الخليج على خط الزلزال الجيوسياسي:
حرب تعيد تشكيل الاقتصاد
وتفرض اختباراً سيادياً غير مسبوق

29.03.2026
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم د. خالد عيتاني*

لم يعد السؤال في هذه اللحظة التاريخية: من بدأ الحرب؟ بل: من يعيد تعريفها… ومن يدفع ثمن إعادة تعريفها؟
فمع انتقال الولايات المتحدة من موقع الداعم إلى المشارك الأول في الحرب عبر استهداف مراكز الطاقة الإيرانية وطرح سيناريوهات إنزال قوات، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبح إعادة تشكيل متكاملة لمعادلة القوة بين السياسة والاقتصاد والسلاح. ومع الرد الإيراني بالصواريخ الباليستية والمسيّرات، واستهداف المنشآت الحيوية، وتهديد مضيق هرمز، دخل الشرق الأوسط طوراً جديداً: حرب لا تُدار فقط في غرف العمليات العسكرية، بل في أسواق الطاقة، وممرات التجارة، وموازين النفوذ الدولي.

وفي قلب هذا التحول، تكشف الأرقام ما هو أبعد من مجرد تصعيد ميداني. فقد تجاوز عدد الهجمات الإيرانية على دول الخليج 4,391 صاروخاً ومسيّرة، أي ما يعادل 83 في المئةمن مجمل الهجمات في المنطقة، مقابل17 في المئة فقط استهدفت إسرائيل. هذه النسبة لا تعكس فقط كثافة الاستهداف، بل تكشف إعادة توجيه استراتيجية للحرب نحو البنية الاقتصادية للنظام الإقليمي، حيث لم تعد إسرائيل وحدها مركز الصراع، بل أصبح الخليج-بوصفه مركز الطاقة العالمي-هو الهدف الأكثر حساسية.

الإمارات التي تعرضت لأكثر من 2,156 هجوماً، والسعودية التي واجهت ما يزيد عن 723 هجوماً، لم تكونا مجرد ساحتي استهداف، بل منصتين لضرب الاقتصاد العالمي عبر ضرب أمن الطاقة. ومع تسجيل أكثر من 169 إصابة و11 قتيلاً، واستهداف بقية دول الخليج—الكويت، البحرين، قطر، وعُمان—لمطارات ومنشآت حيوية، بات واضحاً أن المعركة لم تعد بين جيوش، بل بين أنظمة اقتصادية متكاملة. ولم يكن وصول الضربات إلى قواعد عسكرية تضم قوات أميركية، وإصابة جنود داخل السعودية، تفصيلاً ميدانياً عابراً، بل إشارة سياسية عميقة إلى أن الوجود الأميركي نفسه أصبح جزءاً من معادلة الردع والاستهداف معاً، وأن الخليج لم يعد محمياً بالكامل، بل مدمجاً في قلب الاشتباك الدولي.

وفي هذا السياق، فإن احتفاظ إيران بنحو 30 في المئةمن قدرتها الصاروخية الفاعلة رغم الضربات، لا يعني فقط استمرار التهديد، بل يكشف عن استراتيجية استنزاف مدروسة، تقوم على إبقاء مستوى التهديد دون الوصول إلى حرب شاملة، ولكن بما يكفي لإرباك الاقتصاد العالمي وفرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه سياسياً. هنا تتحول الصواريخ من أداة عسكرية إلى أداة تفاوض غير مباشر.

لكن إذا كانت الصواريخ تُقاس بالعدد، فإن الحرب الحقيقية تُقاس بالاقتصاد. وهنا يتحول الخليج من ساحة عسكرية إلى مركز صدمة اقتصادية عالمية. فما يتعرض له ليس مجرد ضرر في قطاع الطاقة، بل صدمة نظامية (Systemic Shock) تضرب كامل المنظومة الاقتصادية عبر قنوات متداخلة. فقد أدى استهداف منشآت النفط والغاز في السعودية والإمارات وقطر إلى تعطيل جزئي في الإنتاج تراوح بين 5 و12في المئة في بعض الحقول، لكن الأثر الأعمق تمثل في ارتفاع كلفة التشغيل، وانخفاض كفاءة الإنتاج، وتحويل سلاسل الإمداد إلى مسارات أطول وأكثر هشاشة. كل برميل يُنتج اليوم لم يعد مجرد سلعة، بل برميل محمّل بكلفة أمنية ومخاطر استراتيجية.

وفي موازاة ذلك، أعادت الأسواق العالمية تسعير الخليج كمصدر للطاقة ضمن بيئة عالية المخاطر، فارتفعت تكاليف التأمين البحري بأكثر من 300 في المئة، وارتفعت أقساط المخاطر المرتبطة بالشحن والتمويل، ما جعل جزءاً كبيراً من الإيرادات النفطية يتآكل قبل أن يصل إلى الموازنات. ورغم ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 50 في المئة، فإن هذا الارتفاع لم يتحول إلى مكاسب صافية، بل إلى سعر هشّ غير قابل للاستثمار طويل الأمد، في ظل تراجع الطلب المتوقع واضطراب العقود.

أما على مستوى الاستثمار، فقد شكّل انخفاض منصات الحفر بنسبة 39 في المئة إشارة خطيرة إلى تراجع الثقة، وتأجيل مشاريع التوسع، وتحول جزء من الاستثمارات إلى مناطق أكثر استقراراً. ومع خسائر مباشرة تجاوزت 25 مليار دولار لإصلاح البنية التحتية، وارتفاع كلفة الاقتراض، وإعادة تقييم المخاطر السيادية، يصبح واضحاً أن الخليج لا يواجه أزمة طاقة، بل إعادة تشكيل قسرية لنموذجه الاقتصادي تحت ضغط الحرب.

وهنا تتكامل أبعاد الصراع بشكل غير مسبوق:
عسكرياً عبر الاستهداف المباشر،
اقتصادياً عبر تعطيل الطاقة وإعادة تسعير المخاطر،
سياسياً عبر فرض معادلات تفاوض جديدة.

فالحرب لم تعد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد كوسيلة ضغط سياسي.

وفي قلب هذه المعادلة، تقف القواعد الأميركية بوصفها نقطة التقاء هذه الأبعاد الثلاثة. فهي توفر حماية وردعاً، لكنها في الوقت ذاته تجعل الخليج هدفاً مباشراً، خصوصاً بعد استهداف مواقع عسكرية وإصابة جنود أميركيين. وهكذا، لم تعد القواعد ضمانة مطلقة، بل أصبحت جزءاً من معادلة الحماية والخطر معاً. والأهم من ذلك، أن الوجود الأمريكي لم يعد مجرد غطاء أمني، بل أداة ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع، حيث تسعى واشنطن إلى ضبط إيقاع الحرب بما يخدم توازناتها مع القوى الكبرى، لا بالضرورة بما يضمن استقرار الخليج بالكامل.

ومن هنا، يظهر البعد السياسي الأكثر حساسية: أن هذه الحرب قد تكون مدخلاً لتسوية جديدة، كما حدث في عهد باراك أوباما عبر سلطنة عُمان، حيث جرت المفاوضات دون إشراك فعلي لدول الخليج. لكن الفرق اليوم أن الخليج لم يعد طرفاً هامشياً، بل المتضرر الأول اقتصادياً وعسكرياً، ما يجعل تغييبَه عن أي تسوية مقبلة ليس مجرد خلل سياسي، بل تهديداً مباشراً لاستقراره الاستراتيجي.

في هذا السياق، لا تتحرك دول الخليج نحو التصعيد بقدر ما تتجه نحو إعادة تعريف أمنها ضمن مقاربة واقعية متقدمة. فهي تدرك أن التهديد لم يعد تقليدياً، بل أصبح شبكياً ومتزامناً: صواريخ، مسيّرات، حرب سيبرانية، اختراقات استخباراتية، وتهديد للممرات البحرية والاقتصاد. لكنها تدرك أيضاً أن الرد لا يمكن أن يكون فردياً أو تقنياً فقط، بل يجب أن يكون تكاملياً عملياً.

وهنا يصبح تفعيل الدور الأمني الجماعي ضرورة لا خياراً. ليس عبر بيانات أو تنسيق شكلي، بل عبر تشغيل فعلي لمنظومة دفاع موحدة، حيث يُواجه الصاروخ كتهديد خليجي واحد، وتُدار المعلومات الاستخباراتية ضمن مركز مشترك، وتُحمى الممرات البحرية بقدرات خليجية مباشرة، وتُبنى عقيدة واضحة تقوم علىاستمرارية الدولة تحت الضغط لا فقط منع الضربة. فالمعيار الحقيقي للقوة لم يعد القدرة على الاعتراض فقط، بل القدرة على الاستمرار.

وفي المقابل، فإن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، بل يجب أن يكون سياسياً بقدر ما هو استراتيجي. فالدرس الذي قدّمته تجربة باراك أوباما واضح:
الغياب عن طاولة التفاوض يعني دفع كلفة القرار دون المشاركة في صناعته.

ولهذا، يصبح الطرح السياسي المطلوب قائماً على ثلاثية متكاملة:
فرض الحضور في أي تفاوض مقبل، بحيث لا يُبحث الملف الإيراني دون الخليج؛
واستخدام الثقل الاقتصادي—خصوصاً الطاقة—كأداة ضغط تفرض الاستقرار كضرورة دولية؛
وإدارة التوازن بذكاء، عبر حياد نشط لا ينخرط في الحرب لكنه لا يسمح بتجاهله.

وفي ظل فراغ إقليمي واضح—حيث تكتفي المؤسسات العربية والإسلامية بالبيانات، وتعتمد مصر الحذر، وتحافظ تركيا على توازنها—يجد الخليج نفسه أمام لحظة تاريخية لا يمكن إدارتها بالأدوات التقليدية. فالأمن لم يعد وظيفة عسكرية، بل هندسة متكاملة للعلاقة بين القوة والاقتصاد والسياسة.

توصيات ضمن خمس ركائز استراتيجية مترابطة:

1.بناء منظومة أمن خليجي سيادية متكاملة

الانتقال من تنسيق شكلي إلى تشغيل موحّد فعلي، عبر مركز قرار واحد، ودفاع جوي وصاروخي مدمج، واستخبارات مشتركة، وقواعد اشتباك موحّدة، بحيث يُعتبر أي تهديد لأي دولة اعتداءً على الخليج كله ويُقابل برد جماعي تلقائي.

 2. فرض الحضور السياسي في أي تسوية
عدم السماح بتكرار نموذج باراك أوباما عبر سلطنة عُمان، بل اشتراط إدراج أمن الخليج (الصواريخ، المسيّرات، الممرات) كبند إلزامي في أي اتفاق.

 3. تحويل أمن الطاقة إلى قضية دولية ملزمة
ربط استقرار إمدادات النفط والغاز بالأمن العالمي، بحيث يصبح أي استهداف للخليج تهديداً للاقتصاد الدولي وليس مسألة إقليمية.

 4. الانتقال من منع الضربة إلى ضمان الاستمرار
بناء منظومة دفاع سلبي تضمن تشغيل الدولة والاقتصاد حتى تحت الهجمات، لأن الصمود أصبح معيار القوة الحقيقي.

5. استخدام الاقتصاد كأداة ردع
توظيف الطاقة والاستثمارات والسيولة لفرض كلفة استراتيجية على أي تهديد، وتحويل النفوذ الاقتصادي إلى قوة سياسية مؤثرة.

نحو تفعيل أمني شامل وإعادة تموضع استراتيجي

إن ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة، بل لحظة تأسيسية ستحدد موقع الخليج لعقود مقبلة. ولم يعد ممكناً الاكتفاء بإدارة المخاطر، بل أصبح المطلوب تفعيل المجال الأمني إلى أقصى حدوده الممكنة، ضمن رؤية سيادية متكاملة.

هذا يعني أن يتحول الأمن إلى منظومة تشغيلية موحدة،
وأن يصبح الاقتصاد أداة صمود لا نقطة ضعف،
وأن تتحول السياسة من رد فعل إلى فعل استباقي يفرض الشروط.

لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن:

الحرب تبدأ بالصواريخ
لكنها تُحسم في الاقتصاد
وتُكتب نتائجها على طاولة السياسة.

*رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية