب الجاري يزيد على 800 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية، واستثمرت مواردها المالية بحرفية لضمان استدامة الثروة وتحقيق رفاهية الأجيال الحالية والمقبلة.
2- توازن القوة: يُعد توازن دول الخليج بين القوة الصلبة والناعمة خط دفاع فعال أمام الصدمات الإقليمية والعالمية. فالدول الخليجية تعزز قدراتها العسكرية والموارد الاقتصادية لضمان الأمن والاستقرار، وفي الوقت نفسه تستثمر في التعليم والبحث العلمي، وتنظم الفعاليات الثقافية والرياضية، وتوسع نفوذها الدبلوماسي. هذا المزيج الاستراتيجي يمكّنها من مواجهة الاضطرابات، والحفاظ على مكانتها الدولية، وتعزيز تأثيرها في الأسواق العالمية والسياسات الدولية، كما تجسّده تجارب الإمارات وقطر والسعودية وعمان والبحرين كنماذج رائدة لهذا النهج المتكامل.
3- اقتصاد مرن وبنية تحتية متقدمة: اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي هياكل اقتصادية مرنة تقوم على تنويع الروافد المالية وتحفيز القطاعات غير النفطية، استراتيجية أثبتت كفاءتها في تحصين المنطقة ضد تقلبات أسواق الطاقة والصدمات الجيوسياسية. وتستند القدرة على التعافي السريع إلى بنية تحتية عالمية المستوى؛ حيث تصدرت الإمارات وقطر والسعودية المؤشرات الإقليمية لعام 2024، مدعومة باستثمارات تجاوزت 250 مليار دولار في شبكات الربط اللوجستي والتحول الرقمي. إن هذا التكامل بين استدامة الإيرادات وتطوير البيئة الاستثمارية لم يقتصر على فك الارتباط التدريجي بالأسواق النفطية، بل عزز موثوقية المنطقة كمركز اقتصادي آمن يمتلك المقومات المؤسسية لضمان الاستقرار المالي والنمو المستدام حتى في ظل أكثر السيناريوهات الإقليمية تعقيدًا.
4- شبكة أمان دبلوماسية: تمثّل الدبلوماسية الخليجية المعاصرة نموذجًا متطورًا في إدارة النزاعات الدولية، حيث تساهم جهود الوساطة المتنوعة في تحييد المخاطر الجيوسياسية وضمان استدامة الاستقرار الاقتصادي والأمني. ومن خلال تخصيص مسارات الوساطة، نجحت دول المنطقة في صياغة منظومة دبلوماسية استباقية تقلل من انعكاسات الصراعات على المؤشرات الكلية. وتُعزز هذه السياسات الخارجية تداخل الجهود الإنسانية والاجتماعية، ما يوفر ركيزة أساسية لتهدئة التوترات الداخلية والإقليمية. وتتيح المنظومة الخليجية قدرة مؤسسية عالية على التعامل مع الاضطرابات العالمية والحفاظ على التوازنات المالية والسياسية، معززةً بذلك دورها كقطب فاعل في النظام الدولي الجديد، ومانحة المنطقة مرونة كبيرة في مواجهة الهزات العالمية، معززة ثقلها السياسي واستقرارها المالي على الساحة الدولية.
ما بعد الحرب
مدة الحرب ستكون المحدّد الرئيس لشدة التأثيرات الاقتصادية على دول الخليج، إذ تثبت التجارب أن أي تصعيد أمني يتحوّل فورًا إلى خسائر مالية واقتصادية جسيمة. وفي هذا السياق، تبرز الأزمة الراهنة كعامل ضاغط يدفع إلى إعادة النظر في أساليب التعاون الخليجي العسكري والاقتصادي، وتحويل الرؤية المشتركة إلى خطوات عملية لتعزيز الأمن الإقليمي واستدامة التنمية. وتشير التوقعات إلى أن التعافي التدريجي لدول الخليج قد يبدأ في النصف الثاني من 2026، مع احتمال تحقيق نمو تعويضي أقوى في 2027، ما يعكس قدرة الاقتصادات الخليجية على التكيف إذا ما رافقها تنسيق جماعي فعال.
وقدمت مخرجات قمة البحرين الأخيرة إطارًا استراتيجيًا جاهزًا لمواجهة هذه التحديات، إذ تؤكد أن التحول من مرحلة "التعاون" إلى "الاتحاد" لم يعد خيارًا مؤجلاً ، بل ضرورة ملحة في ظل الأزمات المستمرة والتهديدات الأمنية المتصاعدة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فالانتقال نحو "الاتحاد" يمنح دول الخليج القدرة على ممارسة دبلوماسية القوة الجماعية، وتحويل الجهود الفردية إلى "منظومة أمنية واقتصادية ملزمة" تمنع التدخلات الخارجية واستخدام المنطقة ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، وتؤسس لاستقرار أسواق الطاقة وضمان السلم الإقليمي.
ويتيح الاتحاد الخليجي إنشاء آليات فعّالة لإدارة الأزمات وتنسيق الردود الاستراتيجية وحماية المصالح الوطنية، محوّلًا الرؤية السياسية المشتركة إلى قوة عملية قادرة على الردع والتأثير في المعادلات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الأزمة الحالية دافعًا حقيقيًا لتسريع تنفيذ بنود قمة البحرين، وضمان تحويل الاتفاقات النظرية إلى ممارسات حقيقية تحمي المكتسبات الوطنية وتحصّن الأمن الاقتصادي والاستراتيجي لدول مجلس التعاون.




