روسيا والحروب البعيدة: كيف تتحول الازمات الجيوسياسية إلى ارباح طاقوية ضخمة؟
د. أنيس بوذياب
مع كل تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، لا تبقى التداعيات محصورة في الخليج، بل تمتد لتعيد رسم موازين أسواق الطاقة العالمية. وفي قلب هذه التحولات، تبرز روسيا كأحد أبرز المستفيدين، مستمرةً في تقلبات الأسعار لإعادة تعزيز موقعها المالي والجيوسياسي.
روسيا في قلب سوق الطاقة العالمي
تعد روسيا واحدة من أكثر القوى الطاقوية في العالم، إذ تنتج ما بين 10 و11 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل 10–12 في المئة من الإمدادات العالمية، ما يضعها ضمن أكبر ثلاثة منتجين عالميًا. أما في سوق الغاز، فتحتل موقعًا أكثر تأثيرًا، حيث تمثل نحو 16–18 في المئة من الإنتاج العالمي، وتعد من أكبر المصدرين، خصوصًا عبر خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال. وقبل عام 2022، كانت تؤمّن قرابة 40 في المئة من واردات أوروبا من الغاز، ما منحها نفوذًا استراتيجيًا واسعًا. ورغم التحولات التي فرضتها العقوبات وإعادة توجيه الصادرات نحو آسيا، لا تزال روسيا لاعبًا محوريًا في تحديد اتجاهات الأسعار وتوازنات العرض والطلب في الأسواق العالمية للطاقة بحكم عضويتها في منظمة "أوبيك بلاس".
النفط كصمام أمان للموازنة الروسية
تعتمد روسيا بشكل أساسي على إيرادات الطاقة في تمويل موازنتها، حيث تُقدّر قيمة الموازنة الفدرالية لعام 2026 بنحو 380–420 مليار دولار (وفق سعر صرف الروبيل مقابل الدولار). يناهز الناتج المحلي الروسي 2.1–2.3 تريليون دولار، وفي ظل أسعار نفط 65–70 دولارًا للبرميل، يُتوقع تسجيل عجز في الموازنة يتراوح بين 1.5–2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار 10 دولارات يضيف إيرادات للخزينة العامة بمقدار 35–40 مليار دولار (حوالي 15 مليار دولار بعد احتساب الخصومات بسبب العقوبات) سنويًا، حيث تشكل عائدات النفط والغاز 30–35 في المئة من إيرادات الموازنة الروسية. مع ارتفاع النفط إلى حدود 90–100 دولار للبرميل، يتحول العجز إلى فائض يتجاوز 10–15 مليار دولار. ويعود ذلك إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط يضيف ما يقارب 0.5–0.7 في المئة من الناتج المحلي كإيرادات إضافية للخزينة، كما يعزز قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العسكري والاجتماعي دون اللجوء المكثف إلى الاقتراض أو السحب من صندوق الثروة السيادي، ما يجعل أسعار الطاقة عاملاً حاسمًا في استقرار المالية العامة الروسية
إعادة توجيه الطلب: آسيا في قلب الاستراتيجية الروسية
بعد العقوبات الغربية إثر الحرب في أوكرانيا، أعادت روسيا رسم خريطة صادراتها بسرعة، مستفيدة من التوترات في الشرق الأوسط والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتأثير هذه الحرب على مضيق هرمز، حيث يمر نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية عبر المضيق: الصين، تستورد أكثر من 2 -2.5 مليون برميل يوميا من النفط الروسي. الهند، ارتفعت حصتها من أقل من 2 في المئة إلى أكثر من 30 – 35 في المئة من وارداتها النفطية. تركيا، تحولت إلى مركز تكرير واعادة تصدير رئيسي. رغم تقديم خصومات تتراوح بين 10 و20 دولارًا للبرميل، فإن ارتفاع الأسعار العالمية عوّض هذه التخفيضات، بل وسمح لموسكو بالحفاظ على تدفقات نقدية قوية.
مكاسب ظرفية ام تحول بنيوي؟
هذه الأرباح لا تعكس فقط ظرفًا مؤقتًا، بل تكشف عن اختلالات أعمق في الاقتصاد العالمي:
- استمرار الاعتماد على مناطق غير مستقرة مثل الخليج وروسيا لتأمين الطاقة,
- بطء التحول نحو الطاقة البديلة، مع بقاء النفط والغاز فوق 50 في المئة من مزيج الطاقة العالمي.
- تحول الطاقة إلى أداة نفوذ سياسي، وليس مجرد سلعة اقتصادية.
العقوبات على روسيا تحت الضغط، لا تنهار بل تتآكل
ساهمت الأزمات الجيوسياسية في تخفيف أثر العقوبات الغربية، لكن دون إلغائها، فارتفاع الأسعار عوّض الخصومات، كما أن الطلب الآسيوي حافظ على مستويات الإنتاج، ما أدى إلى توسع أسطول "الظل" لنقل النفط. رغم هذا التحسن والتوسع في الإنتاج، تبقى التحديات على الاقتصاد الروسي مستمرة، من خلال القيود على التكنولوجيا الغربية، خاصة في مشاريع الطاقة المتقدمة، إضافةً إلى صعوبات في التمويل والتحويلات، والاعتماد المتزايد على عدد محدود من الشركاء. بمعنى أدق، العقوبات لم تفشل، لكنها أصبحت أقل فعالية أي بيئة عالمية مضطربة.
الطاقة كسلاح جيوسياسي
تستخدم روسيا مواردها الطاقوية بمرونة استراتيجية لتعزيز نفوذها عبر تقديم خصومات مدروسة لتعزيز الشركات، وتوقيع عقود طويلة الأجل تخلق اعتمادًا متبادلًا، وتوجيه الإمدادات نحو أسواق أقل حساسية سياسيًا. كما تعكس مشاريع الأنابيب نحو آسيا تحوّلًا استراتيجيًا يهدف إلى تقليص الاعتماد على أوروبا بشكل دائم.
تكشف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران حقيقة واضحة: في عالم لا يزال يعتمد على الطاقة الأحفورية، تتحول الأزمات إلى فرص مالية هائلة لبعض الدول. وقد نجحت روسيا في استثمار هذه اللحظات بذكاء، محققة مكاسب قد تصل إلى عشرات المليارات سنويًا مع كل موجة ارتفاع في أسعار النفط، ومعززة في الوقت نفسه موقعها في خريطة الطاقة العالمية.




